If we see light at the end of the tunnel,
It's the light of the oncoming train
Robert Lowell
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
من الذكريات التشاؤمية التي تختزن بها أوعيَة لا شعوري , تلك السيرة الخالدة لوزغة مجهولة لا يعرفها أحدٌ نهائياً !
وقد كنت وقتها في سن الرابعة عشرة ذاهباً بصحبة بضعة أقران وأصدقاء , لنصطاد بعض طيور " أبو التين " و " الورور " و " الزقي " وهي طيور تتكاثر في مواسم الصيف , وبالتحديد في نهاية هذا الموسم السّيء من مواسم السنة .
وكنا نتجمهر حول شجيرات المشمش و التين , ونتربص الدوائر في الطيور الحائمة حول هذه الشجيرات أو تلك الطيور التي تحط واقعة عليها , فكم أجرمنا بحقها وكم جندلنا منها القتلى !
وبعد أن ارتكبنا مذابح جماعية وفردية بحق هذه الطيور المسكينة , أخذنا حصاد ما اصطدناه : كانت بضعة مئات من أبو التين و والزقي, وبضعة عشرات من الورور . قمنا بنتفها ووضعها في قدر كبير " كيفما اتفق ! " وبعد أن داهمنا الجوع في البراري التهمناها بالجملة ولم نترك منها مقدار فلذة .
تحركنا في المساء إلى مزرعة بالقرب من قرية" ريما" وهي قرية تقع على طريق يبرود و النبك ( أبو سيد واحد ) ( 1 ) وهناك ارتضنا في بيت شعبي في مدخل المزرعة , وكان التعب قد أخذ منا كل مأخذ , والإرهاق استبدّ بنا كل استبداد ! فقلت للشلة : فلننم هنا , بعد أن نشوي ما في جعبتنا من طيور .
وأثناء الشوي , قمت بإشعال أنوار النجفات الفضيّة . وأول ما لاحظته وجود الكثير من زواحف الوزغ , أو ما يسمى هنا في بعض مناطق السعودية بـ " البعرصي " أو كما نسميه نحنُ الشوام أبوبريص ! فأخذت بندقيتي الخردءة ( 2 ) وانهلت على هذه الزواحف بالرصاص حتى امتلأت الأرض بهن فاضطررت لكنسهن من الأرض بعد أن غطّينها . وبعد التهامنا للعشاء أعددنا ابريقاً من الشاي الكثيف السكّر , وتسامرنا لبضعة دقائق قبل أن نبحر في النوم .
أثناء نومي لمحت وزغة تركض بسرعة في السقف , وكان السقف مسلحاً ( 3 ) نظراً لأن البيت شعبيّ , أجبرت نفسي على تجاهل ما رأته عيناي , أغمضت عينيّ وأطبقت جفنيّ عمداً . بعد دقائقٍ خمس , لمحت هذه الوزغة تركض مسرعة من جديد , فاستيقظت من فراشي السحاب ( 4 ) وما أن لمحَت مني الحركة , حتى جمدت في مكانها , أما أنا فكانت بندقيّتي موجهة تماماً صوبها , واصبعي على الزند ينتظر الأمر مني ! ولكن حدث أمر عجيب ! إنها كانت تنظر مباشرة لعيني ! فكانت عينها عبارة عن حدقة سوداء واسعة جداً تحتل نصف رأسها , ونصف رأسها هذا موجه تماماً إليّ , أردت أن أضغط على الزناد لكن لم أستطع ! وكان اصبعي ساكناً في مكانه لا يتحرّك ..
كانت تقول لي :
- إنك مجرم وقاتل , لقد أبدت قبيلتنا كلها , وأعدمتهم واحداً تلو الآخر , في بضعة دقائق ولا أكثر ! إنني وحيدة الآن , فقد كنست كل أقربائي ببندقيتك هذه , ولو كان لي من الأمر شيئاً , لقتلتك الآن شرّ قتلة ! ولكن , ويا لسخرية القدر , بدل أن أقتلك أنا , ها أنت هنا , تمسك ببندقيّتك , وتوجه فوّهتها بإزائي , وتوشك على إفنائي أنا , أنا آخر من بقي على قيد الحياة من عائلتي ! إنك لا تزال قاتلاً والمفروض أن تكون مقتولاً ! ولكن ما دامت الأمور بهذه العشوائية فلتقتلني ! ولتجعلني أرحل مع من رحلوا , فلا خير في حياة بائسة ووحيدة ومتشردة , دعني أتلو صلاتي الأخيرة وأرحل بسلام مع الشجعان الذين رحلوا ..
أخفضت قليلاً من البندقية , وتأبطتها وأنا واقف على ركبتي وفوق فراشي في آن . كنت أفكر فيما قالته , وفي الكلام الضروري الذي يجب أن أردّ به عليها . ولكنها محقة ! إنني مجرم ! وهذا الأمر لا أنكره ! لكنني آثرت أن أراوغها , وقلت لها :
- لم تقذفينني بالجريمة ؟ هل تريدين إقناعي أن ما فعلته كان أمراً غير حضاري ؟ صدقيني أيتها الوزغة الصعلوكة , أنه لو كان بمقدور قبيلتك أن تنال البنادق والمدافع , لما ترددت لحظة واحدة في إفناء بني نوعي وجنسي ! إن الحياة صراع أعمى , ورغبات متوحّشة , وتهوّر لا حدود له , وأنتم مثلنا , تسعون كما نسعى , وتقاومون كما نقاوم , فإن كانت الغلبة لنا في هذا الحين , فربما انقلبت علينا ولو بعد حين !
ردّت عليّ الوزعة ببديهة سريعة :
- إنني لا أخاطبك أنت , بل أخاطب الضمير الذي يسكن بداخلك ! إنه يتوجب عليك أن تشفق على هذه الزواحف المسكينة وتأخذ بيدها وتعطف عليها لا أن تفنيها وتبيدها , إن ما فعلته أمر شرير , على الأقل من وجهة نظري , ولو كنت ذا قلب مرهف وإحساس صادق لما فعلت ما فعلته , تباً لك يا طويل القامة !
وما أن لفظت جملتها هذه , حتى انفجرت ضاحكاً وهازئاً بها , فرفعت من بندقيّتي , مغمضاً عيني اليسرى وشاخصاً بعيني اليُمنى تجاهها , لأقول :
- إنني أقوم بتكريمك حين أقتلك وأرسلك للعالم المغاير لعالمنا هذا . إنه ذلك العالم المختلف والذي يسوده صمت مطلق نهائي لا صوت ولا ضجيج فيه . فوداعاً أيتها الوزعة , ولتستقبلي هذه الرصاصة الأخيرة مني ..!
أغمضت عيني اليُمنى , وأطلقت الرصاصة , ولدى تأملي للسقف بعد برهة , وجدتها قد زالت عنه , وتطايرت جثتها أشلاء مبعثرة تملأ المكان .
ومن ثم غادرت مسرح الجريمة , ونمت في حوض السيارة , نومة جميلة ولذيذة لا يكدر صفوها أيّ شيء كان !
( 1 ) سِيد واحد , بكسر السين , تعني الطريق البري الذي يحوي مساراً واحداً باتجاهين متناقضين .
( 2 ) الخردءة هي بندقية هوائية تتسع غالباً لرصاصة صغيرة بحجم حبة القهوة وهي لا تصلح إلا لاصطياد العصافير والطيور الصغيرة ، وتسمى أيضاً "أم صتمة"
( 3 ) السقف المسلح هو الذي يكون في البيوت الشعبية القديمة أو ببيوت الطين وهو مصنوع من الخشب وغالباً ما تتتسرب منه مياه الأمطار .
( 4 ) فراش السحّاب معروف عند ذوي الرحلات البرية ويحتوي على سحّاب بحيث يحمي المرتحل من القوارص التي ترتع في البراري ، ويسمى في بعض البلدان "الفراش التنزاني"