سرتُ بطريقي المُعتاد على بالي , سرتُ خاوي البال أجوف الذهن , لم أدرِ بخلدي أني سأعثرُ على ذلك المتسول الذي سينفخ الرماد المتراكم في دواخلي.
إنه ذلك العجوز بقامته المتواضعة وأكتافه المتهاوية , والذي يقعد على سفح الجدار وهو يمد يديه سائلاً الناس ما في جيوبهم من قروش و هللات . كنت ذاهباً إلى عملي اليومي , ولأن عملي قريب , ولأني أحثُ خطواتي باحثاً عن رزقي مثل طيور الصباح المُفتشة عن كمٍ من الطعام لتسكت به أفواه فراخها , فإذا بي أجد هذا المتسول بأسماله البالية التي تفوح منها روائح الفقر والمسكنة والكفاف , ذلك الفقير الذي مدّ يديه أمامي وبجرأة وهو , يقول , بكل خيبة مُمكنة :
- أعطني مما أعطاك الله ..
ولأرد عليه بصَلَف :
- اذهب واعمل لتجد ما عند الله !
كنت أتصوّر أن هذه العبارة يُمكن أن تُسكت ذلك العجوز الطمّاع , لكني لم أثق بشكل مطلق بهذا التصور . فهذه ليست المرة الأولى التي أكشف فيها تناقض نفوس الناس وخفاياها المُعقدة , وفي عرفاني أيضاً , أن عبارة صارمة كهذه , يُمكن لها أن تُثني هذا العجوز الخبيث عن الجدل والمُلاحاة والرد في الكلام , بيد أن المتسول قال لي , وقد كشف عن فمٍ خلا من الأسنان والأضراس :
- أيها الشاب النبيل , وهل سيضيرك لو منحتني ما في جيبك من " فكة " ؟ أم أن سُلطان هذا الزمن صار بيد البُخلاء والمُقترين ؟
هكذا إذن ؟ أنا بخيل ؟ أنا مجرد موظف بيروقراطي لعين يجمع دراهمه مثلما تجمع النمل فتات خبزنا اليابس لتقضي عليه شتاءً ! هكذا فكرت في طويّتي , إني لا أقتنع بكلام هذا الشيخ المخرّف , قاومت غضبي وأمسكتُ بزمام أعصابي , فشرعت أرد عليه وأنا أقول :
- إنك أيها الشيخ , كبير في السن , ولولا الشعر الأبيض الذي يُحيط بوجهك لما كلفت نفسي أن أرد عليك , ولكنها عادتي في احترام المُسنين تجبرني على تجاهلك بصمت , كان بودي أن أنصحك بالذهاب للعمل لكن على ما يبدو أن أمثالك من المُتسولين لا تنفع معهم النصيحة !
من المتوقع لي ولك ولأيّ قارئ عنده كرامة " تقليدية " أن تدفعه معتقداته للإيمان في أن هذا الكلام لا يُمكن السكوت عليه , ولكن مهلاً أيها السادة الأكارم , إن هذا الشيخ لا بد وأن لديه المزيد من الحُجج , فلا يُعقل أن يسكت على هذا الكلام المُهين . وهذا ما وقع , فوقتئذٍ قال الشيخُ بوجهٍ متجعّد أرهقته خيبات الزمان :
- إنك يا ابني لا تعرف شيئاً عن خبث الحياة وتآمرها وسواد سريرتها , الحياة , آه يا لتلك العجوز البشعة التي يدعونها حياة ! ويبدو أن خبرتك لا تتعدى توقيع بضعة وريقات في ملفاتٍ خضراء بالية يرسلها إليك مديرك في العمل , وتظن أنك أنجزت شيئاً مُهماً , أرجوك يا ابني أن لا تهينني بهذا الكلام الذي لا أشم فيه إلا أعفن الروائح , ولا تظن أن عفونة ثوبي تمنعني من اشتمام عفونة غيره . أنت تظن أنني الشحاذ الوحيد , أليس كذلك ؟
أخذت أنظر في ساعتي حاسباً الدقائق التي تمر بسرعة , وأدركت أن الوقت مبكر قليلاً للذهاب إلى عملي , لذا فلا مانع من تزجية الوقت بسماع هذا الشيخ وهو يبرر صعلكته السرمدية . !
كنتُ حينها أؤمن بأن شيخاً كهذا هو فاشل تماماً في كل شؤونه وإلا لما انتهت حاله إلى هذا المآل , أجبته بنعم قوية : أنت يا شيخي فاشل بالكلية ولا تصلح لشيء سوى أن تربض على حافة هذا الجدار تستعطف مشاعر المارّة لتنال مبلغاً تافهاً من جيوبهم .
صمت العجوز هنيهةً .. وشرعتُ أراقبه . طفق العجوز يعدّل من جلسته بعد أن آلمه ظهره إيلاماً مُبرحاً , سحب بساطه إلى مسافة أبعد وهو يلاحق شريطاً من ضوء الشمس الذي يدفئ عظامه الصلبة والسهلة الكسر , كان يحمد الله أن هذا الظل مجانياً ولا يمن به أحد عليه . إنه سعيد , جداً , وفرحان , يهش الذباب عن وجهه , يسهو مع نفسه حيناً ويُتمتم بعبارات لا يسمعها سواه . يحك وجهه بيده . يعض على أصبعه في أحيان . يغضب , لكن يبتسم ابتسامة خاطفة تبدّد هذا الغضب الفجائي . يمزح , لكنه يُنهي مزحته بسرعة حين يعرف أنه لا أحد يكترث بسماعها , أو حين يعرف أنه يحادث نفسه ولا أحد يُلقي له بالاً .
قال الشيخ لي , بعد أن انتهى من اصطياد قملة متطفلة تسافر في شعره الأجعد :
- يا ابني , إن الجميع يتسولون ولكن بطرق مختلفة , فأنت تتسول الراتب نهاية كل شهر عن طريق العمل الذي تظنه يدفعك للإنتاج وإفادة الناس , والحاصل أنك تعيش بطالة مُقنعة كسائر أبناء هذه البلاد . انظر لرجال الأعمال , ألا تظنهم يتسولون , حينما يذهبون للبورصات وهم يصرخون حتى تحمرّ أوجانهم وتنتفخ أوداجهم من الغضب ؟ ألا يقوم العالِم بالشحاذة , حينما يُنفق وقته طالباً للعلم , كأن العلم طاغية شرقي , لا يُنال رضوانه إلا عبر التضحية له بالروح والحياة . انظر للناس من حولك , إنهم يتوسلون عن طريق العمل أو العلم أو التضحية بكل شيء لتحصيل المنفعة . وأنا أذكى منهم , إنني لا أؤاخذ نفسي وإن كان غيري يُؤاخذني , وها أنذا , جالس هنا , بكل ثقة وبجاحة , أشحذ !
قاطعته بسرعة :
- إذن لماذا لا تصنع مثل هؤلاء الذين تزري عليهم ؟ لماذا لا تتسول بطريقة محترمة بدل تسولك بطريقة غير محترمة ؟
وعلى الفور , ظهرت تجاعيد الشحاذ بصورة مُبالغ بها , وانفتح فمه , وهو يُصدر صوتاً نشازاً , ظننته للوهلة الأولى جعيراً لثور يدور في الساقية , لكنه فيما بعد أدرك أنه مجرد ضحكة بريئة تصدر من إنسان لم يعد يبالي بظروف الدنيا ومُدلهمّاتها , وباح لي الشيخ :
- إنك صغير يا بُني على إدراك هذه الحقائق ! أوتظنني لم أكد وأعمل ؟ أوتظنني سعيد بهذه الحال المنكوبة ؟ لقد عملت مثل عملك بالضبط , وكدحت كما لم يفعل إنسان قط , كنت نحلة مجنونة مهووسة بالطواف بين الزهور على مختلف ألوانها وهي تطمح لامتصاص كل رحيق , لكن هذه هي نهايتي , ههههههخ , هذه هي نهاية هذا الطموح التافه الذي حملته . ولقد بدأت أدرك حقيقة جلية وناصعة مفادها أنني أضعت الكثير من وقتي في تحصيل توافه الأمور , رأيت أنه من الأجدى لي أن أشحذ , إن الجميع يشحذون وهم في الشحاذة سواء , ولا يوجد شحاذ أحسن من الآخر . ولكن لم تسألني عن سبب حبي للشحاذة ؟ أحب الشحاذة لأنها صريحة , مُباشرة , تتجه صوب الهدف مُباشرة بلا تمويه ولا مُماطلة , أعطني " الفكة " التي معك , واذهب إلى ما تريد . إننا معشر الشحاذين , لا نسرق أحداً , ولا نُجرم بحق إنسان بريء , ولا أحد يملك صراحتنا ونزاهتنا . إننا نستأذنكم أموالكم , وغيرنا يسرقها منكم دونما إذن . إننا مُدانون ليلاً ونهاراً , بينما غيرنا يقوم بالقتل والسرقة والسلب ويوصف بالشريف الذي لا يشك أحداً في شرفه . ألن تعطيني شيئاً من " الفكة " التي بحوزتك , أرجوك أن تعطنيها , فهذا أبسط ما أستحقه جزاءً على هذه المُرافعة . أعطني الفكة , ليدفع الله عنك شرّ هذه الدنيا !
نظرت إلى ساعتي , وكانت السابعة بالضبط , أعطيت الشيخ بعضاً من المال الفائض بجيبي , وذهبت مسرعاً إلى عملي !!