عن نس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم- رواه الإمام البخاري في باب حلاوة الإيمان.
النبي ؟ بين لنا في هذا الهدي النبوي الشريف حقيقة المؤمن الذي تغلغل الإيمان في قلبه وذاق حلاوة الإيمان، ولقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم صوراً بيانية في هذا الهدي النبوي الشريف كي يبرز لنا من خلالها حقيقة المؤمن التي تتجلى في الصورة التشبيهية الواردة في الحديث الشريف.
إن المشبه هو كراهة العودة في الكفر والمشبه به كراهة القذف في النار، ووجه الشبه هو وجدان الألم وكراهة القلب إياه، وظاهر الأمر، أن التشبيه واضح فالمراد كراهة العود إلى الكفر ككراهة القذف في النار، ولكن عند التحليل والتأمل يظهر أن هذا من جوامع الكلم الذي تفرد به الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم.
من خفي إلى جلي
ولو تصورنا أن إنساناً أوقدت النار على أشدها أمامه فكيف تكون كراهة هذا الإنسان للقذف به في النار؟ وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم التعبير بالقذف ليدل على مدى كراهة هذا الإنسان إلى العودة إلى الكفر وتأمل معي دقة اختياره صلى الله عليه وسلم لفظة “في” التي تدل على الظرفية وأن كراهية هذا الإنسان للكفر كإحاطة النار به كإحاطة الظرف بالمظروف، ويقول ابن حجر العسقلاني عليه رحمة الله: لقد عد النبي صلى الله عليه وسلم العود ب”في” ولم يقل “إلى” لضمان الاستقرار وكأنه يقول يستقر فيه لقوله لله تعالى “دوماً كان لنا أن نعود فيها”وهذا البيان النبوي نقلنا من خفي إلى جلي، ومن خفي وهو العود إلى الكفر إلى جلي وهو القذف في النار، والتشبيه الوارد في الحديث هو تشبيه تمثيلي حيث شبه حالته في كراهة العود إلى الكفر بعد الانقاذ منه بحاله في كراهة القذف في النار وهو تشبيه يرمى به إلى توضيح مقدار هذه الكراهية وانه لا يستطيع مخلوق عاقلاً كان أم غير عاقل ان يقذف في النار، بمقتضى العقل والغريزة وفي هذا التصوير الحسي لتلك الحال تنفير لأهل العقول من التردي وتشنيع لأهل الضلال (ان هم إلا كالأنعام بل هم أضل) والنبي صلى الله عليه وسلم يستخدم الالفاظ الموحية فكل لفظ له اشعاعات ودلالات وايحاءات معنوية ومنها الفعل المضارع (يعود) في قوله “وان يكره ان يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار”، فاستخدام الفعل “يعود” دلالة على أن المرء لا بد أن يترقى كل يوم بالبعد عن ملابسات الكفر والضلال وان عليه كل يوم ان يزداد من الهدى والطاعة.
إجمال وتفصيل
المقصود من الصورة البيانية التي اعتمدت على النسبية الحث على التمسك بشعب الايمان والتحري والدقة في التمسك بهذه الشعب وان يكره المؤمن العودة إلى الكفر كما يكره ان يقذف في النار، لقد جمع الرسول في أسلوبه “الاجمال والتفصيل” الاجمال في قوله ثلاث والتفصيل: كل واحدة على حدة، والذي يتذوق حلاوة الايمان يشغل بالله فيخشاه، وتشغله خشيته سبحانه عن خشية مخلوق من مخلوقاته، فقد يخشى القطيعة اكثر من خشيته ان يقذف في النار، والحلاوة عادة تولد الحرارة في الجسم، وكأن هذه الحلاوة تولد الحرارة في الاطراف فتنطلق في السعي لرضا الله والحرارة هاهنا تعني النشاط والحياة كما تعني البرودة والجحود والموت، لذلك قيل: حرارة الايمان وبرد اليقين وفي هذا الهدي النبوي الشريف صورة تشبيهية ففي قوله: حلاوة الايمان شبه الايمان بالعمل أو نحوه وحذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه واسناد الحلاوة إلى الايمان استعارة تخيلية. أما التشبيه ففي قوله “وان يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” فالتشبيه هنا من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس ليتمكن في النفس ويستقر في العقل لأن الحلاوة إنما تكون في المطعومات والمشروبات والايمان ليس كذلك، فالايمان في هذا الحديث حلاوة يذوقها من كانت فيه الخصال ثلاث عالية كريمة ذكرها الحديث وهي حب الله ورسوله حباً يفوق كل شيء آخر والحب في الله وكراهية العودة إلى الكفر فمن وجدت فيه هذه الخصال تذوق حلاوة الايمان وقال العلماء: معنى حلاوة الايمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل وفي رضى الرسول صلى الله عليه وسلم وإيثار ذلك على عرض الدنيا ومحبة العبد لله سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.