عرض مشاركة واحدة
قديم 07-25-2008, 01:31 PM   رقم المشاركة : 1 (permalink)
ṨᾏṜƓƠṊ
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية ṨᾏṜƓƠṊ





ṨᾏṜƓƠṊ غير متصل

 

 

سيرة حياة أبو بريص ... !!





If we see light at the end of the tunnel,
It's the light of the oncoming train

Robert Lowell




[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]





من الذكريات التشاؤمية التي تختزن بها أوعيَة لا شعوري , تلك السيرة الخالدة لوزغة مجهولة لا يعرفها أحدٌ نهائياً !

وقد كنت وقتها في سن الرابعة عشرة ذاهباً بصحبة بضعة أقران وأصدقاء , لنصطاد بعض طيور " أبو التين " و " الورور " و " الزقي " وهي طيور تتكاثر في مواسم الصيف , وبالتحديد في نهاية هذا الموسم السّيء من مواسم السنة .

وكنا نتجمهر حول شجيرات المشمش و التين , ونتربص الدوائر في الطيور الحائمة حول هذه الشجيرات أو تلك الطيور التي تحط واقعة عليها , فكم أجرمنا بحقها وكم جندلنا منها القتلى !

وبعد أن ارتكبنا مذابح جماعية وفردية بحق هذه الطيور المسكينة , أخذنا حصاد ما اصطدناه : كانت بضعة مئات من أبو التين و والزقي, وبضعة عشرات من الورور . قمنا بنتفها ووضعها في قدر كبير " كيفما اتفق ! " وبعد أن داهمنا الجوع في البراري التهمناها بالجملة ولم نترك منها مقدار فلذة .

تحركنا في المساء إلى مزرعة بالقرب من قرية" ريما" وهي قرية تقع على طريق يبرود و النبك ( أبو سيد واحد ) ( 1 ) وهناك ارتضنا في بيت شعبي في مدخل المزرعة , وكان التعب قد أخذ منا كل مأخذ , والإرهاق استبدّ بنا كل استبداد ! فقلت للشلة : فلننم هنا , بعد أن نشوي ما في جعبتنا من طيور .

وأثناء الشوي , قمت بإشعال أنوار النجفات الفضيّة . وأول ما لاحظته وجود الكثير من زواحف الوزغ , أو ما يسمى هنا في بعض مناطق السعودية بـ " البعرصي " أو كما نسميه نحنُ الشوام أبوبريص ! فأخذت بندقيتي الخردءة ( 2 ) وانهلت على هذه الزواحف بالرصاص حتى امتلأت الأرض بهن فاضطررت لكنسهن من الأرض بعد أن غطّينها . وبعد التهامنا للعشاء أعددنا ابريقاً من الشاي الكثيف السكّر , وتسامرنا لبضعة دقائق قبل أن نبحر في النوم .

أثناء نومي لمحت وزغة تركض بسرعة في السقف , وكان السقف مسلحاً ( 3 ) نظراً لأن البيت شعبيّ , أجبرت نفسي على تجاهل ما رأته عيناي , أغمضت عينيّ وأطبقت جفنيّ عمداً . بعد دقائقٍ خمس , لمحت هذه الوزغة تركض مسرعة من جديد , فاستيقظت من فراشي السحاب ( 4 ) وما أن لمحَت مني الحركة , حتى جمدت في مكانها , أما أنا فكانت بندقيّتي موجهة تماماً صوبها , واصبعي على الزند ينتظر الأمر مني ! ولكن حدث أمر عجيب ! إنها كانت تنظر مباشرة لعيني ! فكانت عينها عبارة عن حدقة سوداء واسعة جداً تحتل نصف رأسها , ونصف رأسها هذا موجه تماماً إليّ , أردت أن أضغط على الزناد لكن لم أستطع ! وكان اصبعي ساكناً في مكانه لا يتحرّك ..

كانت تقول لي :

- إنك مجرم وقاتل , لقد أبدت قبيلتنا كلها , وأعدمتهم واحداً تلو الآخر , في بضعة دقائق ولا أكثر ! إنني وحيدة الآن , فقد كنست كل أقربائي ببندقيتك هذه , ولو كان لي من الأمر شيئاً , لقتلتك الآن شرّ قتلة ! ولكن , ويا لسخرية القدر , بدل أن أقتلك أنا , ها أنت هنا , تمسك ببندقيّتك , وتوجه فوّهتها بإزائي , وتوشك على إفنائي أنا , أنا آخر من بقي على قيد الحياة من عائلتي ! إنك لا تزال قاتلاً والمفروض أن تكون مقتولاً ! ولكن ما دامت الأمور بهذه العشوائية فلتقتلني ! ولتجعلني أرحل مع من رحلوا , فلا خير في حياة بائسة ووحيدة ومتشردة , دعني أتلو صلاتي الأخيرة وأرحل بسلام مع الشجعان الذين رحلوا ..

أخفضت قليلاً من البندقية , وتأبطتها وأنا واقف على ركبتي وفوق فراشي في آن . كنت أفكر فيما قالته , وفي الكلام الضروري الذي يجب أن أردّ به عليها . ولكنها محقة ! إنني مجرم ! وهذا الأمر لا أنكره ! لكنني آثرت أن أراوغها , وقلت لها :

- لم تقذفينني بالجريمة ؟ هل تريدين إقناعي أن ما فعلته كان أمراً غير حضاري ؟ صدقيني أيتها الوزغة الصعلوكة , أنه لو كان بمقدور قبيلتك أن تنال البنادق والمدافع , لما ترددت لحظة واحدة في إفناء بني نوعي وجنسي ! إن الحياة صراع أعمى , ورغبات متوحّشة , وتهوّر لا حدود له , وأنتم مثلنا , تسعون كما نسعى , وتقاومون كما نقاوم , فإن كانت الغلبة لنا في هذا الحين , فربما انقلبت علينا ولو بعد حين !

ردّت عليّ الوزعة ببديهة سريعة :

- إنني لا أخاطبك أنت , بل أخاطب الضمير الذي يسكن بداخلك ! إنه يتوجب عليك أن تشفق على هذه الزواحف المسكينة وتأخذ بيدها وتعطف عليها لا أن تفنيها وتبيدها , إن ما فعلته أمر شرير , على الأقل من وجهة نظري , ولو كنت ذا قلب مرهف وإحساس صادق لما فعلت ما فعلته , تباً لك يا طويل القامة !

وما أن لفظت جملتها هذه , حتى انفجرت ضاحكاً وهازئاً بها , فرفعت من بندقيّتي , مغمضاً عيني اليسرى وشاخصاً بعيني اليُمنى تجاهها , لأقول :

- إنني أقوم بتكريمك حين أقتلك وأرسلك للعالم المغاير لعالمنا هذا . إنه ذلك العالم المختلف والذي يسوده صمت مطلق نهائي لا صوت ولا ضجيج فيه . فوداعاً أيتها الوزعة , ولتستقبلي هذه الرصاصة الأخيرة مني ..!

أغمضت عيني اليُمنى , وأطلقت الرصاصة , ولدى تأملي للسقف بعد برهة , وجدتها قد زالت عنه , وتطايرت جثتها أشلاء مبعثرة تملأ المكان .

ومن ثم غادرت مسرح الجريمة , ونمت في حوض السيارة , نومة جميلة ولذيذة لا يكدر صفوها أيّ شيء كان !















( 1 ) سِيد واحد , بكسر السين , تعني الطريق البري الذي يحوي مساراً واحداً باتجاهين متناقضين .

( 2 ) الخردءة هي بندقية هوائية تتسع غالباً لرصاصة صغيرة بحجم حبة القهوة وهي لا تصلح إلا لاصطياد العصافير والطيور الصغيرة ، وتسمى أيضاً "أم صتمة"

( 3 ) السقف المسلح هو الذي يكون في البيوت الشعبية القديمة أو ببيوت الطين وهو مصنوع من الخشب وغالباً ما تتتسرب منه مياه الأمطار .

( 4 ) فراش السحّاب معروف عند ذوي الرحلات البرية ويحتوي على سحّاب بحيث يحمي المرتحل من القوارص التي ترتع في البراري ، ويسمى في بعض البلدان "الفراش التنزاني"





آخر تعديل ṨᾏṜƓƠṊ يوم 07-25-2008 في 01:38 PM.