|
&& عندما ينخفض صوت الضمير &&
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
أملي ممن دعت القدرة بأن يقرأني لأستميحه عذرا وأن يفسح لي المجال لأتسلل بهدوء سيعهده مني
إذا لم يلاحظه في السابق لمحاكاة خواطره أولا ، لتطلع على النوايا وتسهم بمروري إلى لب حصيف مهيأ
لإستقبال حروفي المختاره لتداعبه وتجد لها حيزا لتمحيصها قبل هضمها بطريقته وكيف ما يشاء وألا يتسبب
أي حرف من أن ينال من هدوئه وسكونه الذي إعتاده ..
فبداية لا بد أن يكون جل حديثنا عن حياتنا العامة التي هي شغلنا الشاغل وسويعاتنا التي نقضيها من
أعمارنا وهي ما يخصنا بأعلى درجات الخصوصية وأقربها لمسمى نفوسنا التي هي أمانة معلقة بعواتقنا
كأول ما نسأل عن كل لحظة أمضتها تحت مراقبتنا الذاتية المباشرة . ولا بد أن نفند كل شاردة وواردة من
حركاتها وسكناتها ..
فتغيب الدقة أحيانا والشفافية عن كل رغباتها وشطحاتها وإنغماسها في مكامن قد لا ترضي ولا تليق على
غفلة منا مستغلة إلتفاتة هنا أو هناك لتمضي في حال سبيلها بسرعة البرق وأحيانا كالمعتوه لا يدري أين
إتجاهه وأحيانا تلوذ بمكامن الخطر كما لو أنها بين قطبي السالب والموجب لقوة كهربائية عالية الضغط
وإن فطنت ربما تتدارك عنها التخفي عنك . أو العكس وحينها ليس هناك مناص من البحث عن الواقع
وتحسس موطئ قدم لتتأكد بأنك كنت أو لن تكن . ثم تقضي لحظات إستعادة الوعي ومحاولة إقتران النفس
بلصيقها وموجهها المغناطيسي الذي قد يوفق بملاءمتها في الوقت المناسب وإلا قل على دنياك السلام ..
فربما تتوه النفس عن موقعها الطبيعي ثم يغشاها ثوب التمرد والشرود لتتنكر لمكانها مدعية بأن إحتله الغي
التي تفرح بزحامه لها وتطرب له . وتتجرد أنت لرعايتها كالطفل حديث الولادة . ولو قصصت عليك نبذة من حياتنا
وأقول إننا إعتدنا الصحيان كل صباح ليس بالذهن من المشاغل إلا ما إخترناه من روتين العمل الذي يبدأ
كقولنا في الصباح الباكر ( الجهمة ) الساعة 7:50 أي بعد صلاة الفجر بساعتين ونصف تقريبا ثم نتناول ما يقرّب لنا
من طعام أي طعام ، ويتلوه كم كوبا من الشاي والقهوة ولا نعلم من ذهب لمدرسته من الأبناء ومن المريض
ومن بحاجة لكلمة طيبة لتكون زادا له خلال دراسته .. بعدها نركب ما هيأناه من واسطة نقل فالأغلب تكون
من فواره وسائط النقل لنصل لمراكز عملنا بعد بدايته بساعة أو أكثر ، وبعد نزولنا من وسائطنا نسير في
الممرات بإتجاه المكاتب ونحن نتمتم ونلعن النظام والمرور ورجاله والإشارات الضوئية وبعض سائقي السيارات
التي شاهدناها بالطريق إبتهاتا بأنهم سبب تأخيرنا عن الحضور وما إن نجلس على كرسي العمل حتى يتملكنا
الثؤاب وعلامات الكسل والخمول ورغبة النوم ونرفع الملفات المملوءة باللأوراق ومصالح الناس من زاوية
المكتب اليسرى لليمنى وبالعكس ومن يلاحظ يقول الموظف مشغول وفورا يتصل بالتلفون على متعهد القهوة
والشاي ليحضر له رغبته منها مدعيا أنه خرج من منزله ولم يتناول الفطور أو القهوة ويبقى يتأوه ويتلوى حتى
يحين وقت إحضار الفطور لمجموعة المكتب من أي بوفيه مجاورة لمكان العمل ولو قدر إن حضر مراجع يقوم
بالبحث عن الموظف وزملائه حتى يجدهم بأحد المكاتب المجاوره قد إفترشوا الأرض ووضعوا الصحون
البلاستيكية يذرف من أعلاها زيوت العافية وتفوح منها رائحة الفول والعدس والطعمية وما يقولون للمراجع
( أفلح ) ليرفض المراجع مشاركتهم لأن ما يشغله مصلحته المنقطعة بين أيديهم وليست أطباق الفول والعدس
ليردوا عليه إنتظر حتى نجيك .. وبعد ما يخرج من عندهم ينادونه ليعود ويسأله أحدهم ( من تبغى ) فيقول
فلان قالوا لي معاملتي عنده . فيرد عليه ( طيب إصبر شوي ما تشوفنا نفطر ؟ ) جاينا من طلعة الشمس .
يالله صباح خير . رح رح إجلس هناك حتى يجيك . ويجلس المراجع بالممر على صدى ضحكات وقهقهة على نكات
إقتبسها أحدهم من أحد جلسائه بسهرة الإستراحة أو من الكشتة . وبعد إنقضاء وقت ليس بالقصير من عمر
ذلك اليوم الوظيفي ينفض الجمع كل لمكتبه وأصابعه غارقة بزيوت الطعام ويظهر أثره على دائر شفتيه من
الخارج ويلوط أسنانه ولثته بلسانه ويخرج أصوات من بين أسنانه مقززة لكل من يكون بمكتبه ويتكرع
ثم ينادي على متعهد القهوة والشاي ليرتشف منها كم كوبا قبل أن ينجز عمل لمراجع واحد ثم يسمع الأذان
لصلاة الظهر ليقفز كالملدوغ متجها بأقصى سرعة للباب الخارجي ثم لسيارته مدعيا أداء الصلاة فيغيب
حتى أن يبقى ساعة من العمل ليعود لمكتبه بتثاقل ويتجه لمديره ليستأذنه بإحضار أولاده أو زوجته من
المدرسة بينما زوجته قد أحضرها أخيها أو مع أحد زميلاتها حتى وصلت لبيتها إذا لم يكن قد تعهد بها
من يوصلها من وسائط النقل المتعارف عليها ليواصل هو بقائه بالبيت لينام حتى قرب صلاة المغرب
ثم يصحو من غفوته ويثور على من حوله ويلوم ويصول ويجول عند تأخر القهوة والشاي بالموعد ليخرج
متحججا بذلك من البيت ويدور بسيارته بأحد الشوارع ويقف أمام منزل أحد معارفه ويضغط يده على
منبه السيارة ليزعج كل من بالجوار حتى يحضر له أحد الغلمان ويطلب منه إبلاغ فلان بأنه ينتظره حيث
كان رفيقه على أهبة الإستعداد لمرافقته ويقومان باللف مرة أو مرتين بأحد الشوارع أو أماكن التسوق
ثم يتجهان للإستراحة حيث يقضيا بقية الوقت حتى ساعة متأخرة من الليل بين لعب الورق والصراخ
وشرب الشيشة وكأن هؤلاء الرجال بعقول أخرى ثم يحين وقت عودتهم لمنازلهم حيث غرف النوم ولم
يقابل أي من أبنائه أوالتعرف على شؤونهم أو ما وقع خلال غيابه..
وفي الغد يتكرر هذا المشهد لينسحب على أيام وشهور وسنين الخدمة كاملة بهذه المحصلة التي يأنف أن
يسردها أي شخص قد عانى المراجعة ومن ضاعت مصلحته لهذه الأسباب ولكن رغم ذلك ندعي أننا نعمل
وننتج ولو نقلت هذا الكلام لأي من الأشخاص ذوي العلاقة فلن يصدقك وسيقاضيك إن دعت الأمور ويتنكر
لما يفعله ويشهد معه كثيرين بأن ذلك لم ولن يحصل بدوائر حكومية يتصف العاملين بها بالأمانة وأداء
واجب الوظيفة على الوجه الأكمل وكثيرا ما يحصل مثل هذا النموذج من الموظفين على شهادات كثر بالجد
والإجتهاد والتفاني بالعمل وإخلاص منقطع النظير كما أن فلانا لا يشق له غبار بتطبيق الأنظمة والحرص
على المصلحة العامة وبعدما تتابع إنتاجه تجده يخلق من الحبة قبه على قولهم ويدغر رأيه الشخصي كما
لو أنه النظام ليكون حجر عثرة ضد مصالح المواطن كونهما مرتبطين وأن هذا النظام له فوجد لتنظيم حياته
وترتيبها ويسير بحدوده ولكن تأتي الرغبات الشخصية أحيانا هي النظام الذي لا يدركه أغلب من يراجع في
دهاليز إبتعد عنها المراقب الحقيقي من الطرف الآخر دام إن غاب الرقيب الذاتي وإنخفض صوت الضمير .
فنقول اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت
|