عرض مشاركة واحدة
قديم 07-27-2008, 08:41 PM   رقم المشاركة : 1 (permalink)
ṨᾏṜƓƠṊ
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية ṨᾏṜƓƠṊ





ṨᾏṜƓƠṊ غير متصل

 

 

آآه كم المرض قاسٍ ...!







قرأت في كتابٍ لسارتر : " عجيب ! كم يُرهف المرض الأحاسيس " .

وكان تصوري للمرض شبيهاً لتصور سارتر عنه , بيد أن التصور مخالف للتجربة , هذا ما أعرفه الآن ..وها أنا أختبر الأمر بنفسي !

يا ليت المعلم سارتر لم يكتب هذه الجملة المخجلة ..!

إن مرضي يا أخوتي هو معاكسٌ لتصوره وتصوري معاً , لأن المرض لم يرهف أحاسيسي , إنما يعمل على زيادة جرعة القسوة , واللامبالاة , بداخلي .. كم أكره هذا الشعور , أن أكون مريضاً , وأن يطرحني الفراش , وأن أكتب باللابتوب من سريري . ولكن , هذا الأمر يقبله الكثيرون , ويؤمنون أشد الإيمان بأن الجميع يجب أن يُمرضوا , ومرضهم هذا يكون بمثابة الدَّين الطبيعي الذي يسدده كل امرء في حياته .

ولكن , وباللهجة العامية , هذا الخرط الفاضي ما خش مخي ! فكيف أمرض وجسدي القوي في قمة نشاطه وثورته وحريته . إذا كنت الآن غير معصوم عن المرض , فكيف بحالي في آخر الأيام . حين أعتكز على خشبة مهترئة ؟

يتملكني الغضب , ويغمرني من رأسي إلى أخمصي . كم أتمنى أن أفتح حواراً مع هذه الجرثومة اللعينة التي سببت مرضي , سأقول لها :

- أيتها الجرثومة , هل يمكن أن نعقد اتفاقاً , أصيبيني مرة واحدة , ولتكن المرة المميتة والأخيرة . لكن قبل هذه المرة ابتعدي عني , يا ذات الفعل المقيت !

وستشرع الجرثومة بالتفكير , حسب وعيها وإدراكها طبعاً , ثم ستخرج لسانها هازئة , وهي تقول :

- ومن تظن نفسك , يا هذا , لكي لا أتسلل إليك ؟ قد تتوهم قوتك وطغيانك وجبروتك , وتظنها إمكانيات لا محدودة . ثم تفلسف الأشياء وفق مبدأ القوة , ولكن هذه القوة ستنهار وفق أدنى إشارة مني , وإن كنت حكيماً , وذكياً , عليك ألا تثير غضبي عليك .

وحينها سأغضب , ولكن سأكبت هذه الفورة , لن أكون طائشاً . سأنحدر إلى مستوى النفعيين . سأستمع إلى كلامها وإن بدت ساخرة ومستهترة . وسوف أسمعها تضيف , وكأنها أمامي تتكلم :

- وأنا لم أخترك , لأنني حاقدة كما تتخيل . يا عزيزي , هكذا هي الأشياء . تكيف معها . كلما ازداد غضبك وحنقك , لن يؤثر هذا على عملي الذي أؤديه بكفاءة عالية . بل سيؤثر هذا عليك , سلبياً , وستبدأ تهلوس , وتضعف , وتضمحل , وتنهار قواك الواعية واللاواعية , ستنتهي , رويداً رويداً , تذوب وتختفي كأنك لم تكن . اسكت ودعني أكمل ما بدأته , كلها يومين بس وانت مشوي .

وحينئذٍ , سألاحظ أعصابي وهي تنهار كجبل من جليد , سأحاول تسديد صفعة إلى وجه هذه الجرثومة المتحاذقة . ولكن , مالي لا أراها ؟ إنها صغيرة , صغيرة جداً وقد لا تتجاوز خرم الإبرة في حجمها مقسوماً إلى مئات وآلاف الأضعاف .. يا لهذا السوء .. سأنتهي على يد هذه الجرثومة . وهي جرثومة أنيقة كما ترون . ستكون مهذبة وهي تنهيني . ستأخذ حقيبتها الدبلوماسية ماركة سامسونايت , ستلبس نظارتها الشمسية ماركة ريبان . وسترحل , بعد أن تكمل ما بدأته .

إلا أن كرمها كان فوق المألوف , شيء لم أتوقعه من جرثومة . كانت رائعة , قالت أنها لن تأتيني إلا بعد عمر طويل . ستتركني بعد ساعات , ربما أربع وعشرين ساعة . يوم أو يومان . وهذا المرض ينتهي . وتعود إليّ صحتي . سوف توادعني الجرثومة , بعد أن أعقد معها صفقة , أن تداهمني بشكل مؤدب , وأن تعطيني بعض التنبيهات قبل مجيئها , وأن تحجز موعداً مسبقاً لئلا يتعطل جدول أعمالي .

وهذا الكرم لا أستطيع أن أرفضه . سأودعها , وقد أرسل لها قبلة سريعة في الهواء . وستسري الغيرة في رماد سارتر , لأنني أكسر كلامه , دون أي شعور بالندم .