عرض مشاركة واحدة
قديم 07-28-2008, 07:26 PM   رقم المشاركة : 1 (permalink)
ṨᾏṜƓƠṊ
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية ṨᾏṜƓƠṊ





ṨᾏṜƓƠṊ غير متصل

 

 

بـقــايـــا بــقـّــة ..!







تطير تلك البقـة وعلى وجهها علامات التيهِ والحيرة , تدلف الغرفة باضطراب وتشعر بالبرودة اللافحة للمكيف الذي تم ضبطه على أرفع درجة , تزعجها البرودة كثيراً وتبث ببدنها الرعشة , فتقرر أن تهبط على أقرب جسمٍ دافئ , لم يكن هذا الجسم سوى أنفي , وتتمنى لو أنها عرفت هذا المكان الدافئ منذ فترة طويلة لتستقر فيه زمناً , بدلاً اللفلفة في كل الأرجاء والأنحاء .

أغراها السكون والدفء , كان الرخاء دافعاً لها كي تبحث عن هدفٍ جديد , كان هدفها السابق هو البحث عن ملجأ يقيها من الأخطار المحدقة بها : كالعناكب ذات الصمغ المخيف , والمُبيدات الحشرية ، وحرارة الجو التي لا تستحمل البقة برودتها المجمِّدة ولا حرارتها المذوِّبة !

أما وقد استقرت تلك البقـة على أنفي الطري , الذي كان ينام بعمق , حالماً بعوالم وردية , وكأنه دب يبيت الفصول كلها , ففكرت البقة ملياً , وشاورت نفسها جلياً , رأت فيّ مرتعاً خصباً وهدفاً ثميناً لا ينبغي التفريط به بسهولة !

قررت أن تغرس خرطومها بجلدي وتشفط منه ما يتيسر لها من دمائي الحمراء , فعلت ذلك , ببطء وتؤدة , أحسستُ وقتها بالقرصة , وتعكر حلمي الغبي , كنت حينها أحلم أني شديد الثراء , وأن إحدى الخادمات ( من طاجكستان ) تقوم بتدليكي وفرك جلدي فركاً قوياً , لكني حين فتحت جفني لمحتُ تلك البقة الصعلوكة مستلقية باستفزاز على ساعدي تمص دمي مصاً !

وما كان مني إلا وأن حاولت ضربها بكفي , إلا أنها , وبخبث ولعانة , طارت بسرعة , لتتجنب الهلاك الأكيد !

ثم عدت للنوم , وسرعان ما غرقتُ في ظلماته , لكن البقة الجبانة عادت إليّ رغم شبعها وامتلاء جوفها بدمائي , لم تقتنع بالشبع , لم تكتفِ بمؤنة هذا اليوم , أرادت المزيد والمزيد , لأنها بقـة , لأنها متطفلة , لأنها تريد أن تمُص الدم بلا نهاية , ولأنها مجبولة على هذه الطباع ..

اختارت موقعاً جديداً , ساقي هذه المرة !

ورغم الشعر الكثيف في هذه المنطقة , كانت راضية , أرادت الدم فقط , قرصة طفيفة ثانية , وكل شيء ينتهي بسلام , أحست البقة – مع هذا الشعر – أنها وسط دغل مليء بالأغصان , داخل غابة كثيرة النبات ! غرست خرطوشها ومصت , فرفستها حينها بقدمي ولكن بعد أن فات الأوان , إذ طارت البقة , وخلفت ورائها ندبة حمراء على ساقي !

مرت ثلاث ليال , شعرت البقة بنداء الطبيعة مجدداً , إنها تتضور من الجوع , جناحاها بالكاد يحملانها , بالكاد يساعدانها على الطيران , وجسدها آخذ في الضمور , فكرت في نفسها ومصيرها , وقالت أنه لا سبيل للنجاة إلا بالرجوع لي, حيث الجو الدافئ والطعام الوفير والمرتع الوثير !

وعندما حلقت إلى هناك , وجدتني متمدداً على فراشي , واضعاً لصقتين طبيتين , واحدة على ساعدي , والثانية على ساقي , من الواضح أني عرفت كل شيء , عرفتُ أني ملدوغ من بقة , لكن الغريب أني لم أتخذ أية تدابير احتياطية , لم أرش الغرفة بمبيد حشري , ما يعني أني غير مهتم ولا أبـالي , لكن مادمتُ لا أبالي فلماذا وضعتُ اللصقة ؟ ألا يفيد هذا بأني موخوز ؟ وأني هرشت جلدي مراراً , وتأذيت , ولعنت جنس البق كله ؟

هذا لا يهم الآن , قالت البقة لنفسها , هذا هو محمد , ينام ويشخر ويزفر الهواء بكميات هائلة , وتعلو وجهه نظرة بلهاء قمة في السذاجة , ولو تمت العملية بنجاح – مرة أخرى – سأطير وأنا شابعة , على ما يبدو أن الساذج محمد في سابع نومة ولم يتخذ أي احتياطات ضرورية !

حطت البقة عليّ , جهّزت خرطوشها بعناية , وهي ترقب جلدي بلذة لا تضاهيها لذة ! ولكن قبل أن يلامس خرطوشها جلدي انتصبت وفززتُ بشكل مباغت ومفاجئ جداً ! كنتُ أحمل بيدي المذبَّة ! سحقاً .. هذا آخر ما حسبت حسابه , هذا آخر ما فكرت به البقة ! مذبة ! هذه الآلة البسيطة البدائية تتحول الآن إلى سلاح دمار شامل بيد محمد !

أصيبت البقة بالإحباط , بالانهيار , بالانحطاط , شعرت بالاشمئزاز والتقزز والقرف ..

كانت تنظر إلى حدقتيّ وهما تقطران حقداً وشغفاً بالانتقام , استغربت البقة كثيراً , أي بغيضة في العالم تستطيع إبداع هذا الغضب ؟ أي كائن في التاريخ يقدر على اصطناع هذه النظرة ؟

محمد وحده هو هذا الكائن ذو النظرة الدموية !

كائن مجنون وبيده أخطر أسلحة الكون : مذبَّة !

ركضتُ خلف البقة , وهي تهرب وتتملص من ضربات المذبة التي ألوّح بها كالمجنون , تترنح البقة , تحاول أن تنجو , حتى حانت اللحظة الحاسمة واقتربت الخاتمة ..

كانت البقة تطير ورأسها للوراء تشاهدني أتبعها واللعاب يتطاير من فمي والشوق يحرقني لأقتل البقة , فيما كان أمام رأسها الجدار الذي نطحته ولم تره , كانت ضربة الجدار قوية جداً على رأس بقتنا , فأصيبت بدوار قوي وخطير , فقدت على أثره توازنها , وأخذت تتخبط وتتوجع وكلها ألم ..

انتهزتُ الفرصة , وسحقتها بالمذبة , حتى تهشم جسدها كلياً .

شعرت البقة بالخلاص , النور يكلل المكان , عيناها لا تشاهدان شيئاً , تشاهدان ضوءاً يحوم حولها , يحتضنها , يخلصها من كل شر , من كل إحساس , وهذا الضوء آخذ في النقصان , الضوء يختفي , يحل بدلاً منه الظلام شيئاً فشيئاً فشيئاً , الظلام يستحوذ عليها تماماً , مع تعالي زفراتي وأنفاسي الكريهة اللاهثة .









"محمد" : هو إسمي .