من المؤكد أن سعادة جون لم تأتي بسبب حبه لجين فقط
فمؤكد أنه سيكون أقل سعادة – بل وتعيساً – إن لم ترتد عاطفته إليه
فكل واحد منا تقريباً يخلق في أواخر طفولته صورة للذات الأسمى والتخيلية للشخص الذي نود أن نكونه !
وهذه الذات المثالية نبدأ بتخيلها في طفولتنا من خلال نماذج الأطفال الآخرين الذين يمتدحهم الآباء والمدرسين على سبيل المثال
فهناك عدم انسجام للذات مشروط بمقارنة بين الأنا وبين الشخص المثالي الذي نود أن نكونه
والذي هو أكثر وسامة ، وأفضل ، وأذكى وأشجع ، وأكثر فعالية مما نحن عليه
فالحب هي حالة من إشباع الذات لكبريائها كون أنك تكون محبوباً ومرغوباً بك
بعكس أن يكون فيها المرء محباً وحسب لا محبوباً .. وهنا يشعر فيها المُحب بحالةٍ من الذل
أما الإشباع المتأتي من حالة أن تكون محباً ومحبوباً في ذات الوقت فهي تضيف خاصية لحالة السعادة عند إشباعك الرغبة لبذلك الحنان .. وأن تكون موضوعاً لحنان شخص آخر ففيه إرضاء للأنا وكبريائها
فإذا كان حبك للآخر ضرباً من المُأثرة .. فإن حب الآخر لك هو المكافأة التي تنالها من أجل ذلك
فكل من يحب شخصاً ما فهو في الحقيقة يسعى أن يكون محبوباً من قبل هذا الشخص
ففي ملجأ للأيتام كان هناك بنت صغيرة منفرة إلى أبعد حد
وذات عادات سيئة وسلوك مستهجن
وكان الأطفال يتجنبونها ويكرهها الأساتذة
وكان القائمين على الملجأ ينتظرون أي فرصة لصرفها من المدرسة إلى الإصلاحية والخلاص منها
وفي أحد الأيام وشت بها إحدى الفتيات أنها تكتب كل يوم رسائل لأحدهم خارج الملجأ
ووجد القائمين على الملجأ الفرصة المناسبة لطردها
وحين فتشوا بين أوراق الأشجار وجدوا الرسالة وقد كتبت " إلى كل من يجد هذه الورقة : أحبك "
فكأن هذه الفتاة كتبت لكائن من كان " أحبني أرجوك " فإني مستعدة أن أحبك إذا ما بذلت نحوي قليلاً من العاطفة
فكان بإمكان هذه الفتاة أن تحب أياً كان من داخل الملجأ ولكنها كانت تبحث عن من يحبها في ظل رفض الجميع لها وكراهيتها
فوجهت رسالتها إلى العالم خارج أسوار الملجأ " أما من أحد في هذا العالم يهتم بي ؟! "
فهل إرضاء الأنا وكبريائها وغرورها هو المكسب الوحيد للأنا في مثل حالة " جون و جين " ؟
مؤكد لا بالطبع
فهناك شعور السلطة وشعور التملك والذي تستلذه الأنا
والذي يشعر به جون وهو شعور عظيم ناجم عن حمايته لها ومساعدته إياها
وهناك نزعات مماثلة لدى " جين " فهي تشعر بالسعادة كونها مطمئنة إليه ويمكنها الوثوق به دائماً
فلكل منهما ميول للهيمنة والتملك اللطيفين والحاذقين متصلة بحبهما الشديد وتفانيهما لبعضهما
فجون ينظر إلى جين باعتبارها مِلكه .. وتنظر جين إليه على أنه لها وحدها وملكها
فهل إرضاء الأنا وإشباع رغباتها وكبريائها وحدها المكاسب التي يجنيها المتحابين وتشعرهما بالسعادة؟
بالطبع لا
يتبع في وقتٍ لاحق ...