بَوْحي سيكون غريبَ الوقع على أسماعكم , فأنا أعاني من داء عضال لا أظن أن أحداً قد أصيب به قبلي , ومادام الداء محصوراً بشخصي فلن تفهموه , وإن فهمتموه أخشى أن تصابوا به , وإن أصبتم به فهذه هي الطامة الكبرى التي أتحاشاها وبسببها كتمت هذا السر إلى هذه الساعة !
ولماذا ؟ .. قلت لكم , هذا الداء كاسر , يفتك بالنفس قبل الجسد , ولو كان الكون قاسياً كفاية لأن يفتك بالبشرية جمعاء , فتكة واحدة , لجعل من كل أجساد الأرض مزاراً لهذا الداء العضال , الذي لا أتمناه لأشرس أعدائي .
وزرت حشداً طويلاً من الأطباء النفسانيين , والباطنيين , ولم يبق إلا البياطرة .. كلهم قالوا أني في عداد الموتى , بعضهم نصحني في كتابة وصيتي وكأنني أملك مال قارون , وبعضهم الآخر طلب مني الاستجمام في جزيرة نائية ذات سواحل ذهبية تستلقي فوقها العواري من ذوات الجلد البرونزي .
وثمة طرفاء منهم أغدقوا عليَّ بالمشورات , أهمها هي أن أستمتع بهذه الحياة حتى آخر رمق , فإذا جفَّ رمقي أخيراً , فلن يجف عن عبث , بل سيجف عن جدوى ..
لم أبحث عن اللذة المعنوية ولا الجنسية , في الحقيقة لم أبحث عن اللذة , ولن أغالي إن قلت أني لا أبحث عن شيء أصلاً .
مشكلتي أني بلا مشاكل فعلية , رجل يهيم في أزقة قذرة متعرجة الخرائط , يبحث عن لقمة , أو كلمة , أو رصيد من احترام النفس , لكنه لا يجدها , فيرتد سعيه خائباً من هذه الحياة , ولو أن هذه الحياة اختارت عدواً واحداً تعاديه وتكيل له سوء المكاييل , لاختارتني !
إنني هذا الرجل المنشق عن الآخرين , المنشق عن نفسه , والعاري من كل معنى تهفو إليه أنفس البشر .
تركت تلك النصائح التافهة واحتفظت بالأخيرة منها , ألا وهي : الحكمة التي سأسعى لها , وأنا في آخر أيامي بعد خروجي من كل المستشفيات خائب السعي بلا علاج لسُقمي , لقد راكمتُ في ذهني عدة استنتاجات , قمت بتصفيتها واحدة تلو واحدة , واستقريت على استنتاج يتيم . استنتاج مفاده " أني لن أفعل شيئاً " !
سأثبت في مكاني , وسأتأمل حياتي كما أنا , كما هو وضعي القائم , عائشاً في عزلة قاتلة تعجز عن وصفها أثرى القواميس وأدق الكلمات ..
- هيه أنت ؟
- ولماذا أخاطب نفسي بهذه الطريقة ؟ أنت وأنا , كلانا يطفو فوق هذه السطور , يجدف عكس رغبة ذاته , وليتها تنطلق هذه الرغبات لتعرف أنها تعوم في دوامة من التفاهات , لتعرف أن سجنها حق , والحق لا يُجادَل فيه ولا يُمارى .
كان برنامجي اليومي بسيطاً للغاية , أقرأ الجريدة في الصباح , أتابع الأخبار على التلفزيون , أتناول شطيرة الجبن في الأفطار , والكفتة المشوية في العشاء , ولا أتغدى عادة .
تتسرّب في هذا الوقت بعض المكالمات الهاتفية المارقة , كيف أنت وكيف حالك إلى آخر هذا الهراء اليومي , وثمة أحيان أقوم فيها بالترويح عن نفسي في الذهاب للأسواق ومراقبة الناس , مراقبة وجوههم وسحناتهم وتعابيرهم في تبضعهم وتحادثهم وجدلهم , مراقبة الأطفال الصغار يشاغبون أهلهم , ومراقبة الكبار يتحامقون .. كعادتهم !
وخرجت بعدة دلائل إبان مكوثي مجرداً من كل شيء إلا من علتي النفسية , مصطحباً ساعتي اليابانية الرخيصة ماركة " كاسيو " تحتسب آخر لحظات عمري , وكان عصياً عليَّ أن أجد تشخصياً لمرضي وسط هذا التشويش المستمر , فكثرت تساؤلاتي عن نفسي في هذه المدة , مما فاقم من صعوبة وضعي . لأن أسوأ مراحل التفكير الذهني تبدأ مع كثرة الأسئلة وندرة الأجوبة , وهذا بالضبط ما دعاني إلى إعادة النظر في مشكلتي , أهي جسدية ؟ أم ماذا ؟
مع مرور الوقت تتبدل صِيغ الأشياء , وتحل مكانها – إن صح القول – صيغ أخرى , قد يكون الشيء نفسه ماثلاً أمامي لكن صيغته تتبدل , وكذلك بقية الأمور في الحياة , نخدع أنفسنا إن قلنا أن الأشياء تبقى كما هي , ثم نخدع أنفسنا أكثر إن ظننا تغير كل شيء هكذا .
يالهذه العالم الرخو , الدبق الذي ألمسه بيدي ويفلت , له ملمس السائل اللزج المقزز كالقيء , هذا العالم الذي تفوح منه روائح بغيضة لنفسي .
وسأضرب مثلاً بعقدتي المستعصية على الحل : أحسّ بنفسي تلقي بمرساتها في بحر هادئ , لا يعتريها أي تبدل لو كان سطحياً كهبة هواء لا تهز وريقة شجرة حقيرة , ثم لا تلبث نفسي أن تنهار دفعة واحدة كقصر من القش ..
كنت أطلب المستحيل حين توهمت أن لعلتي سبب , هناك أمور لا يمكن تبريرها بسهولة , وقد يستغرقني البحث عن سببٍ مقنع لعلتي العمر كله , قد أعثر على إجابة شافية , أو أعثر على عقدة جديدة تضاف إلى عقدتي القديمة .
خشيت على نفسي من هذا الخيار الأخير , تجاهلت أني مريض نفسي , أني أحيط بالأشياء بعينيَّ وهي تموت وتفقد كل معانيها , فتمتد يد هذه الأشياء منتقمة مني تريد نيل رقبتي , فأريغ عنها مبتعداً , مولياً , هارباً إلى أقرب بقعة معتمة أمارس فيها نفسي , فأضيع . أضيع .
تنشق الأرض ولا تبتلعني , أبتلع الأرض أنا , تغوص الأرض في حلقي لكنها لا تهبط لمعدتي , تظل الأرض عالقة هكذا في تجويفي , الناس يغرقون بداخلي , الكوكب كله لم يعد يطيق نفسه .
أظلّ شارد البال مهموم العريكة قاسيَها , الهمّ لا يكون إلا متعلقاً بشيء . لكن ما هو شيئي ؟ كيف يجوز لي أن أعرف ؟ من هو الأبله القادر على مراهنتي أو مجادلتي ؟
كان النسر الأصلع يحوم فوق بيتي , تبعته , قطع شوطاً طويلاً في طيرانه , ركبت سيارتي أطارده عسى أن أجد له مكاناً , ذهب النسر لمكان مجهول , المكان الذي أتحدث منه آنياً .
مكان تعلق في مصيدته كائنات . أيها النسر الأصلع , لك مني وعد إن قبضت عليك لأنتفنّ ريشك .
تخرج جموع من النسور تطاردني , أقبض على حذائي وأدافع فيه حرصاً على سلامتي منها , أشعر بالقوة والنشاط يغمراني رغم ما يحيط بي من وحوش كواسر .
ضربة واحدة , أو ضربتان , لم أعد أذكر , سقطت النسور وماتت على يدي وصارت جيفاً .
النسر يأكل الجيف لكنه الآن صار جيفة , الجيفة لا تأكل نفسها . الجيفة تتعفن , يسقط ريش النسر , والأرض تتغطى بالريش والصلع يسري في أبدان هذه الطيور الميتة .
اخترت أن أبرّ بهذه الجثث بعد موتها بمدة طويلة ومملة .
أخذت جثة النسر الهرِم منها , دفنته بيدي هاتين , كان جناحاه يفوقانني طولاً , جسمه لا ريش فيه , تبيّن لي أن عدواي سرت إلى جسمه .
هذه الأرض اليباب ملعونة , ملعون كل من فيها , أرض النسور . خرجت منها بسرعة مهرولاً وسقطت مني مذكرتي في الأرض ولم أكلف نفسي عناء استرجاعها . حين شاهدني أول معارفي صاح بوجهي مشدوهاً :
- اغرب عن وجهي !
لكني والحق أقول لم أغرب عنه , حملقت بوجهه البشع ذو الوجنتين اليابستين والفم الجاف والأسنان المتساقطة والجبهة الصغيرة . كان قبيحاً , كأن القبح استعار اسمه منه . كأنه هو والقبح شيء واحد .
عدت من جديد لمنزلي , قلّبت القنوات الفضائية , الامتعاض يزداد , وشيء من التقزز بدأ يصيبني .
ضغطت على الجدار لأتأكد من مدى وعيي , لكني اكتشفت بأن الجدار ينهدم بسهولة .
لم يكن جداراً ما لمسته , كان الجدار أبعد بمترين أو ثلاثة . تقدمت للأمام , لا ألمس الجدار أيضاً . الجدار يبتعد وأنا أتبعه , وإذا به يهرب وأتبعه , ويهرول وأتبعه . وأخرج مصطدماً بجاري المُسن دون أن أعبأ بوجوده .
أنا مُسن إذن أنا غير موجود . من حسن حظ زوجته أنها تحاشت الاصطدام بي وإلا لكان مصيرها شبيهاًُ بمصير زوجها . ياللعجائز !
استرخيت قليلاً وأخذت السحب السوداء تتقشع رويداً وتفارق نظرتي للشمس , كانت البلكونة مفتوحة , جذبت التلفزيون وجهاز الكمبيوتر ووضعتهما فيها , والمُسن يرمقني بنظرة حاقدة في الوقت الذي تجذبه زوجته للخلف .
لكني عرفت أنه لن يُقدم على ارتكاب أي حماقة مهما كان نوعها .
مددت ركبتي وتناولت شاياً بالثلج : شعرت أني لم أعد مسناً , وأن لحظات التقزز قد غربت , لكني ما برحت مكاني حتى سألت نفسي , ما قيمة ساعة الكاسيو الرخيصة هذه ؟ ولمَ أرتديها ؟ فما كان مني إلا أن رميتها بوجه الرجل المُسن , ووجهي كله ضحكة مجنونة وخبث لا أستطيع شرحه .