عرض مشاركة واحدة
قديم 07-02-2009, 05:34 PM   رقم المشاركة : 1 (permalink)
. عايش متهني .
زهرة الرومانسية
 
الصورة الرمزية . عايش متهني .






. عايش متهني . متصل الآن

 

 

___ المنطقة المحرمة ___





المنطقة المحرمة



إن من أهم ما يشغلني دائما هو موضوع كرامة الإنسان , تلك الكرامة التي تهدر كل ساعة بل كل دقيقة بكل كل ثانية . وليست هذه هي المصيبة الكبرى , ولكن المصيبة الأعظم هي جهلنا بأننا نجتث تلك الكرامة من جذورها مع كل يوم , دون أن نعلم أو ندرك ذلك الأمر ! .

إنني لا أتحدث هنا عن تلك المواضيع التقليدية والتي قد يطلق عليها حقوق الإنسان وما شابهها , ولكني أخصص المسألة في شيء أهم وأعظم , ألا وهي كرامة الذات , جوهر كرامة الإنسان . ليس من الغريب أن نتعدى حدودا حمراء في مجال لا يعيه إلا المتيقظون , مادمنا نعيش في زمن قد أختلط فيه كل شيء , وساد التخبط فيه من الأرض كل متر .

إن الذات الإنسانية هي الكرامة العظمى للإنسان , وركيزته الأولى التي يبني عليها جل كيانه ككل متماسك ومترابط , فإن هدمت تلك الصفة عند صاحبها , لم يتبقى لما بقي معنى ولا قيمة . لذلك استعاذ منها رسول البشر عليه السلام عندما قال : وأعوذ بك من قهر الرجال .


منطقة الذات , وهي تلك المنطقة المركزية المجازية والتي تعبر عن كينونتنا الوجودية وهويتنا الأصلية , تعد منطقة محرمة لا ينفذ إليها ولا تمسها إلا أيدينا , فلا يحق لأحد أن يقترب منها إلا بإذننا وبقوانيننا الخاصة , لا يجوز إيذائها , كما لا يجوزتوجيه السهام المسمومة إليها بأي حال من الأحوال , لأنها ( حرمة ) لا يمسها ولا يتعاطى معها إلا من يملكها , وكان عليه السلام يعلم تلك الحقيقة بفطرته الفذة , فكان إذا أراد أن يوجه اللوم أن يقول : مابال أقوام يفعلون كذا وكذا , مع أنه قصد بهذا الخطاب شخصا محددا , ولكنه عليه السلام تعمد الحديث الغير مباشر لعلمه بتلك المنطقة المحرمة .

إننا نرى في حياتنا اليومية خرق يكاد أن يكون اعتياديا – بقصد أو بدون قصد – لتلك المنطقة المحرمة , فتوجه الرسائل - السلبية - اللفظية وغير اللفظية – إليها بشكل مباشر من لوم واحتقار وإذلال وقهر , محدثة شروخ وجروح نازفة مع كل اعتداء , ومع استمرار تلك الهجمات , تتسع الجروح , فلا تقبل الدواء لأنها لم تعد تملك أدنى - مقومات الحياة .


يقول الدكتور ابراهيم الفقي : إذا وجه إليك أحدهم رأيه السلبي بك , فقل له : رأيك بي لا يدل علي ولن يدل علي , وذلك لأن الرأي الإنساني غالبا ما يمثل شيء واحدا فقط , إنه يمثل قائلة ! , والعلة في ذلك أن الرأي البشري غالبا ما يصدر من شخص تتحكم فيه الأهواء وتتوه لديه الأفكار , ويعلوه الجهل والسفاهة إلا من رحم ربي .


يوصي المتخصصون في المجال النفسي والتربوي بتوجيه الخطاب عند التواصل البشري إلى الأفعال والسلوكيات دون الذوات , فنقول : يا فلان إني أحبك , ولكن عملك هذا ليس بصائب , ويبين له الأسباب أحيانا على قدر سنه وفهمه , كما أنه يجب الحرص في الجانب التربوي عموما على ( التوازن الانفعالي والفكري ) فتكون المكافئة على عمل مرغوب بما يناسب ذلك العمل , وتكون المعاقبة على عمل غير مرغوب على قدر ذلك العمل دون تهويل أو بمبالغة . ولكن المشكلة الأساسية في الأساليب التربوية المتبعة غالبا تحدث عندما يوجه الأبوان رسائل مباشرة لفظية وغير لفظية للابن مع انفعال مبالغ فيه ( وذلك لحرص الأبوان ) على أبنهما , ولكن وللأسف فإن الرسالة الحقيقية التي تصل إلى الابن ليست كما ما يريد الآباء بإيصالها لأبنائهم ولكنها ستكون في مفهوم الابن : ( أنت إنسان مجرم أو سيء وأنا أكرهك , فكيف لك أن تقع بهذا الخطأ العظيم !!! ) , فتترسخ لدى الابن صورة ذهنية مفادها هذه الرسالة القاسية , ومع تكرار هذه الرسائل ( غير المعبر عنها ولا المفهومة بشكل صحيح ) يتأكد عند الابن مفهوم الذات يوما بعد يوم , والذي يؤكد تلك الرسالة القديمة السلبية والقامعة في الوعي واللا وعي .


ما أتحدث عنه هنا في مفهوم حفظ المنطقة المحرمة , إنما هو مفهوم يسري على جميع التفاعلات الاجتماعية على اختلافاتها على حد سواء , فلا يشتمل على تربية النشأ فقط, وإنما – وهو ما يهمني في هذا المقال - حفظ تلك المنطقة عند التعامل مع جميع الفئات العمرية وخصوصا المراهقين ومادون سن الرشد .


وأخيرا لو تحدثنا عن أضرار خرق ذلك القانون الإنساني المهم – كما هو حاصل في كل حين – فإن الحديث سيطول , ولكن أوجز القول فأقول : أن جميع المشكلات النفسية والاجتماعية الحاصلة كل اليوم من ثأر وكره وحسد وداوات وحساسيات وعقد النقص والسلبية والتشاؤم والعصبية والوحدة والتبلد واللا مسئولية والاكتئاب والرهاب بأنواعه وغيرها من المشاكل النفسية والاجتماعية إنما هي ثمرة أخذ الأمور والرسائل الموجهة إلى الفرد على محمل شخصي وذلك نتيجة الذات المخترقة وفقدان الثقة .

وفي النهاية يتضح مما سبق أهمية منطقة الذات في بناء الشخصية السوية والإيجابية كما تتضح ضرورة الحفاظ عليها من الفرد ذاته ومن المجتمع ممن حوله , ليسود الحياة الاجتماعية الاحترام والايجابية والعلاقات المتوافقة والصحية مع الذات أولا ثم مع الآخرين .



شكرا لقراءتكم ....





بقلمي ...




آخر تعديل . عايش متهني . يوم 07-02-2009 في 05:41 PM.

رد مع اقتباس