أتفهم أن يكون للبعض هواياته الخاصة التي تشغل وقته وتفكيره , وتملأ حياته ببعض التفاصيل والقضايا , فالحياة ليست شيئاً خارج هذا العمل أو ذاك . لقد تفهّمت هذا الأمر مبكراً جداً , أعني بذلك أنني منذ حداثتي ونشأتي راقبت المخلوقات والكائنات وهي تشغل أوقاتها بطرق شتى , واحتفظت ذاكرتي بالكثير من هذه المشاهد . كلا بل ليست لدي القدرة على محو مشاهد شبيهة كهذه , بالخصوص إذا كانت متعلقة بطفولتي المقدسة , تلك المرحلة الزمنية التي حسمت كل شيء بالنسبة لي . ومن هذه المشاهد المقدسة هو مشهد الضفدعة هذا !
فالمعروف أن الضفادع هي حيوانات برمائية لا تعيش إلا في المناطق الرطبة , على الخلاف من منطقتي الجبلية أو المناطق الصحراوية . وسنحت لي الفرصة بزيارة أحد المسطحات الخضراء , وفيها توجد بقع مستديرة من الماء على شكل مستنقعات صغيرة ومتواضعة . وكنت في تلك الساعة ألهو وحيداً - كما هو الأمر من قبل ومن بعد - ومكان لعبي لم يكن إلا مسطحاً أخضر من المسطّحات الخضراء الآخذة بالانتشار ببطء آنذاك . وكان المشهد فظيعاً : فلأول مرة أشاهد حيوان الضفدع على الهواء مباشرة , بعد أن كنت أراه في التلفزيون .
ولكنها لم تكن ضفدعة سعيدة , لأنها تنقنق بصورة تعيسة , فجذبت الكآبة والإحباط إلى داخلي . وهي رغم ذلك لم تتوقف عن الشكوى : لأن صوتها النشاز أخذ بالتصاعد تدريجياً , وكنت أخاله الصوت الوحيد الأقوى من بين أصوات الدنيا كلها , ومازلت أراه أشد الأصوات إزعاجاً لي وإرهاقاً لأذني . تمنيت أن أفهم ما تقوله هذه الضفدعة , ويا للخسارة كنّا لا نفهم بعضنا البعض : وقد تخيلت لها لساناً ينطق , ورداء تكتسي به وتمزقه قطعاً من شدة شكواها !
وأصغيت لها برهة من الزمن , كنت أرى في عينيها القافزتين كلاماً عصياً على الخروج أو الترجمة , وفي وجهها المتجعّد رأيت دنيا غير هذه الدنيا , تجربة أخرى مثيرة تختلف اختلافاً كاملاً عن تجارب نوعنا البشري . كان هذا الشيء الذي رأيته مميزاً , ويا للأسف فقد كان شيئاً لا يقبل الوصف بالكلمات . فمعناه كامن في وعيها الصغير , ومنطقه لا يمكن أن يتشابه مع منطقنا معاشر البشر .
لم يكن بيننا أي نقطة تواصل أو تفاهم , فمن المتعذر أن أهبط لمستواها في الوعي , ومن المستحيل عليها أن تصعد إلى مستواي . رغم هذا كانت ترى أن صوتها كفيل بإيصال ما تريد قوله , لكن هذه المحاولة باءت بالفشل الذريع والإخفاق .
لم أحتمل صوتها وهي تنقنق وتهزّ ممالك الوجود كلها . طلبت منها أن تتوقف عن إزعاجي , وأبت ألا تتوقف . ضقت ذرعاً بها , فخلعت حذائي لأسحقها به , لكنها قفزت عدة قفزات رشيقة واختفت بين أكوام العشب والحشائش , ولسان حالها يقول لي : لماذا خنتني وأنت الوحيد من بين الجميع الذي كلّف نفسه مشقة الاستماع لصوتي القبيح ؟
مع أن أعواماً طويلة مرت , مع هذا فلا أزال أتذكر صوتها , وهي تتذمر من اللاشيء , تتذمر مني , من حذائي , من طفولتي المنكوبة بالفضول الشديد الذي داهمني منذاك ولحتى هذه الساعة التي أكتب بها .
فيا أيتها الضفدعة المسكينة , أينما كنتِ , ها أنذا أستلهم من ذكراكِ هذا الموضوع : فبفضل صوتك القبيح صرت أكتب .