| | ||||
| | دردشة رورو | | ||
| | ||||
![]() | | |||
| | ||||
| | | | | |
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
![]() |
جديدنا : مجلة عالم الرومانسية العدد السادس - مجلة زخات مطر العدد الأول - صحف - صور ماسنجر - موقع اطفال - ازياء - صور ديكور - جمال حواء - سيارات - نكت - صور صور
|
| |||||||
| التسجيل | تعليمات | قائمة الأعضاء | الأوسـمـة | التقويم | أعمال مميزة | مسابقات المنتدى | اجعل كافة الأقسام مقروءة |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |||||||||
|
| كتاب الجواسيس..بسم الله الرحمن الرحيم : : : : : : الجواسيس .. قصص جاسوسية .. ابطال القصص ..قصص جواسيس .. جواسيس مزدوجه .. ابطال الحروب حياتهم.. كيفيه عملهم . كل شي عن الجواسيس تجده هنا بالموضوع اثناء تجولي في المنتديات جاتني فكره الموضوع عندما شاهدت احد المواضيع.. .. بقلم : ~ღ♥*عـذابي دلع*♥ღ~ بشكل حصري بمنتديات عالم الرومانسية.. [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] | |||||||||
|
| |
| | رقم المشاركة : 2 (permalink) |
|
| كنت جاسوساً في إسرائيل [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] رفعت الجمال " رأفت الهجان " لم يتوقع احد تلك العاصفة التي هبت داخل إسرائيل بحثا وسعيا لمعرفة حقيقة الشخصية التي أعلنت المخابرات العامة المصرية عام 1988 بأنها قد عاشت داخل إسرائيل لسنوات طوال أمدت خلالها جهاز المخابرات المصري بمعلومات مهمة كما أنها شكلت وجندت داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه اكبر شبكه تجسس شهدتها منطقة الشرق الأوسط. وكان اسم (رأفت الهجان) هو الاسم المعلن البديل للمواطن المصري المسلم (رفعت على سليمان الجمال) ابن دمياط والذي ارتحل إلى إسرائيل بتكليف من المخابرات المصرية عام 1954 حاملا روحه على كفة. وحقق الجمال نجاحات باهرة وبه استطاعت المخابرات المصرية أن تثبت عمليا كذب أسطورة التألق التي تدعيها إسرائيل لجهاز مخابراتها. وفور إعلان القاهرة لهذه العملية المذهلة طالبت الصحفية الإسرائيلية "سمادر بيرى" - في موضوع نشرته بجريدة يدعوت احرونوت الإسرائيلية - آيسر هريتيل مدير المخابرات الإسرائيلية في هذا الوقت أن ينفى ما أعلنته المخابرات المصرية وأكدت لمدير المخابرات الإسرائيلية أن هذه المعلومات التي أعلنتها القاهرة تثبت تفوق المخابرات العربية المصرية في أشهر عملية تجسس داخل إسرائيل ولمدة تقرب من العشرين عاما. واستهدفت الصحفية من نشر هذا الموضوع عرض الحقيقة كاملة ، حقيقة ذلك الرجل الذي عاش بينهم وزود بلاده بمعلومات خطيرة منها موعد حرب يونيو 1967 وكان له دور فعال للغاية في الإعداد لحرب أكتوبر 1973 بعد أن زود مصر بأدق التفاصيل عن خط بارليف ، كما انه كون إمبراطورية سياحية داخل إسرائيل ولم يكشف احد أمره . وجاء الرد الرسمي من جانب المخابرات الإسرائيلية : أن هذه المعلومات التي أعلنت عنها المخابرات المصرية ما هي إلا نسج خيال ورواية بالغة التعقيد .. وان على المصريين أن يفخروا بنجاحهم!. وبينما يلهث الكل وراء اي معلومة للتأكد من الحقيقة عن هذا المجهول المقيد في السجلات الإسرائيلية باسم "جاك بيتون" بصفته إسرائيلي ويهودي ، نشرت صحيفة "الجيروزاليم بوست" الإسرائيلية موضوعا موسعا بعد أن وصلت إلى الدكتور "ايميرى فريد" شريك الجمال في شركته السياحية "سي تورز" وبعد أن عرضوا علية صورة الجمال التي نشرتها القاهرة شعر بالذهول وأكد أنها لشريكة "جاك بيتون" الذي شاركه لمدة سبع سنوات وانه كان بجواره مع جمع كبير من صفوة المجتمع الإسرائيلي عندما رشح لعضوية الكنيست الإسرائيلي ممثلا لحزب "مباى" الإسرائيلي "حزب عمال الأرض" ولكنه لم يرغب في ذلك. وفور أن فجرت صحيفة "الجيروزاليم بوست" حقيقة الجاسوس المصري وانه شخصية حقيقية وليست من نسج خيال المصريين كما ادعى مدير الموساد حصلت الصحيفة أيضا على بيانات رسمية من السجلات الإسرائيلية مفادها أن "جاك بيتون" يهودي مصري من مواليد المنصورة عام 1919 وصل إلى إسرائيل عام 1955 وغادرها للمرة الأخيرة عام 1973 . وأضافت الصحيفة بعد التحري أن "جاك بيتون" أو "رفعت الجمال" رجل الأعمال الإسرائيلي استطاع أن ينشئ علاقات صداقه مع عديد من القيادات في إسرائيل منها "غولدا مائير" رئيسة الوزراء ، و"موشى ديان" وزير الدفاع . وخلصت الصحيفة إلى حقيقة ليس بها أدنى شك : "جاك بيتون" ما هو إلا رجل مصري مسلم دفعت به المخابرات المصرية إلى إسرائيل واسمه الحقيقي "رفعت على سليمان الجمال" من أبناء مدينة دمياط بمصر. وفور هذه المعلومات الدقيقة التقطت الصحف العالمية أطراف الخيط فقالت صحيفة "الاوبزرفر" البريطانية الواسعة الانتشار : أن "الجمال" عبقرية مصرية استطاع أن يحقق أهداف بلاده .. ونجح في أن يعود إلى وطنه سالما ويموت طبيعيا على فراشه. رفعت الجمال ولد رفعت الجمال في الأول من يوليو 1927 بمدينة طنطا وكان الابن الأصغر للحاج على سليمان الجمال تاجر الفحم وكان له اخوين أشقاء هما لبيب ونزيهه إضافة إلى أخ غير شقيق هو سامي، وكان والده يحمل لقب (أفندي) أما والدته فكانت من أسرة عريقة وكانت تتحدث الإنجليزية والفرنسية. لم ينعم "رفعت" بوالده طويلا إذ توفى والده وهو بعد في التاسعة من عمره عام 1936 وكانت شقيقته نزيهه في الحادية عشر ولبيب في الثالثة عشر، أما سامي فكان في الثالثة والعشرين، ولم يكن لهم أي مصدر للرزق فاتفق الأعمام والعمات على حل كان منطقيا في هذه الظروف وهو أن يلتحق الصبيين (رفعت ولبيب) بورشة للنجارة حيث كانت مدينة دمياط منذ القدم وحتى الآن مشهورة بصناعة الأخشاب إلا أن الشقيق الأكبر سامى رفض الفكرة من أساسها واقترح أن ينتقل الأولاد الثلاثة وأمهم معه إلى القاهرة ليتعلموا في مدارسها ويكفل لهم راتبه المتواضع حياه كريمة، وكان سامي مدرسا للغة الإنجليزية وكان مسئولا عن تعليم أخوة الملكة فريدة اللغة الإنجليزية. وفى القاهرة التحقت نزيهة بمدرسة ثانوية للبنات والتحق لبيب بمدرسة تجارية متوسطة، أما رفعت فالتحق بمدرسة ابتدائية وبعد إتمامه لها التحق أيضا بمدرسة تجارية وكان وقتها يتقن التحدث باللغتين الانجليزية والفرنسية ، وبرغم محاولات سامى أن يخلق من رفعت رجلا منضبطا ومستقيما إلا أن رفعت كان على النقيض من اخية سامى فقد كان يهوى اللهو والمسرح والسينما بل انه استطاع أن يقنع الممثل الكبير بشارة وكيم بموهبته ومثل معه بالفعل في ثلاثة أفلام. وفي عام 1943 تزوجت نزيهة من الملازم أول احمد شفيق في حين سافرت أمه إلى دكرنس للإقامة مع أخوها ليجد رفعت نفسه محروما فجأة من أمه وأخته التي كان يحبها كثيرا، ووجد نفسه فجأة مطالبا بتحمل أعباء نفسه ومن ثم وعلى سبيل الاحتجاج رسب عمدا في امتحان العام الدراسي الثالث بمدرسته التجارية وفي هذا الوقت تزوج شقيقه سامي من ابنه محرم فهيم نقيب المحامين في ذلك الوقت، في حين انشغل لبيب بعمله، ولما كان هناك ملاحق للراسبين في الامتحان النهائي ومع ثورة الجميع على رفعت ومطالبته بالنجاح في الملاحق إلا انه كان مصرا .. ورسب للمرة الثانية. وفي العام التالي نجح رفعت في الامتحان ولم يعد أمامه إلا عام واحد على التخرج وبالفعل تخرج في عام 1946 في الوقت الذي كان فيه قد انضم إلى عالم السينما. إلا انه أحس أن الوقت قد حان لكي ينتقل لمجال آخر، وربما كان يريد وقتها الهروب من (بيتي) تلك الراقصة التي تعرف عليها، فتقدم بطلب لشركة بترول أجنبية تعمل بالبحر الأحمر للعمل كمحاسب واختارته الشركة برغم العدد الكبير للمتقدمين ربما نظرا لإتقانه الإنجليزية والفرنسية، وانتقل بالفعل إلى رأس غارب حيث بقى لمده خمسة عشر شهرا تعلم خلالها كل ما أمكنه عن إعمال البترول وأقام علاقات متعددة مع مهندسين أجانب، وفي هذه الأثناء توفيت والدته بدكرنس. وفي عام 1947 قرر رئيسه نقله إلى المركز الرئيسي بالقاهرة ولما كان لا يرغب في العودة إلى القاهرة آنذاك إذ انه لن يستطيع أن يكون قريبا من أخته نزيهة وأبناءها وفي الوقت نفسه لا يستطيع رؤيتها مع سوء علاقته بزوجها فقد رفض الترقية. وانتقل إلى الإسكندرية للعمل في شركة كيماويات كان رئيسها قد فاتحه أكثر من مرة للعمل لديه، وسر منه صاحب الشركة كثيرا نظرا لاجتهاده وكان يعامله كابن له وهو الشئ الذي كان يفتقده رفعت كثيرا. وفي عام 1949 طلب منه صاحب الشركة السفر إلى القاهرة لأنه غير مطمئن للمدير هناك وطلب منه مراجعه أعماله. وسافر رفعت إلى القاهرة وراجع أعمال مدير الفرع فلم يجد ما يثير الريبة وتسلم منه الخزانة وراجع ما فيها دون أن يدري انه يمتلك مفتاحا ثانيا لها، وفي اليوم التالي اكتشف ضياع ألف جنيه من الخزانة وأصبح هو من الناحية الرسمية المسئول عن ضياع المبلغ، واتصل مدير الفرع برئيس الشركة بالإسكندرية وابلغه انه عثر على المبلغ في غرفته وهو ما لم يحدث، وعاد رفعت إلى الإسكندرية وقال له رئيسه انه يصدقه لكنه لا يستطيع الإبقاء عليه في وظيفته تجنبا لإجراء أي تحقيقات رسمية لكنه أيضا رتب له عمل آخر مع صديق له يدير شركة ملاحه بحرية .. ولم يكن أمام رفعت خيار آخر. رفعت الجمال وبدأ رفعت العمل كمساعد لضابط الحسابات على سفينة الشحن "حورس"، وبعد أسبوعين من العمل غادر مصر لأول مرة في حياته على متن السفينة. وطافت "حورس" طويلا بين الموانئ؛ نابولي، جنوه، مرسيليا، برشلونة، جبل طارق، طنجة .. وفي النهاية رست السفينة في ميناء ليفربول الإنجليزي لعمل بعض الإصلاحات وكان مقررا أن تتجه بعد ذلك إلى بومباي الهندية. ولما كان من المفترض أن تبقى السفينة لمدة ليست بالقصيرة في ليفربول فقد بدأ رفعت في استكشاف المكان وتولت الأقدار أمر تعارفه بـ "جودي موريس" وهي فتاة انجليزية ذكرته كثيرا ببيتي التي كان يعرفها في مصر، غير أن جودي كانت تختلف كثيرا فقد كان والدها شخصية نقابية هامة في انكلترا. ولما أصبحت "حورس" جاهزة للرحيل تمسكت جودي برفعت وطالبته بالبقاء معها لبعض الوقت لكنه لم يكن مستعدا لخسارة وظيفته أو البقاء في انجلترا بطريقة غير مشروعة، غير أن جودي أوضحت له أن كثيرا من البحارة يضطرون إلى استئصال الزائدة الدودية وبذلك يتخلفون عن اللحاق بسفنهم وينتظرون إلى أن تعود مرة أخرى كما أن والدها يستطيع مساعدته في الحصول على تصريح إقامة ومن ثم أدعى رفعت الألم وأجرى عملية استئصال الزائدة الدودية وهو لا يشكو حقيقة منها بأي ألم!. [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] رفعت الجمال مع أبنه وعقب تماثله للشفاء التحق بالعمل لدى والد جودي في الميناء بعد أن رتب له الوالد تصريحا بالعمل. وسارت الأمور طبيعية بعض الوقت إلى أن شعر رفعت أن الأمور تتطور في غير صالحه خاصة بعد أن تعلقت جودي به كثيرا وأعلنت صراحة رغبتها في الزواج منه، ولما كان قد أيقن أنها لا تصلح له كزوجه فقد أنتهز أول فرصة حينما عادت "حورس" إلى ليفربول ليودعها عائدا إلى حياة البحر. وفي مارس 1950 عاد رفعت الجمال إلى مصر. عاد ليجد نفسه لم يتغير كثيرا فقد وجد نفسه كما رحل عنها؛ بلا أسرة أو عائلة. ولذلك لم يلبث أن رحل مرة أخرى على متن سفينة ترفع العلم الفرنسي. وبعد أربعة أيام من الإبحار وصلت السفينة إلى مرسيليا حيث واصل رفعت هوايته في استكشاف الأماكن، ومن مرسيليا أنتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس حيث واجه خطر الترحيل لأنه لم يكن يمتلك تأشيرة إقامة. ومن باريس أستقل رفعت القطار إلى العاصمة الإنجليزية لندن زاعما أنه مضطر لاستشارة الطبيب الذي أجرى له استئصال الزائدة الدودية وحصل بموجب ذلك على تأشيرة دخول لمدة أسبوعين ولم يكن من الممكن بالنسبة إليه أن يكون في انجلترا دون أن يعرج على ليفربول لرؤية جودي التي بكت من الفرحة حينما رأته متصورة أنه عاد من أجلها. وهناك ساعده قس مسيحي، كان قد طلب منه في زيارته الأولى لليفربول أن يعلمه ما يعرفه عن الإسلام، في الحصول على وظيفة جيدة في وكالة سفريات تدعى "سلتيك تورز". وأظهر رفعت كفاءة كبيرة في عمله الجديد ونجح في إقناع رئيسه في محاولة الحصول على موافقة السفارة المصرية بلندن على أن تتولى "سلتيك تورز" تنظيم سفر الدبلوماسيين المصريين والحاصلين على منح دراسية من وإلى انجلترا وأقتنع رئيسه ونجح رفعت في مهمته وعاد إلى الوكالة بعقد مربح بلغت عمولته عنه 2000 جنيه إسترليني وهو مبلغ رهيب بالنسبة لهذا الزمن. وقبل أن تمر خمسة شهور على هذه الصفقة زادت أرباح وكالة السفريات وزادت مدخراته إلى 5000 جنيه إسترليني وضعها في بنك أمريكان اكسبريس مقابل شيكات سياحية بنفس القيمة. وفكر رفعت في تكرار تجربته مع السفارة المصرية في نيويورك وأقنع رئيسه بالفكرة وسافر بالفعل على الفور إلى نيويورك. لكنه لم يكن يعلم أنه لن يعود مرة أخرى... . وصية الهجان وصيتى. أضعها أمانة فى أيديكم الكريمة السلام على من اتبع الهدى. بسم الله الرحمن الرحيم إنا لله وإنا إليه راجعون لقد سبق وتركت معكم ما يشبه وصية، وأرجو التكرم باعتبارها لاغية، وهأنذا أقدم لسيادتكم وصيتى بعد تعديلها إلى ما هو آت: فى حالة عدم عودتى حيا أرزق إلى أرض الوطن الحبيب مصر أى أن تكتشف حقيقة أمرى فى إسرائيل، وينتهى بى الأمر إلى المصير المحتوم الوحيد فى هذه الحال، وهو الإعدام، فإننى أرجو صرف المبالغ الآتية: 1. لأخى من أبى سالم على الهجان، القاطن.. برقم.. شارع الإمام على مبلغ.. جنيه. أعتقد أنه يساوى إن لم يكن يزيد على المبالغ التى صرفها على منذ وفاة المرحوم والدى عام 1935، وبذلك أصبح غير مدين له بشيء. 2. لأخى حبيب على الهجان، ومكتبه بشارع عماد الدين رقم...، مبلغ... كان يدعى أنى مدين له به، وليترحم على إن أراد . 3. مبلغ... لشقيقتى العزيزة شريفة حرم الصاغ محمد رفيق والمقيمة بشارع الفيوم رقم .. بمصر الجديدة بصفة هدية رمزية متواضعة منى لها، وأسألها الدعاء لى دائما بالرحمة. 4. المبلغ المتبقى من مستحقاتى يقسم كالآتى: Ø نصف المبلغ لطارق محمد رفيق نجل الصاغ محمد رفيق وشقيقتى شريفة، وليعلم أننى كنت أكن له محبة كبيرة. Ø النصف الثانى يصرف لملاجئ الأيتام بذلك أكون قد أبرأت ذمتى أمام الله، بعد أن بذلت كل ما فى وسعى لخدمة الوطن العزيز، والله أكبر والعزة لمصر الحبيبة . إنا لله وإنا إليه راجعون أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله طوال فترة عمله، في قلب إسرائيل، لحساب المخابرات المصرية، لم يتقدّم (رفعت الجمّال) بمطلب واحد للمسؤولين.. حتى كان مطلبه هذا.. أن يعود إلى (مصر)، ويدفن إلى الأبد شخصية (جاك بيتون).. حدث هذا في يونيو1963م، قبل لقائه الأوَّل بزوجته فيما بعد (فلتراود)، أي أن رغبته هذه كانت تعكس حالة الإجهاد التي وصل إليها، ورغبته الحقيقية في استعادة (رفعت الجمَّال)، بهويته، وجنسيته.. وديانته أيضاً.. ولكن العودة لم تكن بالبساطة التي توقَّعها (رفعت)، إذ لم يكن من السهل بالتأكيد، أن يختفي (جاك بيتون) هكذا فجأة، من قلب (إسرائيل)، ليظهر (رفعت الجمَّال) مرة أخرى في (القاهرة)، فهذا كفيل بكشف كل ما فعله طوال حياته.. ليس هذا فحسب، ولكن ستكشف -أيضا- شبكات التجسُّس التي تركها خلفه أيضاً.. وفي عالم المخابرات تعتبر هذه كارثة.. وبكل المقاييس.. [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] رفعت الجمال مع زوجته الألمانية فلتراود وعند هذا الحد، تمتزج، على نحو ما، مذكرات (جاك بيتون) بمذكرات زوجته (فلتراود)، فيروي هو نفس ما روته هي من قبل، حول لقائهما، في أكتوبر 1963م، ووقوع كل منهما في حب الآخر، وزواجهما. ولكن هناك فقرة مهمة جداً، في المذكرات التي تركها (رفعت) لزوجته بعد وفاته، تستحق حتماً أن نتوقَّف عندها، وأن ننقلها هنا نصاً؛ لأنها تؤكِّد نجاحه البالغ: وعدنا إلى إسرائيل في أوائل يناير1964م، قدمتك إلى "غولدا مائير"، وأحبتك كثيراً، ثم اصطحبتك في زيارة إلى "بن جوريون"، في الكيبوتز الخاص به. رافقنا "ديان" في هذه الزيارة، وبعد أن استقبلك "بن جوريون" العجوز مرحباً، طلبت منك التجول في الكيبوتز إلى أن نفرغ من حديثنا أنا و"بن جوريون" و"ديان". لم يتناول نقاشنا شيئاً له أهمية كبيرة، ولكن كان لابد وأن أكون متابعاً لمسرح الأحداث.. إلى هذا الحد إذن كان (رفعت الجمّال) متوغّلاً، في قلب عالم الكبار في إسرائيل!!! أي نجاح يمكن أن يفوق هذا!! والنقطة المهمة جداً، التي ينبغي التوقف عندها، في هذه المذكرات أيضاً، هي إصرار (رفعت) الشديد، على ألا يولد ابنه في (إسرائيل)، وعلى أن تسافر زوجته لتنجبه في (ألمانيا)، حتى لا يحمل إلى الأبد الجنسية الإسرائيلية.. ورويداً رويداً، راح (رفعت) يتحلَّل من أعماله والتزاماته في (إسرائيل)، ويقوي روابطه وأعماله في (ألمانيا)، وبدأ في دراسة كل ما يتعلَّق بالنفط، الذي قرَّر أن يجعل من تجارته مصدر رزقه الأساسي، خاصة وأنه قد تقدَّم بطلب للحصول على الجنسية الألمانية، التي ستتيح له السفر بيسر أكثر، ودون تعقيدات أمنية عديدة، إلى (مصر)، في أي وقت يشاء، كرجل أعمال ألماني، وتاجر نفط عالمي. وفي فقرة مؤسفة، يؤكِّد (رفعت) أنه، باتصالاته التي لم تكن قد انقطعت بعد، بالمسؤولين الإسرائيليين، أمكنه معرفة أن (إسرائيل) تستعد للهجوم على مصر، في يونيو1967م، وأنه أبلغ المسؤولين في (مصر) بهذا، إلا أن أحداً لم يأخذ معلوماته مأخذ الجد، نظراً لوجود معلومات أخرى، تشير إلى أن الضربة ستنصب على سوريا وحدها!!.. . ووقعت نكسة1967.. وانهزمنا هزيمة منكرة.. وعلى الرغم من حالة الإحباط وخيبة الأمل، التي أصابته بسبب هذا، واصل (رفعت) ارتباطه بالمخابرات المصرية، وظلّ يرسل إليها كل ما يقع تحت يديه من معلومات، من خلال صداقته مع رجل المخابرات الإسرائيلي (سام شواب)، حتى توافرت لديه فجأة بعض المعلومات بالغة الخطورة، (لم يفصح عنها أيضاً في مذكراته)، والتي أرسلها فوراً إلى مصر، وصدقها المصريون، وكان لها تأثير واضح، في حرب 1973م.. وبعد الحرب والانتصار، عاد (رفعت) يطلب العودة إلى (مصر)، ولكن المخابرات المصرية أخبرته أنه لا يستطيع العودة مع أسرته، إذ يستحيل أن تتم حماية الأسرة كلها طوال الوقت، من أية محاولات انتقامية إسرائيلية، إذا ما انكشف أمره.. كان على الطير أن يواصل التحليق إذن، بعيداً عن وطنه، وأن يحمل حتى آخر العمر جنسية (جاك بيتون)، اليهودي الإسرائيلي السابق، ورجل الأعمال الألماني المحترم، الذي نجح في إقامة مشروع نفطي كبير في (مصر)، ظلّ يزهو به، حتى آخر لحظة في حياته، ويروي في مذكراته كيف حصل على امتياز التنقيب عن البترول المصري، في عام 1977م، ليعود أخيراً إلى (مصر)، التي عشق ترابها، وفعل من أجلها كل ما فعله.. وفي نهاية مذكراته، يتحدَّث (رفعت الجمَّال) عن إصابته بمرض خبيث، وتلقيه العلاج الكيمائي، في أكتوبر1981م، وتفاقم حالته، ثم يبدي ارتياحه، لأن العمر قد أمهله، حتى أكمل مذكراته، وأن زوجته وابنه دانيال، وابنته بالتبني أندريا سيعرفون يوماً ما حقيقته، وهويته، وطبيعة الدور البطولي الذي عاش فيه عمره كله، من أجل وطنه.. تروي (فلتراود) قصة لقائها بالفنان (إيهاب نافع)، وارتباطها به، والدور الذي قام به، لإجراء الاتصال بينها وبين المخابرات المصرية، للتيقن من حقيقة ما جاء في مذكرات زوجها الراحل، ثم زواجها من (إيهاب نافع) فيما بعد.. وأن العالم كله يعرف الآن أن المخابرات المصرية قد نجحت، في صفع الإسرائيليين، طوال ثمانية عشر عاماً كاملة، وزرع جاسوس مصري في قلب قياداتهم.. وقلب مجتمعهم.. بل وقلب كيانهم الأساسي كله.. وأنها كانت واحدة من أروع وأكمل العمليات، التي تم نشر (بعض) تفاصيلها، في تاريخ المخابرات كله.. عملية، برع وتألّق خلالها جاسوس يعد الأشهر في عالمه، حتى لحظة كتابة هذه السطور.. بل أشهر الجواسيس.. على الإطلاق. آخر تعديل ܔْށالوعـد الأخـيرܔْށ يوم
05-23-2009 في 09:10 AM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 3 (permalink) |
|
| أخطر جاسوس زرعته إسرائيل في سوريا [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] ايلي كوهين الياهو بن شاؤول كوهين يهودي من أصل سوري حلبي، ولد بالإسكندرية التي هاجر إليها احد أجداده سنة 1924. وفي عام 1944 انضم ايلي كوهين إلى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في الإسكندرية وبدا متحمسا للسياسة الصهيونية وسياستها العدوانية على البلاد العربية، وفي سنة وبعد حرب 1948 اخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين وبالفعل في عام 1949 هاجر أبواه وثلاثة من أشقاءه إلي إسرائيل بينما تخلف هو في الإسكندرية . وقبل أن يهاجر إلى إسرائيل عمل تحت قيادة إبراهام دار وهو أحد كبار الجواسيس الإسرائيليين الذي وصل إلى مصر ليباشر دوره في التجسس ومساعدة اليهود علي الهجرة وتجنيد العملاء، واتخذ الجاسوس اسم جون دارلينج وشكل شبكة للمخابرات الإسرائيلية بمصر نفذت سلسلة من التفجيرات ببعض المنشات الأمريكية في القاهرة والإسكندرية بهدف إفساد العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية و في عام 1954 تم إلقاء القبض على أفراد الشبكة في فضيحة كبرى عرفت حينها بفضيحة لافون، وبعد انتهاء عمليات التحقيق كان أيلي كوهين قد تمكن من إقناع المحققين ببراءة صفحته إلي أن خرج من مصر عام 1955 حيث التحق هناك بالوحدة رقم 131 بجهاز أمان لمخابرات جيش الدفاع الإسرائيلي ثم أعيد إلي مصر ولكنه كان تحت عيون المخابرات المصرية التي لم تنس ماضيه فاعتقلته مع بدء العدوان الثلاثي ضد مصر في أكتوبر 1956. وبعد الإفراج عنه هاجر إلي إسرائيل عام 1957, حيث استقر به المقام محاسبا في بعض الشركات, وانقطعت صلته مع "أمان" لفترة من الوقت, ولكنها استؤنفت عندما طرد من عمله وعمل لفترة كمترجم في وزارة الدفاع الإسرائيلية ولما ضاق به الحال استقال وتزوج من يهودية من أصل مغربي عام 1959. وقد رأت المخابرات الإسرائيلية في ايلي كوهين مشروع جاسوس جيد فتم إعداده في البداية لكي يعمل في مصر, ولكن الخطة ما لبثت أن عدلت, ورأي أن أنسب مجال لنشاطه التجسسي هو دمشق. وبدأ الإعداد الدقيق لكي يقوم بدوره الجديد, ولم تكن هناك صعوبة في تدريبه علي التكلم باللهجة السورية, لأنه كان يجيد العربية بحكم نشأته في الإسكندرية. ورتبت له المخابرات الإسرائيلية قصة ملفقه يبدو بها مسلما يحمل اسم كامل أمين ثابت هاجر وعائلته إلى الإسكندرية ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946 حيث لحق به كامل وعائلته عام 1947 وفي عام 1952 توفى والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية كما توفيت والدته بعد ستة أشهر وبقى كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة. وتم تدريبه على كيفية استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السري كما راح يدرس في الوقت نفسه كل أخبار سوريا ويحفظ أسماء رجالها السياسيين والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة. مع تعليمه أصول الآيات القرآنية وتعاليم الدين الإسلامي. وفي 3 فبراير 1961 غادر ايلي كوهين إسرائيل إلي زيوريخ, ومنها حجز تذكرة سفر إلي العاصمة التشيلية سنتياجو باسم كامل أمين ثابت, ولكنه تخلف في بيونس ايرس حيث كانت هناك تسهيلات معدة سلفا لكي يدخل الأرجنتين بدون تدقيق في شخصيته الجديدة. وفي الأرجنتين استقبله عميل إسرائيلي يحمل اسم ابراهام حيث نصحه بتعلم اللغة الاسبانية حتى لا يفتضح أمره وبالفعل تعلم كوهين اللغة الاسبانية وكان ابراهام يمده بالمال ويطلعه على كل ما يجب أن يعرفه لكي ينجح في مهمته. وبمساعدة بعض العملاء تم تعيين كوهين في شركة للنقل وظل كوهين لمدة تقترب من العام يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية كرجل أعمال سوري ناجح فكون لنفسه هوية لا يرقى إليها الشك, واكتسب وضعا متميزا لدي الجالية العربية في الأرجنتين, باعتباره قوميا سوريا شديد الحماس لوطنه وأصبح شخصية مرموقة في كل ندوات العرب واحتفالاتهم، وسهل له ذلك إقامة صداقات وطيدة مع الدبلوماسيين السوريين وبالذات مع الملحق العسكري بالسفارة السورية, العقيد أمين الحافظ. وخلال المآدب الفاخرة التي اعتاد كوهين أو كامل أمين ثابت إقامتها في كل مناسبة وغير مناسبة, ليكون الدبلوماسيون السوريون علي رأس الضيوف, لم يكن يخفي حنينه إلي الوطن الحبيب, ورغبته في زيارة دمشق لذلك لم يكن غريبا أن يرحل إليها بعد أن وصلته الإشارة من المخابرات الإسرائيلية ووصل إليها بالفعل في يناير 1962 حاملا معه ألآت دقيقة للتجسس, ومزودا بعدد غير قليل من التوصيات الرسمية وغير الرسمية لأكبر عدد من الشخصيات المهمة في سوريا, مع الإشادة بنوع خاص إلي الروح الوطنية العالية التي يتميز بها, والتي تستحق أن يكون محل ترحيب واهتمام من المسئولين في سوريا. وبالطبع, لم يفت كوهين أن يمر علي تل أبيب قبل وصوله إلي دمشق, ولكن ذلك تطلب منه القيام بدورة واسعة بين عواصم أوروبا قبل أن ينزل في مطار دمشق وسط هالة من الترحيب والاحتفال. و أعلن الجاسوس انه قرر تصفية كل أعماله العالقة في الأرجنتين ليظل في دمشق مدعيا الحب لوطن لم ينتمي إليه يوما وبعد أقل من شهرين من استقراره في دمشق, تلقت أجهزة الاستقبال في أمان أولي رسائله التجسسية التي لم تنقطع علي مدي ما يقرب من ثلاث سنوات, بمعدل رسالتين علي الأقل كل أسبوع. وفي الشهور الأولي تمكن كوهين أو كامل من إقامة شبكة واسعة من العلاقات المهمة مع ضباط الجيش و المسئولين الحربيين. وكان من الأمور المعتادة أن يقوم بزيارة أصدقائه في مقار عملهم, ولم يكن مستهجنا أن يتحدثوا معه بحرية عن تكتيكاتهم في حالة نشوب الحرب مع إسرائيل, وأن يجيبوا بدقة علي أي سؤال فني يتعلق بطائرات الميج أو السوخوي, أو الغواصات التي وصلت حديثا من الاتحاد السوفيتي أو الفرق بين الدبابة تي ـ52 وتي ـ54... الخ من أمور كانت محل اهتمامه كجاسوس. وبالطبع كانت هذه المعلومات تصل أولا بأول إلي إسرائيل, ومعها قوائم بأسماء و تحركات الضباط السوريين بين مختلف المواقع والوحدات. وفي سبتمبر1962 صحبه أحد أصدقائه في جولة داخل التحصينات الدفاعية بمرتفعات الجولان.. وقد تمكن من تصوير جميع التحصينات بواسطة آلة التصوير الدقيقة المثبتة في ساعة يده, وهي احدي ثمار التعاون الوثيق بين المخابرات الإسرائيلية والأمريكية. ومع أن صور هذه المواقع سبق أن تزودت بها إسرائيل عن طريق وسائل الاستطلاع الجوي الأمريكية, إلا أن مطابقتها علي رسائل كوهين كانت لها أهمية خاصة سواء من حيث تأكيد صحتها, أو من حيث الثقة في مدي قدرات الجاسوس الإسرائيلي. وفي عام 1964, عقب ضم جهاز أمان إلي الموساد, زود كوهين قادته في تل أبيب بتفصيلات وافية للخطط الدفاعية السورية في منطقة القنيطرة, وفي تقرير آخر أبلغهم بوصول صفقة دبابات روسية من طراز تي ـ54, وأماكن توزيعها, وكذلك تفاصيل الخطة السورية التي أعدت بمعرفة الخبراء الروس لاجتياح الجزء الشمالي من إسرائيل في حالة نشوب الحرب. وازداد نجاح ايلي كوهين خاصة مع بإغداقه الأموال على حزب البعث وتجمعت حوله السلطة واقترب من أن يرشح رئيسا للحزب أو للوزراء!. وهناك أكثر من رواية حول سقوط ايلي كوهين نجم المجتمع السوري لكن الرواية الأصح هي تلك التي يذكرها رفعت الجمال (رأفت الهجّان)الجاسوس المصري الشهير بنفسه.."... شاهدته مره في سهرة عائلية حضرها مسئولون في الموساد وعرفوني به انه رجل أعمال إسرائيلي في أمريكا ويغدق على إسرائيل بالتبرعات المالية.. ولم يكن هناك أي مجال للشك في الصديق اليهودي الغني، وكنت على علاقة صداقة مع طبيبة شابه من أصل مغربي اسمها (ليلى) وفي زيارة لها بمنزلها شاهدت صورة صديقنا اليهودي الغني مع امرأة جميلة وطفلين فسألتها من هذا؟ قالت انه ايلي كوهين زوج شقيقتي ناديا وهو باحث في وزارة الدفاع وموفد للعمل في بعض السفارات الإسرائيلية في الخارج، .. لم تغب المعلومة عن ذهني كما أنها لم تكن على قدر كبير من الأهمية العاجلة، وفي أكتوبر عام 1964 كنت في رحلة عمل للاتفاق على أفواج سياحية في روما وفق تعليمات المخابرات المصرية وفي الشركة السياحية وجدت بعض المجلات والصحف ووقعت عيناي على صورة ايلي كوهين فقرأت المكتوب أسفل الصورة، (الفريق أول على عامر والوفد المرافق له بصحبة القادة العسكريين في سوريا والعضو القيادي لحزب البعث العربي الاشتراكي كامل أمين ثابت) وكان كامل هذا هو ايلي كوهين الذي سهرت معه في إسرائيل وتجمعت الخيوط في عقلي فحصلت على نسخة من هذه الجريدة اللبنانية من محل بيع الصحف بالفندق وفي المساء التقيت مع (قلب الأسد) محمد نسيم رجل المهام الصعبة في المخابرات المصرية وسألته هل يسمح لي أن اعمل خارج نطاق إسرائيل؟ فنظر لي بعيون ثاقبة.. قلت: خارج إسرائيل. قال: أوضح. قلت: كامل أمين ثابت احد قيادات حزب البعث السوري هو ايلي كوهين الإسرائيلي مزروع في سوريا وأخشى أن يتولى هناك منصبا كبيرا. قال: ما هي أدلتك؟ قلت: هذه الصورة ولقائي معه في تل أبيب ثم إن صديقة لي اعترفت انه يعمل في جيش الدفاع ابتسم قلب الأسد وأوهمني انه يعرف هذه المعلومة فأصبت بإحباط شديد ثم اقترب من النافذة وعاد فجأة واقترب مني وقال.. لو صدقت توقعاتك يا رفعت لسجلنا هذا باسمك ضمن الأعمال النادرة في ملفات المخابرات المصرية.." وعقب هذا اللقاء طار رجال المخابرات المصرية شرقا وغربا للتأكد من المعلومة وفي مكتب مدير المخابرات في ذلك الوقت السيد صلاح نصر تجمعت الحقائق وقابل مدير المخابرات الرئيس جمال عبد الناصر ثم طار في نفس الليلة بطائرة خاصة إلى دمشق حاملا ملفا ضخما وخاصا إلى الرئيس السوري أمين حافظ. [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] إيلي كوهين على حبل المشنقة في ساحة المرجة بدمشق وتم القبض على ايلي كوهين وسط دهشة الجميع واعدم هناك في 18 مايو 1965. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 4 (permalink) |
|
| أصغر جاسوس قصة هذا الجاسوس قصة فريدة بالفعل فهي تجمع بين جنباتها الغرابة والطرافة والإثارة في وقت واحد.. هي قصة طفل مصري كان يرعى الأغنام ويقوم بتربية الدجاج في صحراء سيناء.. اندفع في طريق المخابرات العامة المصرية التي كانت وقتها تدير حربا من نوع خاص مع العدو الإسرائيلي بعد نكسة 1967حققت فيها انتصارات ساحقة لم يفق منها العدو إلا على انتصار اكبر في أكتوبر1973م.. الطفل صالح واحد من أبطال عالم الجاسوسية والمخابرات الذين خدموا وطنهم في الصغر والكبر فكما كان صالح وقتها اصغر جاسوس في العالم وأكبر من أذاق العدو الصهيوني مرارة الهزيمة، الآن هو يحتل موقعا حساسا في أحد الأجهزة الأمنية المصرية وكأنه أخذ على عاتقه خدمة الوطن وحمايته في الكبر والصغر. في العام 1968 وبينما تلقي النكسة بظلالها على الجميع وتعيش إسرائيل في زهو بأنها ألحقت الهزيمة بالجيش المصري، واحتلت شبه جزيرة سيناء، وأقامت الحصون والمواقع المنيعة بطول القناة وداخل الأراضي المصرية التي سيطرت عليها كانت هناك بطولات على الجانب الآخر أسفرت عن نتائج باهرة كانت في طي الكتمان إلى وقت قريب حتى تم الكشف عنها ومنها قصة الطفل المصري «صالح» أصغر جاسوس في العالم... فبينما كان مكتب المخابرات المصرية في شغل لا ينقطع لجمع المزيد من المعلومات عن العدو، وعدد قواته، ونوعية الأسلحة التي يمتلكها وطبيعة معيشة جنوده، والحراسات الليلية، وطبيعة حصونهم، كان «صالح» يعمل في جو الصحراء المحرقة على رعي الأغنام وتربية الدجاج محاولا الاحتماء بظل الكوخ الصغير الذي يقطنه والده الشيخ «عطية» وأمه «مبروكة علم الدين» وذلك بالقرب من بئر قليل المياه داخل سيناء. كان الطفل يداعب طفولته مع الأغنام والدجاج، ويتأمل الفضاء الواسع بخياله المتطلع إلى السماء، لم يسرح خياله إلى أن يكون علامة مضيئة أمام القوات المصرية وهي تعبر قناة السويس لتحقق النصر وترفع القامة العربية عاليا في كل مكان، ولم يفكر يوماً في أنه سيكون مساعدا للمخابرات المصرية خلف العدو الإسرائيلي، ويقوم بزرع أدق أجهزة للتصنت داخل مواقع الجيش الإسرائيلي ليصبح أصغر جاسوس عرفه التاريخ. تجنيد الطفل ظلت المخابرات تفكر في كيفية الحصول على المعلومات من خلف وداخل مواقع العدو، وكيف تحقق درجة الأمان العالية لمن يؤد هذا الغرض؟ وفي ظلمات الليل الدامس والرياح الشديدة تسلل ضابط مخابرات في ذلك الوقت ويدعى «كيلاني» إلى أرض سيناء، وكان متنكرا في زي أعرابي يتاجر في المخدرات، تحدى الضابط صعوبات الصحراء حتى وصل إلى بئر المياه، وأخذ يتناول جرعات منه، وشاهده والد الطفل صالح، وكعادة العرب ضايفه في كوخه الصغير، ودار حوار بين الضابط المتنكر في زي تاجر، وعطية والد صالح انتهى بتكوين صداقة، أراد الضابط تجنيد الأب لصالح المخابرات المصرية ولكن حدث أثناء استضافة والد صالح للضابط الذي كان حريصا في معاملاته وسلوكه حتى يتعود الأب عليه أن أقنعه أنه بانتظار عودة شحنته التجارية، وفي اليوم التالي ترك الضابط مجلس الأب عطية وأخذ يتجول حول بيته يتأمل السماء حتى وصل إلى الطفل وأخذ يداعبه حتى لا يشك الأب في سلوكه، وإثناء ذلك خطر ببال ضابط المخابرات المصرية أغرب فكرة وهي تجنيد الطفل صالح بدلا من الأب وتعليمه وتلقينه دروسا في التخابر، وكيفية الحصول على المعلومات من العدو الصهيوني، وأخذ الضابط يدرس هذه الفكرة مع نفسه خاصة أنه من الصعوبة الشك في طفل، كما أن الطفل نفسه يحمل روحا وطنية وهذا ما لاحظه الضابط، الذي ظل أياما معدودة ينفرد بالطفل بحذر شديد حتى استطاع تجنيده، وعندما اطمأن إليه وإلى قدرته على استيعاب ما طلبه منه، وقدرته على تحمل المهمة الصعبة قرر الرحيل. وبعدها اجتمع مع والد الطفل على مائدة الطعام و شكره على استضافته ثم طلب الرحيل لتأخر قافلته التجارية، وعندما ذهب ليقبل الطفل اتفقا سويا على اللقاء عند صخرة بالقرب من الشاطئ. السر في الدجاجة كان اللقاء الأول عند الصخرة لقاء عاصفا فقد تأخر الطفل عن الموعد واعتقد الضابط أن جهده قد ضاع، ولكن من وقت لآخر كانت الآمال لا تفارق الضابط في الحصول على أسرار مواقع العدو، كانت الثواني تمر كأنها سنوات مملة حتى ظهر من بعيد جسد نحيف لقد كان الطفل «صالح» الذي جاء يبرر تأخيره بأنه اختار الوقت المناسب حتى لا يلمحه أحد، كان الطفل يعرف أن مهمته صعبة، ودوره خطير، وأن حياته معلقة على أستار أي خطأ يحدث، تلقى الطفل بعض التعليمات والإرشادات التي تجعله في مأمن وذهب ليترك الضابط وحيدا شارد الفكر يفكر في وسيلة تسمح «لصالح» بأن يتجول في مواقع الإسرائيليين بحرية كاملة حتى جاء اليوم التالي لموعد اللقاء مع الطفل صالح الذي كان يحمل معه بعض البيض من إنتاج الدجاج الذي يقوم بتربيته وما أن شاهد الضابط الطفل حتى صاح وجدتها أنها الدجاجة التي ستمكنك من الدخول إلى مواقع العدو بدون معاناة أو شك فيك، إنها الدجاجة مفتاح السر لم يع الطفل شيئا، واندهش لصراخ الضابط الذي كان دائما هادئا، وجلسا على قبة الصخرة ليشرح له الفكرة التي ستكون الوسيلة لدخوله مواقع العدو والحصول على المعلومات بدون صعوبة أو شك في سلوكه. صداقات تركزت الفكرة في قيام «صالح» ببيع البيض داخل المواقع للجنود الإسرائيليين، وبالفعل تمت الفكرة بنجاح وبدأ الطفل يحقق صداقات داخل المواقع ومع الجنود لقد كان صديقا مهذبا وبائعا في نفس الوقت، وكان يبيع ثلاث بيضات مقابل علبة من اللحوم المحفوظة أو المربى، وداومت المخابرات المصرية على الاتصال به وتزويده بما يحتاج من البيض لزيارة أكبر قدر من المواقع حتى يمكن جمع المعلومات منها. وبعد شهر تقريبا بدأت مهمة الطفل في جمع المعلومات بطريقة تلقائية من خلال المشاهدة والملاحظة وبعد أشهر معدودة جذب عددا من الجنود لصداقته فكان يجمع المعلومات بطريقته البريئة من خلال الحديث معهم، كان في كل مرة يحمل مجموعة قليلة من البيض يبعها ثم يعود إلى منزله يحمل مجموعة أخرى إلى موقع آخر تعود على المكان وتعود عليه الجنود حتى أنهم كانوا يهللون فرحا حينما يظهر. ومع الأيام تكونت الصداقات واستطاع الطفل التجول بحرية شديدة داخل مواقع العدو بدون أن يحمل معه البيض كان يتعامل بتلقائية شديدة وبذكاء مرتفع لم تكن أبدا ملامحه تظهر هذا الذكاء، وظل يداعب الجنود، ويمرح معهم ويمارس الألعاب معهم، يستمع لما يقولون وكأنه لا يفهم شيئا وما أن يصل إلى الضابط حتى يروي له بالتفاصيل ما سمعه من الجنود، وما شاهده في المواقع بدون ملل. معلومات قيمة وبعد أربعة أشهر بدأ حصاد الطفل يظهر في صورة معلومات لقد استطاع أن يقدم للمخابرات المصرية ما تعجز عنه الوسائل المتقدمة، وتكنولوجيا التجسس وقتذلك. فقد نجح في التعرف على الثغرات في حقول الألغام المحيطة لأربعة مواقع مهمة بها المدافع الثقيلة بالإضافة إلى مولدات الكهرباء، ووضع خزانات المياه، وبيان تفصيلي عن غرف الضباط، وأماكن نوم الجنود وأعداد الحراسة الليلية، وكل التفاصيل الدقيقة حتى الأسلاك الشائكة، وكان يستطيع الطفل رسمها، ومع تعليمات ضابط المخابرات استطاع الطفل التمييز بين أنواع الأسلحة ظل الطفل يسرد للمخابرات ما يحدث داخل المواقع من كبيرة وصغيرة وبناء على ما تجمعه المخابرات من الطفل ترسم الخطط المستقبلية لكيفية الاستفادة القصوى من الطفل مع توفير أكبر قدر من الأمان والرعاية له. مضايقات كثيرا ما كان يتعرض الطفل أثناء احتكاكه بالجنود الصهاينة للمضايقات والشتائم وأحيانا الضرب من بعضهم لكن دون شك فيه، وكان ضابط المخابرات المصرية «كيلاني» يخفف عنه الآلام، ويبث فيه روح الصبر والبطولة وكان أصدقاؤه من الجنود الإسرائيليين أيضا يخففون عنه الآلام، وينقذونه من تحت أيدى وأقدام زملائهم، وكان من أبرز أصدقاء الطفل «صالح» ضابط يهودي من أصل يمني يدعى «جعفر درويش» من مواليد جيحانه في اليمن وكان قائداً للنقطة 158 المسماة بموقع الجباسات، ظل الطفل يتحمل مشقة المهمة حتى جاء شهر سبتمبر 1973 قبل الحرب بشهر واحد. وبعد اختباره في عملية نفذها الطفل بدقة عالية قام ضابط المخابرات المصرية بتزويد الطفل بقطع معدنية صغيرة، وتم تدريبه على كيفية وضعها في غرف قادة المواقع التي يتردد عليها وطريقة لصقها من الوجه الممغنط في الأجزاء الحديدية المختفية كقوائم الأسرة وأسقف الدواليب الحديدية، وكانت هذه العملية مملوءة بالمخاطر والمحاذير، وكان هناك تردد من قيام الطفل بها حتى لا يتعرض للمخاطرة، ولكن الطفل رغب في القيام بهذه المهمة وذهب وترك الضابط في قلق شديد. قلق وحيرة كانت تراوده الظنون التي لا تنقطع، ظل الضابط ناظرا إلى السماء لا يستطيع الجلوس في مكان حتى قاربت الشمس على المغيب فزاد القلق والحيرة والتساؤل: هل تم القبض على الطفل؟ لابد أنه يذوق ألوان العذاب الآن وما العمل؟ وكيف الخلاص إذا تم اكتشاف الطفل؟ كيف يمكن تخليصه من هذا العدو الصهيوني؟ ووسط هذه التساؤلات ظهر الطفل ليغمر وجه الضابط فرحة لا يمكن تصورها. لقد عاد بكامل صحته حاملا لعلامة النصر واستطاع إنجاز أصعب عملية في حياته ليسجل التاريخ اسمه، لقد مكنت العملية الأخيرة التي قام بها الطفل باقتدار المخابرات المصرية من الاستماع من خلال هذه القطع المعدنية التي بداخلها جهاز إرسال دقيق إلى كل ما يدور داخل حجرات القيادة من أحاديث وأوامر من كيفية التعامل مع هذه المواقع أثناء العبور، كما استطاع المصريون التعامل مباشرة أثناء المعركة مع هذه المواقع بتوجيه إنذارات إليهم للاستسلام. كل هذا ولم يكشف الضابط في زيه الإعرابي عن شخصيته للطفل وقبل الحرب بعشرين يوما وصدرت الأوامر من المخابرات المصرية بنقل الطفل وأسرته إلى القاهرة، ولم يكن الأمر سهلا خاصة فقد نقل صالح وعائلته من الصحراء إلى القناة وتم عبورهم للقناة ومنها إلى «ميت أبو الكوم» حيث كان الرئيس الراحل محمد أنور السادات في استقبالهم وبعد أيام من نصر أكتوبر أدرك الطفل صالح مدى أهمية ما قام به من أعمال خارقة ساهمت في انتصارات أكتوبر ودخل صالح مبنى المخابرات المصرية فوجد الإعرابي المهرب مرتديا زيا مدنيا لتملأ الدهشة وجه الصغير، ويقوم الضابط «كيلاني» برعايته في التعليم ويدور الزمان ليجلس الطفل مكان «الرائد كيلاني» على مقعده وفي غرفته. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 5 (permalink) |
|
| نبيل نحاس من أشهر جواسيس الموساد العرب نبيل نحاس ورحلة الموت الجميل . . أشرس جواسيس إسرائيل في مصر، ظل يمارس تجسسه وخيانته في الظل لمدة "13 عاماً" متتالية، بعيداً عن أعين جهاز المخابرات المصرية، وعند سقوطه. . أصيبت المخابرات الإسرائيلية بلطمة شديدة أفقدتها توازنها. فقد تزامن سقوطه مع سقوط جواسيس آخرين اكتشف أمرهم، وفقدت الموساد بذلك مصدراً حيوياً من مصادرها في مصر، الذين أمدوها بمعلومات غاية في الأهمية طوال هذه السنوات بلا تعب أو كلل. فقد كانت الجاسوسية عند نبيل النحاس قد وصلت إلى درجة الصقل والاحتراف، بعدما تعدت مراحلها الابتدائية الأولى، وتحولت مهنة التجسس عنده إلى أستاذية في التخفي والتمويه والبحث عن مصادر المعلومات. ووصلت درجة الثقة في معلوماته عند جهاز الموساد لمدى شاسع من الجدية والتأكيد. جونايدا روتي حوت التحقيقات التي أجريت مع العديد من الخونة بمعرفة المخابرات العربية . . سواء في مصر أو في سوريا أو العراق أسراراً مذهلة عن كيفية انتقاء الجواسيس . . فمراكز المخابرات الاسرائيلية بكافة فروعها – شأنها كشأن كافة أجهزة المخابرات الأخرى – تتخذ من النظرية القائلة بأن لدى كل إنسان نقطة ضعف.. ولكل إنسان ثمن . .نقطة انطلاق للتنقيب عن ضعاف النفوس واصطيادهم .. وتخضع عملية الإيقاع بهم والسيطرة عليهم لخطوات معقدة وشائكة. من هذا المنطلق .. أجاد رجال الموساد استخدام هذه النظرية باتساع . . دون اعتبارات للشرف أو للفضيلة . . وأخذوا يطرقون كل السبل لتجنيد عملاء لها في كل مكان. فمن كان يبحث عن المال وجد ضالته لديهم.. ومن كان يسعى وراء نزواته وشهوته قذفوا اليه بأجمل نسائهم. . ومن ضاقت به الحياة في بلده أمنوا له عملاً وهمياً يقوده في النهاية إلى مصيدة الجاسوسية، دون أن يدري. فالملاحظ. . أن "العميل" في الغالب لا يعرف أنه أصبح "عميلاً" في بداية تجنيده. . بل يكتشف ذلك بنفسه بعد انغماسه في التجسس .. وتكون شباك الجاسوسية قد كبلته وأطبقت عليه . . ولم تعد لديه أية وسيلة للفكاك. حينئذ .. كالآلة الصماء يضطر إلى العمل دون إدراك للعواقب. . والمثير في الأمر . . أن هناك بعض الجواسيس الذين سقطوا في قبضة المخابرات العربية كانوا يجهلون أنهم عملاء لإسرائيل. . وتبين لهم ذلك فقط عندما ووجهوا بالحقائق والأدلة التي تدينهم وتؤكد تورطهم. . ومن خلال اعترافات بعضهم – فتحي رزق، محمد أحمد حسن، جان ليون توماس، فؤاد محرم، سمير باسيلي. . الخ – نجد حقائق مثيرة عن كيفية اصطيادهم وتجنيدهم . . حيث يستخدم صائدوا الجواسيس كل أسلحة التأثير النفسي والمغريات المختلفة لإذابة تركيزهم واحتوائهم. . فلكل صيد "طعم" خاص به يلقى اليه . . ومن خلال قصص الجواسيس التي بين أيدينا نجد أن بينها تشابهاً كبيراً. . ولا تكاد تختلف إحداها عن الأخرى إلا من ناحية تنوع الأسماء والأماكن والمواقف. ذلك أن صائدي الجواسيس في المخابرات الاسرائيلية لهم ميزة عجيبة وصفة واحدة .. وهي أن لكل منهم أنف كلب الصيد الذي يدرك مكان الفريسة بالشم ويحدد مكانها بدقة . . إلى جانب رادار حساس في أذنيه. . يضاف إلى ذلك "الكرم" الذي يصل لدرجة البذخ أحياناً. . واتقان شديد للغة العربية وعادات شعوبها. هذه الصفات مجتمعة تؤمن للصياد أن يكتشف مكامن الضعف في الفريسة .. التي تكون على وشك الإفلاس . . أو قد تكون مصابة بانحراف جنسي . . أو تحلم بعلاقات حميمة مع ملكات الفتنة والأنوثة. هذا ما حدث بالضبط مع الجاسوس "نبيل النحاس" الذي عبد الشهوة فأغرقته وأرقته.. وبسببها كان اصطياده سهلاً .. بسيطاً. . وما أسهل تصيد عشاق الجنس وعبدة اللذة. تمتد جذور أسرته إلى "حاصبيا" في محافظة لبنان الجنوبية وتقع على نهر الحاصباني وبعد سنوات طويلة انتقلت الأسرة إلى "كفر شيما" بمنطقة الشويفات جنوبي بيروت ومن هناك إلى مصر وأقام والده بالسويس، وتزوج من فتاة مصرية أنجبت له "نبيل" عام 1936. كان الطفل يحمل ملامح والده الشامي الأشقر وعذوبة أمه المصرية. . وتميز منذ الصغر بذكاء شديد يفوق أقرانه .. فتنبأ له الجميع بمستقبل مضمون ونجاح أكيد. . وتلاحقت السنون سراعاً ونجح نبيل النحاس في الثانوية العامة والتحق بجامعة القاهرة طالباً بكلية التجارة. . وبخطوات واثقة شق طريقه نحو الحياة العملية بعد تخرجه متفوقاً. . تراوده طموحات لا حدود لها. . ولم يطل به الانتظار طويلاً . . إذ سرعان ما عمل سكرتيراً في منظمة الشعوب الأفرو آسيوية التي كان يرأسها الأديب يوسف السباعي . . وكان عمله كتابة محاضر الجلسات والمؤتمرات على الآلة الكاتبة. ومن خلال وظيفته وموقعه.. توسعت علاقاته وتشبعت .. وتبلورت شخصيته الجديدة التي نضجت مع ملاحة ورجولة تلفت انتباه الحسان .. وتجعل منه مأملاً لهن . . فأحطنه بدلالهن ليقطف منهن من يشاء .. وبمرور الشهور استشعر نبيل النحاس ضآلة راتبه الذي تعدى المائة جنيه .. في ذات الوقت الذي كان فيه راتب زميله في مكان آخر لا يتعدى الخمسة عشر جنيهاً في ذلك الوقت عام 1959. . فعمله المرموق كان يتطلب مظهراً حسناً وملابس أنيقة تتناسب ومكانته .. إلى جانب حاجته للإنفاق على معيشته وعلى علاقاته النسائية وملذاته.. خاصة .. وقد ارتبط بعلاقة حميمة بفتاة أفريقية من كوناكري في غينيا . . فانجرف معها إلى محيطات المتعة يجدف بلا كلل. كان اسمها "جونايدا روتي" .. خيزرانية القوام أبنوسية اللون رائعة الخلقة .. تعمل مراسلة صحفية لعدة صحف أفريقية وعالمية. استطاعت جونايدا أن تمتلك عقله وتنسيه أية امرأة سواها. . فأغدق عليها بالهدايا حتى تعثرت أحواله المالية .. فوجد الحل لديها لإنقاذه من تعثره عندما عرضت عليه أن يطلب إجازة من عمله بالمنظمة .. والانضمام إلى إحدى وكالات الأنباء العالمية كمراسل مقابل راتب كبير مغر.. وكانت أولى المهام التي أوكلت إليه السفر إلى منطقة الصحراء المغربية "ريودي أورو" ومن "فيلاشيز نيروس" و "العيون" يستطيع أن ينقل أخبار الصراع السري الدائر بين المملكة المغربية وموريتانيا . . صراع النفوذ على المنطقة المحصورة بينهما. كانت سعادته بالمهمة الجديدة عظيمة .. حيث ستتاح له فرصة اللحاق بالساحرة الأفريقية – جونايدا – التي سبقته إلى كوناكري. . وطار النحاس إلى الدار البيضاء تحفه أحلام المغامرة والثقة في الغد. الطريق المختصر هناك – في الدار البيضاء – كانت بانتظاره مفاجأة بدلت مجرى حياته كلها .. إذ تعرف إليه في بهو الفندق رجل مغربي .. يهودي .. عرف منه وجهته .. فعرض عليه مساعدته لدخول ريودي أورو عن طريق أعوان له في "سيدي أفني" أقصى جنوب المغرب .. وكيفية اجتياز "وادي درعة" للوصول إلى الحدود. سر نبيل النحاس للصدفة الجميلة التي ما توقعها.. واحتفاء بالمراسل الصحفي الوسيم .. أعد له المضيف وليمة غداء بمنزله في "أزمور" الساحرة. . التي تقع على نهر "أم الربيع" وتشرف على ساحل المحيط الأطلنطي. وفي منزل تحيطه الحدائق والزهور في بانوراما طبيعية رائعة .. كانت تنتظره المفاجأة .. إنها "مليكة" اليهودية المغربية التي تستحوذ على جمال فتان لم تره عين من قبل . . كانت في الواحدة والعشرين من عمرها .. إذا خطت . . تحركت الفتنة وترجرجت تحت ثيابها . . وإذا تأودت . . أغرقت الدنيا بهاء وحسناً. . وإذا تحدثت .. تموجت الأنغام سكرى على شفتيها. . وأربكت حدود العقل وأركانه. أذهل جمالها المراسل الصحفي الجديد فنسي مهمته في الجنوب .. وذابت جونايدا إلى القاع أمام سحر مليكة .. فقد أفقدته "حسناء أزمور" الوعي والرشاد .. وطيرت عقله إلى سفوح المتعة. . فأقبل يلعق عناقيد الفتنة بين يديها . . ويتعبد منتشياً في محرابها مسلوب القرار .. فعندما يخوص الجسد بحار النشوة .. يغوس متلذذاً بالغرق لا يرجو خلاصاً من الموت الجميل. الأيام تمر وفتانا نسي مهمته.. وقبع كطفل غرير بين أحضان مليكة التي أحكمت شباكها حوله وسيطرت على مجامع حواسه .. وحولته إلى خادم يلبي طائعاً رغباتها.. وينقاد لرأيها ..دون أن يشك ولو للحظة في كونها يهودية تسعى لاصطياده في خطة محبوكة ماهرة أعدتها جونايدا سلفاً في القاهرة. وبعدما فرغت جيوبه . . أفاق على موقفه السيء بلا نقود في بلاد الغربة .. وتمنى لو انه كان يملك الملايين ليظل إلى جانب مليكة لا يفارقها أبداً. . ولما قرأت فتاته أفكاره .. طمأنته . . وعرضت عليه السفر معها إلى باريس حيث الحرية والعمل والثراء .. وبلا وعي وافقها .. ورافقها إلى عاصمة النور والجمال ومأوى الجواسيس .. وهناك لم يفق أو ينتبه إلى حقيقة وجوده بين فكي كماشة ستؤلمه عضاتها حتماً ذات يوم. . ولما أيقنت أنه سقط في براثنها بلا قوة تؤازره وتدفعه لمقاومتها. . نبهته – بالتلميح – إلى ضرورة إدراك حقيقة لا بد أن يعيها .. وهي أنها يهودية تدين بالولاء لإسرائيل حتى وإن كانت مغربية المولد .. ولغتها عربية فرنسية. . وعندما استقرأ المراسل الصحفي مستقبله معها . . كانت الصورة أمامه مهتزة .. إذ خلقت منه أصابع مليكة الناعمة طفلاً لا يعي .. وأبلهاً لا يقرر .. وأعمى لا يرى تحت قدميه. أقام معها في شقة رائعة .. وكانت تنفق عليه بتوفير فرصة عمل له من خلال أصدقائها في باريس. . واستدعت من أعماقه كل جوانب ضعفه وجنونه . . واستدرجته للحديث في السياسة فأفاض بغزارة .. وأسر إليها بما لديه من معلومات عن المنظمة الأفرو آسيوية . . وعن أشخاص بعينهم يمثلون رموزاً هامة في المجتمع الدولي .. وحدثها عن علاقاته بكبار المسؤولين في مصر .. وكانت كل تلك الأحاديث مسجلة بالصوت والصورة .. إلى جانب تسجيلات أخرى أثناء استعراضه لفحولته عارياً بين أحضان عميلة الموساد. كان "باسكينر" ضابط الموساد يراقب كل شيء . . ويدرس شخصية نبيل النحاس باستفاضة . . ولما حانت الفرصة المناسبة .. عرفته مليكة بفتاها .. وقدمته اليه على أنه رجل أعمال إسرائيلي يدير شركة كبرى للشحن الجوي تمتد فروعها في كل القارات .. وكان رد الفعل عند المراسل الصحفي يكاد يكون طبيعياً. . فهو يسعى إلى المال أينما وجد .. وسواء تحصل عليه من يهودي أو هندوسي فلا فرق .. المهم هو الكم. استخلص الضابط المحنك حقيقة مؤداها أن الشاب المصري يريد المال ومليكا معاً. . فتولى أمره . . وتعهده ليصنع منه جاسوساً ملماً بفنون الجاسوسية.. وكانت المناقشات بينهما تبدو طبيعية لا غبار عليها .. ثم تطرق باسكينر شيئاً فشيئاً إلى هويته. . وموقف العرب من إسرائيل. . واتجاهات الدبلوماسية العربية إزاء الوجود الإسرائيلي في المنطقة. . في أحاديثه أيضاً تطرق إلى عمليات الموساد الخارقة في البلاد العربية .. وكيف أنها تدفع بسخاء إلى عملائها . . وتحرص على حمايتهم إذا انكشف أحدهم .. ونوّه – من بعيد – عن التسجيلات الصوتية والأفلام التي بحوزتهم . . والأسرار التي تحويها هذه الشرائط، وأنها قد تهلك أصحابها إذا ما وقعت في أيدي المخابرات العربية. لم يكن نبيل النحاس غبياً بالدرجة التي تجعله يجهل ما يرمي إليه باسكينر . . أو يتجاهله .. إذ استوعب نواياه ومقصده . . وكان تعليقه الوحيد أنه شخصياً يتعاطف مع إسرائيل .. وأن تعاطفه هذا عن قناعة تبلورت من خلال قراءاته في تاريخ اليهود. بذلك . . اختصر نبيل النحاس الطريق الطويل أمام باسكينر .. وخطا أولى خطواته الفعلية على درب الخيانة .. والخسة. . أبقى باسكينر مليكا إلى جوار الجاسوس الجديد. . فوجودها مهم للغاية في تلك المرحلة الأولى من الإعداد والتدريب .. ذلك لأن خضوعه كان مرهوناً بوجودها .. إلى جانب آلاف الدولارات التي ملأت جيوبه فأسكرته . . وأنسته عروبته. . فقد كانت تمنحه النعيم ليلاً بينما يدربه باسكينر وزملاؤه نهاراً. . كانت أولى دروس الخيانة هي كيفية استدراج ذوي المراكز الحساسة للحديث في أمور يصعب تناولها . . وتتعلق بأسرار الدولة .. واستغلال حفلات الخمر والجنس في الوصول إلى أسرار غاية في الأهمية .. إلى جانب ضرورة تزويد الموساد بنسخة طبق الأصل من محاضر مؤتمرات المنظمة الأفرو آسيوية التي سيعود لعلمه بها من جديد. علموه أيضاً كيفية قراءة التقارير والأوراق بالمقلوب على مكاتب المسؤولين الكبار عند زياراته لهم . . واختزان الصور والرسوم والمعلومات التي يطلع عليها بذاكرته .. ثم يقوم بتسجيلها كتابة بعد ذلك . . وكيفية مراقبة المواقع العسكرية على الطريق ما بين القاهرة والسويس وكتابة تقارير وافية عن مشاهداته وإن كانت تافهة .. ويقوم بإرسالها – بواسطة الحبر السري – إلى أحد العناوين في باريس – مقر الموساد المختص بجواسيس الشرق الأوسط – الذي يقوم بتجميع الأخبار والتقارير التي تفد إليه من قبرص وأثينا وبروكسل وروما فيرسلها بدوره إلى تل أبيب. أهلاً بك في وطنك ابتدأ النشاط التجسسي الفعلي لنبيل النحاس في منتصف عام 1960 .. فقد عاد إلى عمله بالمنظمة .. وكانت وظيفته ساتر طبيعي يختفي خلفه .. ولا يثير أية شبهات من حوله.. واستطاع من خلال علاقاته الهامة استخلاص معلومات لا يتوقف سيلها. . كانت تصل إلى المخابرات الاسرائيلية أولاً بأول .. وبالتالي .. يتحصل على مقابل مادي ضخم يتسلمه في القاهرة بطرق ملتوية عديدة.. وبعد عامين تقريباً. . استدعى إلى باريس في مهمة عاجلة .. حيث كان بانتظاره باسكينر .. الذي عهد به إلى ضابط إسرائيلي آخر استطاع تدريبه على كيفية ترويج الإشاعات .. والتأثير سلبياً على الرأي العام من خلال تجمعات الأوساط المختلفة في مصر، ولقنع الكثير من أساليب الحرب النفسية والتأثير السيكولوجي، اعتماداً على لياقته ومقدرته الفذة على الإقناع، إلى جانب ترسيخ فكرة الخوف من الإسرائيليين لدى المحيطين به، واستبيان آرائهم تجاه العدو وقدرات الجيوش العربية على مواجهته. وبعد مرور عدة سنوات – كان نبيل النحاس من أنشط جواسيس إسرائيل في مصر. لقد نسي مليكا، ولم يعد يعرف لها وجهاً بعدما أدت مهمتها خير قيام. بينما انشغل هو بجمع أموال الموساد التي هيأت له فرص التعرف بالكثيرات غيرها، فالأموال طائلة والوثائق الهامة تقيم، والنساء على كل الألوان. وفي مرحلة أخرى من مراحل صناعة الجواسيس المحترفين – أعد له برنامج تدريبي أكثر خطورة في بيروت، إذ تم إخضاعه لدورة تدريبية بواسطة خبير متفجرات عميل للموساد، فتعلم كيفية صنع المتفجرات، وتفخيخ الرسائل والطرود والتخفي والتمويه والهرب والتنكر. لقد أرادوا أن يخلقوا منه جاسوساً فاعلاً وخبيراً في الأعمال الإرهابية والتدمير في مصر. وكان الخائن أشد قابلية للتشكل والتمحور وتنفيذ مخططات العدو ولو بقتل الأبرياء، وبعدما فرت من أعماقه دلائل العروبة، وسرت بشرايينه دماء تحوي كرات الخيانة بكل الصور. لذلك .. تعاون بإخلاص مع الموساد في تهديد الخبراء الألمان، الذين يعملون في المصانع الحربية المصرية لإنتاج الصواريخ والأسلحة المتطورة .. بتوجيه الرسائل المتفجرة إلى بعضهم، بالاشتراك ضمناً مع "يوهان وولفجانج لوتز" عميل الموساد الشهير في القاهرة الذي ألقى القبض عليه في فبراير 1965 ولم يجر إعدامه. وبرغم عدم اكتشاف أمره – إلا أن نبيل النحاس لم يتوقف بعد سقوط لوتز، واحتل مرتبة الصدارة لدى المخابرات الإسرائيلية في المنطقة. وقام بدور حيوي في نقل أسرار عسكرية وحيوية إلى إسرائيل قبل نكسة يونيو 1967 . . ساعدت العدو على اجتياح الأراضي المصرية واحتلال سيناء. واعتبر نبيل النحاس نجاح إسرائيل في هزيمة العرب نتاج تعاونه معهم وإمدادهم بوثائق خطيرة وتقارير تشكل الصورة الواقعية للعسكرية المصرية . وفي عام 1968 أفرجت مصر عن "لوتز" في صفقة مع إسرائيل للإفراج عن عدد كبير من أسرى الحرب لديها. وأحس نبيل بالزهو، فالصفقة منحته قدراً هائلاً من الثقة في مخابرات إسرائيل التي لا تترك جواسيسها وعملاءها نهباً للقلق، إذ تسعى لمبادلتهم وبأي ثمن حماية للجواسيس الآخرين الذين يعملون في الخفاء، ويتملكهم الرعب عند سقوط أحدهم في قبضة المخابرات العربية. لقد اطمأن أخيراً على مستقبله في حالة سقوطه، فسوف تتم مبادلته هو الآخر ليعيش بقية حياته في إحدى الفيلات الرائعة بإسرائيل، ينعم بالأمن وبالأموال الكثيرة. هذا الهاجس الذي عاشه، جعل منه خائناً خطيراً لا يتورع عن بيع أي شيء ذي أهمية لإسرائيل. . وكانت زيارته إلى تل أبيب حلماً يراوده، وأملاً ينشده. لقد أراد أن يرى إسرائيل من الداخل ويتجول بين مدنها ويتخير لنفسه بيتاً نماسباً قد يسكنه ذات يوم. وأعدوا له برنامجاً مشحوناً ينتظره قبل زيارته لإسرائيل بعدة أسابيع، وأثناء تواجده في أثينا. . كانت خطة سفره قد اكتملت. ففي غفلة عن الأنظار اختفى نبيل فجأة من فندق "بوزايدون". . وفي المطار كان ثمة رجل أشقر تغطي وجهه نظارة سوداء، ويرتدي معطفاً ترتفع ياقته لتخفي بقية وجهه، يحمل جواز سفر إسرائيلياً باسم "شاؤول ياريف" ولا يتحدث مع أحد. خطواته الواثقة قادته إلى السيارة التي أقلته حتى طائرة العال الإسرائيلية الرابضة على الممر، وعن قرب كان يتبعه رجل آخر لا يبدو أنه يعرفه.. إنه باسكينر ضابط الموساد الذي خلق منه جاسوساً محترفاً، وفي مطار بن جوريون كانت تنتظره سيارة ليموزين سوداء ذات ستائر، سرعان ما دلف اليها .. فأقلته إلى مكان لا يعرفه سوى قلة من ضباط الموساد الذين استقبلوه بحفاوة بالغة. وفي مكتب "زيفي زامير" رئيس الموساد الجديد كان اللقاء أكثر حرارة، إذ ترك زامير مكتبه وجلس قبالته يتأمل وجهه العربي الصديق، وعرض عليه خدمات المواد فاختار الخائن أولاً أن يلتقي بالسيدة جولدا مائير، فصحبه إلى هناك حيث اصطف أكثر من خمسة وعشرين جنرالاً إسرائيلياً لتحيته، واحتضنه أحدهم قائلاً له "أهلاً بك في وطنك إسرائيل" وصافحته جلدا مائير بحرارة، وأمرت بتلبية كل مطالبه ولو كانت مستحيلة. وقالت لزامير: "شكراً على هديتك الرائعة التي جلبتها لإسرائيل" وعلق الخائن قائلاً: Øلم أكن أحلم قبل اليوم بأكثر مما أنا فيه الآن. أشعر أنني بين أهلي، ويكفيني هذا الشعور سيدتي. وأمرت له رئيسة الوزراء بمكافأة خاصة وقدرها خمسة وعشرين ألف دولار من مكتبها، بخلاف ما سيحصل عليه من أموال المواد. . وفي الفيلا التي نزل بها كانت مفاجأة مدهشة .. إنها مليكة .. أجمل النساء اللاتي أسكرنه ، والعميلة المحترفة التي أوقعت به صيداً سهلاً في شرك الجاسوسية لصالح الموساد. فجددت معه ذكرى الأيام الخوالي .. وأغدقت عليه من نبع أنوثتها شلالات من المتعة تمنحها له هذه المرة ليس بقصد تجنيده كما حدث في المغرب، بل لتكافئه على إخلاصه لإسرائيل. لم تكن هناك فروق بين إحساس المتعة في الحالتين. فمليكا أنثى مدربة تعرف كيف تغرقه في بحورها. . وكلما أرادت إنتشاله جذبها مرات ومرات. فما أحلى الغرق في بحور فاتنة مثيرة، وما ألذه من موت جميل !! ستة عشرة يوماً بين ربوع إسرائيل زائراً عزيزاً، عاد بعدها نبيل النحاس إلى أثينا بآلاف الدولارات التي كوفئ بها من إسرائيل.. والتي زادته شراهة في الخيانة، وعبقرية في جلب المعلومات. . فالمنطقة العربية تغلي كبركان على وشك الفوران والثورة .. والشعب العربي هديره مطالباً بالثأر يصم الأذان، وحالة ترقب في إسرائيل وانتظار لصحوة المارد العربي . . الذي سقط يتلوى يبغي الوقوف والصمود. بكاء الذليل كانت المهمة بالنسبة لنبيل أشد صعوبة برغم سنوات الخيانة والخبرة، وبرغم احتضان مصر له لم يحفظ لها الجميل بعدما تعهدته طفلاً، ونشأته صبياً، وعلمته شاباً، ونخرت الخيانة عظامه كالسوس يسعى لا علاج له سوى الهلاك والفناء. فبارد على الفور في استكشاف النوايا تجاه إسرائيل، ونشط في جمع أدق المعلومات عن تسليح الجيش، والمعدات الحديثة التي تصل سراً من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وانغمس في ملذاته بصحبة فتيات الليل، يجلب لهن بعض المناصب والعارفين بالأمور العسكرية. ومن خلال حفلات المجون كانت المعلومات تتناثر هنا وهناك، فيلتقطها بعقل واع يقظ ويدونها، ويبعث بها في الحال إلى مكتب المواد في جنيف. وعندما تلقى رسالة مشفرة من رؤسائه تطلب منه معلومات مركزة عن حركة ميناء الإسكندرية، لم يتأخر في تنفيذ الأمر، وأسرع إلى الإسكندرية للقاء صديق له يعمل في شركة تمارس نشاطات بحرية، وأغدق عليه بالهدايا الثمينة . . فانتبه صديقه لذلك وتساءل مع نفسه "لماذا"؟ وادعى جهله بأمور تجري بالميناء الحيوي .. فوجد إلحاحاً من الخائن يطلب منه تزويده بما يخفى عنه .. بحجة عمله كمراسل لوكالة أنباء دولية. لم يكن نبيل يدرك مطلقاً أن صديقه قد انتابته الشكوك .. فبادر على الفور بإبلاغ المخابرات المصرية ووضع العميل تحت المراقبة الشديدة. وبعد نصر أكتوبر 1973 صدم الخائن لهزيمة إسرائيل. وفي روما عنفه ضابط المواد واتهمه بالإهمال الجسيم الذي أدى لهزيمتهم الساحقة أمام العرب. وأقسم له الخائن أنه لن يقصر، ولكن الضابط كان ثائراً ولم يستطع أن يخفي انفعاله وغضبه. تخوف نبيل من فكرة الاستغناء عن خدماته للموساد.. لذلك عاد إلى مصر في الرابع عشر من نوفمبر 1973 حانقاً، وبداخله تصميم قوي على "تعويض" هزيمة إسرائيل، وتملكه بالفعل اعتقاد بأنه أهمل في عمله ولم يكن دقيقاً في نقل نوايا المصريين.. وبنشاط مجنون أخذ يبحث عن مصادر لمعلومات وإجابات يحمل أسئلتها. وفي غمرة جنون البحث .. كانت المخابرات المصرية تلاصقه كظله وتريد ضبطه متلبساً بالتجسس. وفي 24 نوفمبر 1973 – بعد عشرة أيام من عودته من روما – اقتحمت المخابرات المصرية شقته في القاهرة، وضبطت أدوات التجسس كاملة، فلم يستطع الإنكار وإنهار باكياً أمام المحققين. . وأدلى باعترافات تفصيلية ملأت مئات الصفحات، وهو لا يصدق أنه سقط بعد 13 عاماً كاملة في مهنة التجسس التي أجادها واحترفها. وقدم إلى المحكمة العسكرية وظل لآخر لحظة ينتظر المفاجأة .. مفاجأة مبادلته والعودة إلى "وطنه إسرائيل". لكن خاب ظنه وقتل أمله . . فالجيش المصري كان هو الغالب المنتصر في أكتوبر 1973 .. والأسرى كانوا هذه المرة جنوداً إسرائيليين، وليس هناك أمل لمبادلته على الإطلاق. لقد كانت إسرائيل في محنة ما بعدها محنة. ولا وقت هناك للتفكير في إنقاذ خائن باع وطنه رخيصاً، بحفنة من الدولارات، وبآهات غانية تتلوى بين أحضانه. . وكمثل جواسيس خونة آخرين اكتشف أمرهم. . أنكرت إسرائيل معرفتها به، وتجاهلته ليموت ذليلاً لا ينفعه بكاء الندم .. أو تقيه أموال الموساد من حبل المشنقة.. !!. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 6 (permalink) |
|
| فضيحة لافون أحد أشهر عمليات المخابرات على المستوى المصري – الإسرائيلي وربما على المستوى العالمي أيضا، جرت العملية في أوائل الخمسينيات في مصر بعد قيام ثورة يوليو 1952، يطلق عليها أيضا "فضيحة لافون" في إشارة إلى بنحاس لافون وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق غير أن الإسم الحقيقي للعملية هو "سوزانا". تم التخطيط للعملية بحيث يقوم مجموعة من الشباب الإسرائيلي المدرب بتخريب بعض المنشأت الأمريكية الموجودة في مصر بهدف زعزعة الأمن المصري وتوتير الأوضاع بين مصر والولايات المتحدة. الخلفية السياسية لوضع اسرائيل عام 1954 كان بن جوريون أحد أشهر الشخصيات الإسرائيلية وزيرا للدفاع ورئيسا للوزراء وفي هذا العام أستقال بن جوريون من رئاسة الوزارة ووزارة الدفاع، وتوجه الى الاستيطان في كيبوتس (مستوطنة) سد بوكر في النقب. وجاء بدلا منه موشي شاريت في رئاسة الوزراء وبنحاس لافون في وزارة الدفاع، في الوقت الذي أصبح وضع اسرائيل دوليا في منتهى التعقيد، فالاتحاد السوفييتي أصبح دولة عظمى معادية، وبريطانيا على وشك سحب قواتها المرابطة في منطقة السويس، والادارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس ايزنهاور تنكرت جزئيا لاسرائيل، على أمل فتح قنوات جديدة مع النظام المصري بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. وكان الإعتقاد السائد لدى إسرائيل في هذا الوقت هو أن الدول العربية لن تلبث أن تعمل على الانتقام لكرامتها المهدورة في حرب 1948، وستستعد لحرب جديدة ضد اسرائيل، ولذلك فمن الأفضل توجيه ضربة وقائية لمصر قبل أن تتسلح بالعدة والعتاد. وبناء على هذا الإعتقاد وضعت المخابرات العسكرية في الجيش الاسرائيلي – وهي المختصة بتفعيل شباب اليهود - خطة للتخريب والتجسس في مصر تقوم باعتداءات على دور السينما والمؤسسات العامة، وبعض المؤسسات الأمريكية والبريطانية، وكان الأمل معقودا على أن تؤدي هذه الأعمال الى توتر العلاقات المصرية الأمريكية، وعدول بريطانيا عن اجلاء قواتها من السويس. وبالفعل تم تشكيل المجموعة وأطلق عليها الرمز (131) وتم تعيين المقدم موردخاي بن تسور مسؤولا عن الوحدة عام 1951، وكان بن تسور هو صاحب فكرة انشاء شبكات تجسس في مصر، ولذلك قام بتجنيد الرائد "أبراهام دار" الذى ارتحل على الفور إلى مصر ودخلها بجواز سفر لرجل أعمال بريطاني يحمل اسم "جون دارلينج". فضيحة لافون (عملية سوزانا2) بداية العملية: عبر اللاسلكي أرسل إلى الخلية في مصر برقية توضح أسلوب العمل كالتالي: أولا: العمل فورا على الحيلولة دون التوصل إلى إتفاقية مصرية بريطانية. الأهداف: المراكز الثقافية والإعلامية 1.المؤسسات الإقتصادية 2.سيارات الممثلين الدبلوماسيين البريطانيين وغيرهم من الرعايا الإنكلبز. 3.أي هدف يؤدي تدميره إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا ثانيا: أحيطونا علما بإمكانيات العمل في منطقة القناة. ثالثا: استمعوا إلينا في الساعة السابعة من كل يوم على موجه طولها (g) لتلقي التعليمات... وفيما بعد أتضح أن الموجه (g) هي موجة راديو إسرائيل وأن السابعة هي الساعة السابعة صباحا وهو موعد برنامج منزلي يومي كانت المعلومات تصل عبره يوميا إلى الشبكة .. وعندما أذاع البرنامج طريقة "الكيك الإنجليزي" كانت هذه هي الإشارة لبدء العملية..!!. وفي يوم الأربعاء الثاني من يوليو 1954، أنفجرت فجأة ثلاثة صناديق في مبنى البريد الرئيسي في الاسكندرية ملحقين أضراراً طفيفة وعثرت السلطات المصرية على بعد الأدلة عبارة عن: علبة اسطوانية الشكل لنوع من المنظفات الصناعية كان شائعا في هذا الوقت أسمه "فيم". جراب نظارة يحمل أسم محل شهير في الإسكندرية يملكه أجنبي يدعي "مارون أياك". وكان من تولى التحقيقات هو الصاغ ممدوح سالم وزير الداخلية فيما بعد ثم رئيس الوزراء ثم مساعد رئيس الجمهورية! وبعد الفحص تبين أن العلبة الإسطوانية كانت تحتوى على مواد كيميائية وقطع صغيرة من الفوسفور الأحمر، ولأن الخسائر لم تكن بالضخامة الكافية فقد تجاهلت الصحافة المصرية الموضوع برمته. وفي الرابع عشر من يوليو انفجرت قنبلة في المركز الثقافي الأمريكي (وكالة الإستعلامات الأمريكية) في الاسكندرية. وعثر في بقايا الحريق على جراب نظارة مماثل لذلك الذى عثر عليه في الحادث الأول، غير أن السلطات المصرية رأت أن الشبهات تنحصر حول الشيوعيين والأخوان المسلمين. وبرغم أن الصحافة لم تتجاهل الموضوع هذه المرة لكنها أشارت إلى الحريق بإعتباره ناتج عن "ماس كهربائي"!. وفي مساء اليوم نفسه أنفجرت قنبلة آخرى في المركز الثقافي الأمريكي بالقاهرة وعثر على جرابين من نفس النوع يحتويان على بقايا مواد كيميائية. وفي الثالث والعشرين من يوليو (الذكرى السنوية الثانية للثورة) كان من المفترض وضع متفجرات في محطة القطارات ومسرح ريفولي بالقاهرة وداري السينما (مترو وريو) في الاسكندرية، غير أن سوء الحظ لعب دوره وأشتعلت إحدى المتفجرات في جيب العميل المكلف بوضع المتفجرات بدار سينما ريو فأنقذه المارة ولسوء حظه تواجد رجل شرطة في المكان تشكك في تصرفاته فاصطحبه إلى المستشفى بدعوى إسعافه من أثار الحريق وهناك قال الأطباء أن جسم الشاب ملطخ بمسحوق فضي لامع وأن ثمة مسحوق مشابه في جراب نظاره يحمله في يده ورجح الأطباء أن يكون الاشتعال ناتج عن تفاعل كيميائي. وبتفتيش الشاب عثر معه على قنبلة آخرى عليها أسم "مارون أياك" صاحب محل النظارات. وتم إعتقاله، وقال أن أسمه فيليب ناتاسون يهودي الديانه وعمره 21 عام وجنسيته غير معروفه، وأعترف بأنه عضو في منظمة إرهابية هي المسئولة عن الحرائق. وعثر في منزله على مصنع صغير للمفرقعات ومواد كيميائيه سريعة الإشتعال وقنابل حارقة جاهزة للإستخدام وأوراق تشرح طريقة صنع القنابل. وبناء على أعترافات ناتاسون تم القبض على كل من: فيكتور موين ليفي مصري الجنسية يهودي الديانة يبلغ من العمر 21 عام مهندس زراعي. روبير نسيم داسا مصري المولد يهودي الديانة يبلغ من العمر 21 عاما يعمل في التجارة. وأمام المحققين أصر الثلاثة على أنهم يعملون بشكل فردي دون محرضين أو ممولين، أم الأسباب فهي "حبهم لمصر ومساهمة في قضيتها الوطنية ولكي يعرف الإنجليز والأمريكان أنهم سيخرجون من مصر بالقوة والإرهاب!!". وحينما سؤلوا: لماذا أحرقتم مبنى البريد وهو ملك المصريين .. لم يجدوا جوابا! وقبل أن تنتهى التحقيقات جاء تقرير للمعمل الجنائي يثبت العثور على شرائح ميكروفيلم في منزل فيليب ناتاسون، وثبت فيما بعد أن هذه الشرائح دخلت مصر قادمة من باريس بالتتابع بأن لصقت على ظهور طوابع البريد! ولأن الميكروفيلم كان أعجوبة هذا العصر وكان قاصرا فقط على أجهزة المخابرات وشبكات التجسس فقد بدأت شبهة التجسس تحوم حول العملية. وبعد تكبير الشرائح، بوسائل بدائية، أتضح أنها تحتوى على سبع وثائق عن تركيب وأستعمال القنابل الحارقة إضافة إلى شفرة لاسلكي وأشياء آخرى. فضيحة لافون (عملية سوزانا3) وبمواصلة التحريات تم القبض على: صمويل باخور عازار يهودي الديانة يبلغ من العمر 24 عام مهندس وهو مؤسس خلية الإسكندرية وزعيمها لبعض الوقت قبل أن يتنازل عن الزعامة لفيكتور ليفي الذي يفوقه تدريبا. ومن أعترافات عازار وصلت السلطات إلى ماير موحاس ذو الأصل البولندي وهو يهودي الجنسية عمره 22 عام يعمل كوسيط تجاري (مندوب مبيعات). وكان أخطر ما أعترف به موحاس هو إشارته إلى جون دغرايغ أو ابراهام دار الذى اتضح فيما بعد أنه قائد الشبكة ومؤسس فرعيها بالقاهرة والإسكندرية وأحد أخطر رجال المخابرات الإسرائيلية في ذلك الوقت. كما كشف ميوحاس عن الطبيب اليهودي موسى ليتو وهو طبيب جراح وهو مسؤول فرع القاهرة، وتم القبض عليه ومن أعترفاته تم القبض على فيكتورين نينو الشهيرة بمارسيل وماكس بينيت وإيلي جاكوب ويوسف زعفران وسيزار يوسف كوهين وإيلي كوهين الجاسوس الشهير الذى أفرج عنه فيما بعد. وأعدت النيابة قرار الإتهام كالتالي: 1.إبراهام دار (جون دارلينج) ضابط بالمخابرات الإسرائيلية – هارب – مؤسس التنظيم. 2.بول فرانك – هارب – المشرف على التنظيم. 3.ماكس بينيت حلقة الإتصال بين الخارج والداخل. 4.صمويل عازار مدرس بهندسة الإسكندرية مسؤول خلية الإسكندرية في البداية. 5.فيكتور مويز ليفي مسؤول خلية الإسكندرية عند القبض عليه. 6.د. موسى ليتو مرزوق طبيب بالمستشفى الاسرائيلي مسؤول خلية القاهرة. 7.فيكتورين نينو الشهيرة بمارسيل مسؤولة الاتصال بين خلايا التنظيم. 8.ماير ميوحاس مسؤول التمويل في خلية الاسكندرية. 9.فيليب هرمان ناتاسون عضو. 10.روبير نسيم داسا عضو. 11.إيلي جاكوب نعيم عضو. 12.يوسف زعفران عضو. 13.سيزار يوسف كوهين عضو. بعد الفضيحة في أعقاب سقوط الشبكة في مصر وما صاحبها من دوي عالمي أصدر موشي ديان رئيس الأركان في ذلك الوقت قرارا بعزل مردخاي بن تسور من قيادة الوحدة 131 وتعيين يوسي هارئيل بدلا منه فما كان من الأخير الا أن اتخذ أحد أكثر القرارات غرابة في تاريخ المخابرات بأن استدعى جميع العملاء في البلاد العربية وأوقف جميع النشاطات. المحاكمة: في الحادي عشر من ديسمبر عام 1954 جرت محاكمة أفراد الشبكة في محكمة القاهرة العسكرية التي أصدرت أحكامها كالتالي: الإعدام شنقا لموسى ليتو مرزوق وصمويل بخور عازار (تم تنفيذ الحكم في 31 يناير 1955). الأشغال الشاقة المؤبدة لفيكتور ليفي وفيليب هرمان ناتاسون. الأشغال الشاقة لمدة 15 سنة لفيكتورين نينو وروبير نسيم داسا. الأشغال الشاقة لمدة 7 سنوات لماير يوسف زعفران وماير صمويل ميوحاس. براءة إيلي جاكوب نعيم وسيزار يوسف كوهين. مصادرة أجهزة اللاسلكي والأموال وسياراة ماكس بينيت. وتجاهل الحكم ماكس بينت لأنه كان قد أنتحر في السجن!، وأعيدت جثته لاسرائيل بعد ذلك بأعوام. فضيحة لافون (عملية سوزانا4) في أعقاب المحاكمة حاولت إسرائيل استرضاء مصر للإفراج عن التنظيم بعد أن وصل الشارع الإسرائيلي الى مرحلة الغليان، والعجيب أن الولايات المتحدة وبريطانيا اشتركتا في هذا الطلب فقد بعث الرئيس الأمريكي ايزنهاور برسالة شخصية الى الرئيس عبد الناصر يطلب الإفراج عن المحتجزين "لدوافع إنسانية" وبعث أنتوني إيدن وونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني ومسؤولين فرنسيين بخطابات وطلبات مماثلة غير أنها جميعا قُوبلت بالرفض المطلق. وقالت وكالة الأنباء الإسرائيلية وقتها أن "هذا الرفض يعد صفعة على أقفية حكام الغرب ويدل على أن مصر تمضي في طريقها غير عابئة بغير مصلحتها". وفي 31 يناير 1955 تم تنفيذ حكمي الإعدام في موسى ليتو مرزوق (دُفن بمقابر اليهود بالبساتين) وصمويل بخور عازار (دُفن بمقابر اليهود بالإسكندرية) وعلى الفور أعلنهما موشي شاريت "شهداء".. ووقف أعضاء الكنيست حددا على وفاتهما وأعلن في اليوم التالي الحداد الرسمي ونكست الأعلام الإسرائيلية وخرجت الصحف بدون ألوان وأطلق أسما الجاسوسين على شوارع بئر سبع. وأستمرت الفضيحة في إسرائيل.. فقد أتضح أن موشي شاريت رئيس الوزراء لم يكن على علم بالعملية على الإطلاق!، وكان لابد من كبش فداء وأتجهت الأنظار الى بنحاس لافون وزير الدفاع الذى أنكر معرفته بأى عملية تحمل أسم "سوزانا"! .. وتم التحقيق معه لكن التحقيق لم يسفر عن شئ. وأستقال بنحاس لافون من منصبه مجبرا وعاد بن جوريون من جديد لتسلمه، كما عزل بنيامين جيلبي مسئول شعبة المخابرات العسكرية ليحل محله نائبه هركافي. وفي بداية عام 1968 تم الافراج عن سجناء القضية ضمن صفقة تبادل للأسرى مع مصر في أعقاب نكسة يونيو. وأستقبلوا في إسرائيل "إستقبال الأبطال" وحضرت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بنفسها حفل زفاف مرسيل نينو بصحبة وزير الدفاع موشي ديان ورئيس الأركان. وتم تعيين معظم هؤلاء الجواسيس في الجيش الإسرائيلي كوسيلة مضمونة لمنعهم من التحدث بشأن القضية. وبعد 20 سنة من أحداث عملية سوزانا ظهرت مارسيل نينو وروبير داسا ويوسف زعفران للمرة الأولى على شاشة التلفزيون الإسرائيلي وهاجموا الحكومات الإسرائيلية التى لم تكلف نفسها عناء البحث عن طريقة للإفراج عنهم!!. آخر تعديل ܔْށالوعـد الأخـيرܔْށ يوم
05-23-2009 في 09:35 AM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 7 (permalink) |
|
| الجاسوس البريطاني في المصيده في عام 1967 كتب من موسكو مذكراته في كتابه الشهير “حربي الصامتة” الذي لا يزال تطبع منه آلاف النسخ، وهو الكتاب الذي اذهل العالم وكشف فيه عن تفاصيل عمله كجاسوس مزدوج لصالح ال kgb للمرة الأولى واعتبره العالم أحد اكثر الجواسيس نجاحا في العالم وكان كاتبا متميزا قدم قصة أيقونة عظيمة لسنوات الحرب الباردة واحدث ثورة في عالم كتب الجاسوسية. وأعيد طبع الكتاب عدة مرات بعد نحو 12 عاما من صدوره للمرة الأولى وفيه قدم فيلبي تفاصيل عمليات التجسس التي قام بها لصالح الاتحاد السوفييتي، وكيف تمكن من الهرب إلى موسكو عام 1963 والتي عاش فيها حتى مماته عام 1988 وشرح لماذا ظل مخلصا للشيوعية حتى بعد أن اكتشف جرائم ستالين. قلة من الخائنين البريطانيين والجواسيس تمكنوا من لفت الانتباه لهم كما فعل هارولد ادريان روسيل الشهير بكيم فيلبي. الذي اتسم بأنه عبثي متعجرف تهكمي ومليء بالثقة بالنفس، وأيضا جاسوس ذكي تمكن بكل مهارة من التفوق على وكالات التجسس البريطانية التي عمل معها. وكان ماركسيا مخلصا فضل النظام السوفييتي بكل مساوئه على النظم الغربية الديموقراطية وضحى في سبيل الماركسية بكل شيء بما في ذلك جنسيته وسمعته. وفيلبي مثل الكثير من الجواسيس في الاستخبارات البريطانية لم يكن عليه أن يبذل جهودا كبيرة لينجح في عمله،فقد ولد في الهند البريطانية لأسرة تنتمي للطبقة العليا وكان والده ضابطاً مدنياً ذا رتبة عالية. وعقب تخرجه من إحدى مدارس الأرستقراطيين عام 1928 التحق بجامعة كامبردج وتخرج منها عام 1933 من كلية ترنتي التي كانت أول بناء في عمله كجاسوس سوفييتي مزدوج. وفيها قابل شباب مثله سوف يصبحون جواسيس سريين لموسكو مثل انطوني بلانت وجاي بورجيس ودونالد ماكلين وآخرين. جميعهم اقسموا في وقت مبكر على الولاء للشيوعية وجندوا كجواسيس لل kgb وإن كان فيلبي الذي عرف بشدة حذره لم ينضم أبدا للحزب الشيوعي. واستغل الأموال التي كان والده يمده بها واخذ عطلاته الصيفية في فرنسا والنمسا وألمانيا حيث قال لوالده انه سوف يدرس الظروف السياسية في البلاد التي قامت بثورات، وفي عام 1932 ذهب إلى ألمانيا ليشهد الانقلاب المفاجئ الناتج عن انتخاب فرانز فون بابن كمستشار لألمانيا وانتخاب النازيين للرايخ. وكما يذكر فيلبي في مذكراته فقد حرص على دراسة الوضع السياسي هناك حيث شارك في حروب شوارع دارت في ألمانيا وانضم إلى الشيوعيين في صراعهم ضد أصحاب القمصان البنية (النازيين) وعاد إلى كليته بجرح غائر في رأسه ادعى انه نتج عن عاصفة أسقطته على قضيب معدني. وبعد ذلك عاد مرة أخرى إلى ألمانيا حتى صادق مروج الدعاية والناشر الشيوعي ويلي مزنبرج الذي ساعده في اقامة مؤتمر السلام العالمي مع اللورد روبرت سيسيل الذي راس المؤتمر وهذه المنظمة استخدمها المخرج العالمي الفرد هيتشكوك في فيلم التجسس الرائع “المراسل الخارجي” 1940. وفي هذا الوقت ارتبط فيلبي وأصدقاؤه بشكل عميق بالشيوعية وجندهم الحزب الشيوعي على يد رؤسائه مثل روي باسكال وموريس دوب. ومن الواضح انهم كانوا مستعدين للتجسس على إنجلترا البلد الذي تخلوا سرا عنه في سنواتهم الأولى في الجامعة. وعند تخرجه عمل فليبي في الصحافة وبحث عن وظيفة في صحف سياسية معتدلة واخفى معتقداته الشيوعية. وعندما اندلعت الحرب الإسبانية حصل فيلبي على عمل كمراسل لصحيفة لندن وهي وكالة صحافة صغيرة لتغطية الحرب. ولكنه في الواقع كان قد أرسل إلى اسبانيا من قبل السوفييت للتجسس على الثوار ضد الجمهوريين. وفيلبي وبورجيس جندا نفسيهما مع البعثة الدراسية الانجلو -ألمانية، وحضرا حفلات عشاء رسمية، أقيمت بهدف جلب تمويل للجماعات النازية اذ كان الصليب المعقوف شارة الحزب النازي يظهر بوضوح على الموائد الطويلة، ولكن عضويتهما لهذه الجماعة كانت مخلصة لل kgb ومبادئ الحزب النازي. انتماء فيلبى الى عضوية جماعة البعثة “الانجلو ألمانية” جعله يبرز نفسه كصحافي ورحب به في مراكز قيادة فرانكو. وتحرك من مدينة إلى أخرى وهي تحتل من قبل فرانكو وكان ينقل المعلومات من القادة الثوار ويرسلها إلى القيادات الشيوعية وهي المعلومات التي كانت تظن موسكو أنها الأكثر أهمية. وعندما انهار الحزب الجمهوري عام 1939 استخدمت “التايمز” فيلبي كمراسل لألمانيا. وكان في موقع ممتاز للتجسس على النازي لحساب السوفييت، ثم عاد إلى إنجلترا واندلعت الحرب بين بريطانيا وألمانيا ولكنه أرسل إلى فرنسا وفي هذا الوقت اصبح مراسلاً حربياً متمرساً واظهر احتراماً زائداً للقائد الأعلى البريطاني. وتمكن من الدخول إلى الأسرار العسكرية الأكثر أهمية والتي كان يرسلها إلى موسكو. وعندما سقطت فرنسا عاد إلى إنجلترا مرة أخرى وعلى الرغم من عضويته في البعثة الانجلو ألمانية إلا انه قرر الانضمام إلى خدمة الاستخبارات البريطانية السرية وتمكن ببراعة لا توصف من الانضمام إلى الاستخبارات السرية. وفي مذكراته يذكر تفاصيل تلك الفترة قائلا: في صيف عام 1940 كانت المرة الأولى التي أقيم فيها اتصال بالخدمة السرية البريطانية ولكن الأمر كان قضية مثيرة بالنسبة لي لعدة سنوات في ألمانيا النازية وفيما بعد في اسبانيا حيث خدمت كمراسل لصحيفة التايمز مع قوات الجنرال فرانكو وفي جزء آخر يكتب :”قررت أن اترك التايمز قبل أن تتركني لأن فكرة أن أظل اكتب ممجدا عظمة القوات البريطانية وروعة أخلاقيات جنودها للابد كانت فكرة ترعبني” وأضاف: المنظمة التي ارتبطت بالعمل بها كانت تطلق على نفسها لقب خدمة الاستخبارات السرية أو كما كانت تعرف على نطاق واسع ال mi5 بينما كانت للعامة الأبرياء هي فقط الخدمة السرية، وكانت سهولة دخولي قد أدهشتني وفيما بعد أدركت أن الاستعلام الوحيد الذي قامت به ال mi5 على الماضي الخاص بي كان مجرد الاطلاع على اسمي في سجلاتهم والانتهاء بنتيجة مقتضبة تقول لا يوجد له سجل إجرامي اليوم، لذلك فإن كل فضيحة تجنيد جاسوس جديد في الإجراءات البريطانية يمكن أن تعود إلى قصة تجنيدي الغريبة وشديدة السهولة. وتمكن أيضا بورجيس وماكلين من الحصول على مناصب مهمة في الحكومة مكنتهم من الاطلاع على أسرار غاية في الأهمية. وتمكن فيلبي أثناء عمله من أن يمنح المراقبين السوفييت كل جزء من المعلومات السرية التي تمكن من الحصول عليها. وكانت أخطر مهمة أوكلت إلى فيلبي في الاستخبارات البريطانية هي وضع عملاء ال mi5 في اتصال مباشر مع شبكة السوفييت التي يديرها ساندرو رادو في سويسرا مما نتج عنه أن حصلت الاستخبارات البريطانية على معلومات قيمة حول القوات العسكرية الألمانية في حين أن بورجيس من الناحية الأخرى كان قادرا على إمداد ال mi5 التي عمل فيها من 1930 إلى 1941 بهوية تايلر كينت وهوكاتب سري في السفارة الأمريكية وآنا ولكوف التي أرسلت إلى موسكو المراسلات السرية بين الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل إلى شبكة آبوير. وحصل بورجيس مثل فيلبي على معلوماته من الجواسيس السوفييت. ودخل فيلبي فيما بعد شبكة تنفيذ العمليات السرية الخاصة أو ال soe التي كانت شبكة تجسس بريطانية تعمل بالتعاون مع الحركات السرية المقاومة في الدول التي وقعت تحت احتلال النازي. وفي البداية ظن فيلبي ومدير الاستخبارات السوفييتي المسؤول عنه أن هذه سوف تكون فرصة رائعة للحصول على معلومات حول حركات المقاومة السرية التي يمكن أن يتم تجنيد جواسيس سوفييت منها في المستقبل. ومع نهاية الحرب أصبحت إنجلترا والولايات المتحدة اقل ثقة في حليفهما السوفييتي وأدركا أن جوزيف ستالين لديه خطط ما بعد الحرب تتضمن الاستيلاء والسيطرة على دول وسط أوروبا أثناء تحررها من الألمان. وأراد تشرشل أن تتم مراقبة السوفيت عن قرب، وكما يذكر فيلبي فقد اقترح إنشاء مكتب مقاومة للشيوعية داخل الاستخبارات البريطانية في حين أدرك المشرف عليه أن فيلبي كان على صلة بضباط سوفيت ذوي رتب عليا في إنجلترا ودول أخرى وبهذا تمت الموافقة على خطة فيلبي التي أبهجت المشرف عليه السوفييتي اناتولي ليبيديف الذي استبدل ببوريس كورتوف مدير الاستخبارات المسؤول عن عمليات فيلبي التجسسية لصالح ال kgb والذي أشرف لفترة طويلة على عمليات فيلبي ويقول فيلبي عن القسم الجديد الذي أنشأه انه اصبح القسم 5 حيث شعر برغبة عارمة في الاستهزاء بال mi5، وكان مكتبه مكوناً من طابق واحد فوق مكتب خدمات العمليات السرية الأمريكية الذي ضم كل من ويليام دونوفان وألين دالس اشهر رجال الاستخبارات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية واللذين كان يراهما باستمرار وهما يأتيان للمبني حتى اصبحا أصدقاء له وكانا كما يقول قد تمكن بسهولة من الحصول منهما على معلومات قيمة مكنته من التسلل إلى الخدمة التي أصبحت فيما بعد ال cia. وكان أحد التقارير المفصلة التي حصل عليها فيلبي تتضمن خلفية كاملة عن جاسوس روسي اسمه بوريس كوروتوف والذي كان يعمل في إنجلترا منذ سنوات وذكر فيلبي انه للأسف قد رحل مؤخرا إلى موسكو وكما يذكر فيلبي بروح مرحة فإنه كان يسجل مهنة التجسس للضابط السوفييتي الذي كان يشرف على بورجيس وماكلين وهو أيضا من بين آخرين. بالطبع فإن فيلبي لم يذكر مجموعته من العملاء السوفييت في تقريره عن كورتوف. وعلم أن أي شخص فيما بعد سوف يبحث عن التجسس السوفييتي في إنجلترا سوف يبدأ بتقريره الذي لم يذكر أبدا حلقة جواسيس كامبردج. يستطرد فيلبي : في عام 1949 أرسلت إلى واشنطن كسكرتير أول للسفير البريطاني وكان عملي ضابط ارتباط بين ال cia وال mi6. وكنت قررت التوقف لفترة بعد هذه الحادثة عن العمل لمصلحة موسكو ولكن ال kgb تمكنت مرة أخرى من الاتصال بي عن طريق بورجيس الذي وصل إلى واشنطن بعدي بعام وعمل معي في نفس المكتب وسرعان ما قمنا مرة أخرى بإرسال الأسرار إلى موسكو ومنها بيانات غاية في السرية عن الأبحاث النووية التي يقوم بها حلف الناتو. وفي عام 1951 كان فيلبي أرهق تماما من العمل كعميل مزدوج وبدأ يرتكب الأخطاء الفادحة ويفشل في إرسال المعلومات المهمة إلى السوفييت بسبب إسرافه في الشراب وعلاقاته في حين أن بورجيس كان قد اصبح مدمن خمور وسرعان ما قام بالكثير من الأخطاء والسلوكيات التي أغضبت بريطانيا، فاعيد إلى لندن. وقتها سمع فيلبي من بلانت أن ال mi5 كانت اشتبهت منذ فترة في دونالد ماكلين وأنها كانت على وشك اعتقاله مع عشيقه بورجيس وقد قام فيلبي بإبلاغ بورجيس. وفي تطور مفاجئ للأحداث هرب كل من بورجيس وماكلين فجأة إلى موسكو وكانت فضيحة هزت مؤسسة التجسس الغربية. ولكنهما لم يكتفيا بهذا بل عقدا مؤتمراً صحافياً في موسكو في 12 فبراير/ شباط 1956 انتقدا فيه الدول الغربية الفاسدة والقمعية وأعلنا انهما قد يئسا من تحسن الأمور ولهذا قررا أن يتركا بلديهما. وظل فيلبي لفترة آمناً ولكن بعد تجنيد الجاسوس التركي احمدوف آغا لمصلحة ال cia قدم ملف كيم فيلبي وساق الأدلة على كونه جاسوساً مخلصاً لروسيا. وعندما عاد فيلبي إلى إنجلترا واجهته ال mi5 بالمعلومات. وقرر في النهاية أن يخضع لاستجواب طويل ودقيق اضطر فيه إلى إنكار أي اتصالات له مع السوفييت. و قال انه تم التشكيك به فقط لأنه كان زميل كل من بورجيس وماكلين في الجامعة ولكنه بريء تماما من هذه التهمة. وبعد التحقيق تقدم فيلبي بالاستقالة من مكتب الخارجية واجر شقة في لندن وعمل في بيع العقارات وأعمال تجارية أخرى معظمها في أوروبا ولكن السلطات البريطانية ظلت متشككة منه. في حين دافع آخرون عنه بشكل متحمس ومنهم رئيس الوزراء البريطاني هالود مكملين الذي قال رسميا انه مواطن بريطاني صالح خدم بلده ببطولة. وأدى هذا إلى قيام ال mi6 بإعادته إلى العمل مرة أخرى ويفسر فيلبي الأمر بأن المجتمعات الاستخبارية البريطانية أخفت هويته حتى لا تكشف عن مدى سذاجة أعضائها الذين تم خداعهم من قبل عميل سوفييتي مزدوج قاموا هم أنفسهم بتنشئته وترقيته والتودد إليه. الشك في فيلبي تكرر مرة أخرى في 12 سبتمبر/ أيلول 1962 عندما تم القبض على جاسوس سوفييتي آخر هو اناتولي جوليستن الذي ابلغ عن كيم فيلبي. وفي 23 يناير/ كانون الثاني 1963 ترك فيلبي أسرته وهرب إلى الاتحاد السوفييتي في حين انتظرته زوجته في حفل عشاء وسار عبر مرفأ في ميناء بيروت ومن هناك استقل سفينة إلى الميناء الروسي أوديسا وعاش فيلبي لعدة شهور في فولجا على بعد آلاف الأميال من موسكو وعندما وصل موسكو كان بورجيس توفي اثر أزمة قلبية في سن 52 وكانت وفاته بسبب الإفراط في الشراب. وتمكن فيلبي من أن يكون النموذج المثالي للجاسوس الشيوعي وقد منحه السوفييت مكتباً في مراكز قيادة ال kgb ولقب جنرال. ومنح وسام لينين الذي كان يظهره بكل فخر لأصدقائه البريطانيين الذين كانوا يزورون موسكو. وظل حتى النهاية يسخر من بلده الأم إنجلترا ولم يعتبر نفسه أبدا خائناً لبلده حيث يكتب هذا: حتى تخون يجب أن تكون منتمياً أولا وأنا لم انتم أبدا لهذا النظام المنافق”. وفي مايو/ايلول 1988 توفي فيلبي وقال في نهاية مذكراته انه يريد أن يدفن في الاتحاد السوفييتي في هذا البلد الذي اعتبرته بلدي منذ الثلاثينات وعند وفاته نال التكريم من البلد الذي اخلص له ولكن لم يذكره أحد في وطنه الأم. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 8 (permalink) |
|
| الجاسوسة الأردنية أمينة المفتي في إحدى ضواحي عمان الراقية، ولدت أمينة داود المفتي عام 1939 لأسرةشركسية مسلمة، هاجرت الى الأردن منذ سنوات طويلة، وتبوأت مراكز سياسية واجتماعيةعالية. فوالدها تاجر مجوهرات ثري، وعمها برتبة لواء في البلاط الملكي. أما أمها،فهي سيدة مثقفة تجيد أربع لغات، وذات علاقات قوية بسيدات المجتمع الراقي. كانتأمينة أصغر أخواتها – شقيقتان متزوجتان وثلاثة أشقاء آخرين – وتحظى بالدلال منذطفولتها، فطلباتها كانت لا ترد أو تؤجل، وضحكاتها المرحة الساحرة كانت وشوشاتالحبور في جنبات البيت الذي يشبه القصر. وفي المرحلة الثانوية أوغلت فيها مظاهر الأنوثة، فبدت رقيقة الملامح،عذبة، شهية، طموحة، ذكية. لكنها كانت برغم تقاليد أسرتها المحافظة، تسخر من تقاليدالشرق وقيوده، وتحلم بالحب والانطلاق، والحرية. وفي ثورة تقلباتها أحبت "بسام" الفلسطيني الأصل، وأطلقت تجاههفيضانات المشاعر المتدفقة بلا حدود، أو انقطاع. لكنها صدمت بشدة عندما هجرها الىأخرى أجمل منها، وأكثر اتزاناً، وكتب لها يقول أنها أنانية، مغرورة، سريعة الغضب،شرسة الطباع. هكذا كشف لها الحبيب عن مساوئ تنشئتها، وأسلوبها الخاطئ في فهمالحياة. لأن حبها كان قوياً، جباراً، عاتياً، عصفت بها الصدمة، وزلزلت قلبهاالصغير، وتملكتها رغبة مجنونة في الثأر والانتقام. وكانت لكل تلك التصارعات آثارها السلبية على دراستها، إذ حصلت علىالثانوية العامة بدرجات متوسطة، دفعتها للتفكير في السفر الى أوروبا للالتحاق بإحدىجامعاتها، وهذا تقليد متبع بين أبناء الأثرياء في الأردن. وفي عام 1957 التحقت بجامعة فيينا، وأقامت بالمنزل رقم 56 شارع يوهانشتراوس لعدة أسابيع، قبلما يفتح القسم الداخلي أبوابه لإقامة الطالباتالمغتربات. لقد أسبغت الحياة الجديدة على أمينة سعادة غامرة، ودفئاً من نوع آخروقد جمعتها الحجرة بطالبة مرحة في نهائي الطب – وتدعى جولي باتريك - من جوهانسبرج،ذات خبرة كبيرة بالحياة الاوروبية. وفي متنزهات المدينة الساحرة، والحريةاللانهائية لفتاة من الشرق، علمتها جولي التدخين، وحذرتها من العلاقات الجنسية معالشباب حيث الحمل والاجهاض، وحببت اليها أسلوباً جنسياً خاصاً بالنساء، يرتقىبالمتعة الى ذروة الانتشاء، والأمان، فأقبلت أمينة على التساحق مع الفتاة الخبيرةبالشذوذ، وشيئاً فشيئاً أدمنت الفعل الخبيث حتى الثمالة، فقد رأت فيه انطلاقتهاوتحررها من قيود الشرق، والخجل. ومع انتهاء العام الدراسي الأول، وعودة جولي الى وطنها، افتقدت أمينةلسعات الخدر الجميل، فتقربت من فتاة أخرى تدعى جينفيف ووترود، وسعت لإدارة الدارلكي تشاركها الحجرة الواحدة، والشذوذ الذي تزداد جرعاته العطشى يوماً بعد يوم. هكذا مرت سنوات الدراسة بجامعة فيينا، تصطخب بالرغبة والتحرر الى أنتحصل أمينة على بكالوريوس علم النفس الطبي medical psyshology وتعود في أغسطس 1961 الى عمان مكرهة، تضج بالمعاندة والنفور، وتحمل بداخلها طبائع أخرى، وأحاسيسمختلفة، وآلام الهجرة الى القيود والرقابة. وفي غمرة معاناتها وكآبتها، تذكرت حبيبها الأول – بسام – فجابت عمانطولاً وعرضاً بحثاً عنه، وهزتها الحقيقة المرة عندما علمت بزواجه من فتاته الجميلةالفقيرة، وحاصرها السهوم والملل والحقد، ولم تجد حلاً لأزمتها إلا السفر ثانية الىالنمسا، بدعوى استكمال دراستها العليا لنيل الدكتوراة، عازمة على ألا تعود الىالشرق أبداً. آني موشيه ثلاثة وعشرون عاماً ونيف هو عمر أمينة المفتي عندما عادت الى فيينامن جديد، تحمل قلباً ممزقاً، ووجهاً شاحباً، وكراهية لموروثاتها "العقيمة"، وجسداًأنهكه صمت رجفات النشوة، واصطكاكها. لفحتها نسمات الحرية في أوروبا، وسلكت مسلك فتياتها في العملوالاعتماد على النفس، غير عابئة بما كان يرسله لها والدها من مصروف شهري. فعملتبروشة صغيرة للعب الأطفال، وساقت اليها الصدفة فتاة يهودية تدعى "سارة بيراد"،شاركتها العمل، والسكن، والشذوذ. فالتصقت بها أمينة، وسرعان ما انخرطت معها في تيارالهيبيز، الذي انتشرت أولى جماعاته في أوروبا في تلك الحقبة، متجاهلة رغبة أسرتهافي تزويجها من ابن العم التاجر الثري. وفي زيارة لأسرة سارة في وستندورف، دق قلبهافجأة بقوة لم تستطع دفعها. إنها المرة الثانية التي يخالجها ذلك الشعور الرائعالمشوق، فقد كان موشيه – شقيق سارة الأكبر – شاب لا يقاوم. إنه ساحر النظراتوالكلام، حيوي الشباب رائق الطلعة. كانت تعرف أنه طيار عسكري برتبة نقيب، يكبرها بنحو سبع سنواتتقريباً، شاعري، مهووس بموتسارت وبيزيه، ولوع بالشعر الأسود ونجلاوات الشرق. وفي نزهة خلوية معه حاولت أمينة ألا تنحرف، لكنها ما كانت تتشبث إلابالهواء، واستسلمت لأصابعه تتخلل شعرها، وتتحسس أصابعها المرتعشة، وتضغط ضغطاًملهوفاً على مغاليق قوتها، فتنهار قواها، وترتج في عنف مع مذاقات أول قبلة من رجل،فأحست بروعة المذاق وقالت في نفسها: وبين أحضانه الملتهبة، تأملت جسده العاري المشعر، وأسكرتها دفقاتالمتعة المتلاحقة، وغرقت من لذائذها في نهم وجوع، واشتياق. حينئذ . . حينئذ فقط . . أفرغت كل مشاعرها بين يديه . وبصدق، وضعف،اعترفت له بحبها. هكذا خطت أمينة المفتي خطوات الحرام مع الطيار اليهودي . . وهيالمسلمة. وترنحت سكرى بلا وعي لتستقر في الحضيض . ولما أفاقت قليلاً . . هربت منهالى فيينا، يطاردها دنس الجسد، وغباء العقل، ورجفعة الرغبة. وبمسكنها في شارع شتراوس حاولت أن تنسى، أن تغسل البدن المدنسبالخطايا، أن تمحو صورة أول رجل هتك ستر عفافها وأشعرها بفورة الأنثى، لكن مطارداتهالتليفونية لها كانت تسحق إرادتها، وتشتت عقلها الزائغ أمام جيوش عواطفه، فتخورصاغرة. تعددت لقاءاتهما المحرمة وتحولت أمينة بين يديه الى امرأة لا تدخروسعاً في إسعاده، وتغلبت على ضميرها قدر استطاعتها وهي تدعي لنفسها الحق في أنتعيش، وتحيا، وتجرب، وتمارس الحب بلا ندم في بلاد لا تعترف بالعذرية والعفاف. هكذا مرت خمس سنوات في انحلال وترد، متناسية ما لأجله غادرت وطنهاالى فيينا. وبعد جهد . . ساعدها موشيه في الحصول على شهادة دكتوراة مزورة في علمالنفس المرضي – pathopychology – وهو فرع من علم النفس الطبي، وعادت أدراجها الىالأردن في سبتمبر 1966 ليستقبلها الأهل في حفاوة وفخر، ويطالبونها بإعلان موافقتهاعلى الزواج من ابن عمها، لكنها تطلب منهم إمهالها حتى تفتتح مستشفاها الخاص فيعمان. وبينما إجراءات الترخيص للمستشفى تسير بشكلها العادي، وقع خلاف بينهاوبين وكيل الوزارة المختص، فتشكوه الى وزير الصحة الذي أبدى اهتماماً بشكواها ويأمربالتحقيق فيها على وجه السرعة. فتتشكك اللجنة القانونية في تصديقات الشهادةالعلمية، وتطلب منها تصديقات جديدة من فيينا. وخوفاً من انكشاف التزوير وما يصاحبذلك من فضيحة لها ولأسرتها، سافرت أمينة الى النمسا متخمة بالخوف، وبأعماقها غضبيفيض كراهية لبلدها. هناك . . أسرعت الى موشيه يعاودها الحنين، غير عابئة بانكسار وطنهاالعربي بنكسة 1967، فكانت تعلن شماتتها بلا حرج أو خجل، إذ طفحت منها الكراهية لكلما هو عربي، ولكل ما يمت للعرب بصلة. وبين نتف الجليد المتساقطة في ديسمبر، كانا يعبران معاً جسراً خشبياًقديماً في المدينة، عندما استوقفها موشيه فجأة قائلاً: آمنة . . أتتزوجينني . . ؟ دون أن تفكر أجابت وهي تحضنه في عنف: أوه موشيه الحبيب . . نحن زوجان يا عزيزي. أجابها بحسم ملاطفاً: أريده زواجاً رسمياً في المعبد. وفي معبد شيمودت . . اعتنقت أمينة المفتى اليهودية ، وتزوجت من موشيهزواجاً محرماً شرعاً، واستبدلت اسمها بالاسم اليهودي الجديد "آني موشيه بيراد". الحياة أفضل عدة أشهر وأنا أرى العذاب والموت.. لا أرى أكثر منهما قرباً مني، وعندما أطلقوني ذات يوم بين بعض الأسرى ... اقترب مني أحدهم وبصوت مصري هامس، وبعينين تدوران في محجريهما خوفاً، كشف لي عن استسلام العديد من زملائنا بعدما أفضوا بما لديهم من أسرار عسكرية للمحققين، وانضمامهم لمنظمة "السلام الدولية" التي تضمن لهم عودة سالمة إلى مصر في أسرع وقت. ولاحظت فجأة أن أصابع يده البيضاء يكاد ينفجر منها الدم، ولا تبدو عليه مظاهر الهزال، بينما نحن نعاني الجفاف والوهن. أيقنت حينئذ مائة بالمائة بأنه ضابط إسرائيلي يجيد العربية بطلاقة. فأوهمته بأنني أصدقه ولكن ليس عندي ما أقوله لهم... فأنا ضابط قادم لتوي من اليمن بعد عدة سنوات هناك... ولا أعرف بالضبط تشكيلات الجيش المصري .. أو عدد أفراده... أو تسليحه... أو حتى أسماء قادته بالكامل ... أو نظام التدريب الحديث الذي يطبق ... أو أماكن منصات الصواريخ أو المطارات السرية ومخازن الذخيرة. قلت له ذلك ... وأنا أبدو صادقاً... لكنه لم يصدقني بالطبع فأنا بلا شك أعلم الكثير من خلال زملائي... وعندي معلومات قد تبدو تافهة لكن الاسرائيليين يعتمون بها جيداً. بعدها تركني الضابط الإسرائيلي ليستدعيني المحقق في مساء ذات اليوم لتستقبلني فتاة إسرائيلية هادئة... وبالعربية حدثتني هي الأخرى قائلة: سيقتلونك الليلة لو لم تتعاون معهم. لقد سمعتهم يقررون ذلك. كانت تحدثني في عطف بينما تسقيني أكواب العصير من دورق تحمله والخوف يسيطر عليها. قلت لها: هل أنت إسرائيلية؟. أجابتني لا ... إنني فلسطينية مسلمة واسمي "سهيلة" وأعمل ممرضة في المعسكر. نصحتني بأن أصارحهم بما لدي لأنهم يعرفون كل شيء. ونظرت الي بإشفاق وهي تقول: هم وحوش لا تعرف الرحمة. وتركتني مسرعة إلى حجرة أخرى وخطوات ثقيلة تقترب. وعندما جاء المحقق ومن خلفه جندي يحمل رشاشه... كنت أرتعد خوفاً، وتوقف لساني عن الكلام رعباً، وبعد تهديدي بكهربة عضوي الذكري قلت في نفسي إنني فقدت معنوياتي وكل شيء... لكنني لم أعد أملك إلا رجولتي... ساعتئذ اضطررت لأن أبوح ببعض ما لدي من معلومات... يريدونها مني مبدياً رغبتي في التعاون مع "منظمة السلام" من أجل منع الحرب بين إسرائيل والعرب. عند ذلك فكوا قيودي وأودعوني حجرة مريحة، بلا كشافات إضاءة أو هواء ساخن أو ميكروفونات. ونقلوني إلى حجرة الطبيب الذي فحصني وحقني ببعض المقويات واستمروا في ملاحظتي طبياً مع الاهتمام بمأكلي ومشربي. واصطحبني جندي إسرائيلي لأول مرة إلى الحمام لأستحم بعد مائتي يوم فاحت أثناءها رائحة جسدي النتنة، وعهدوا بي إلى الحلاق، وألبسوني ثياباً جديدة نظيفة وانتقلت لمعسكر آخر جنوب بئر سبع اسمه "هازيريم" حيث أكدوا بكل الطرق أن بإمكانهم الوصول إلى في مصر في أي وقت. لقد أسمعوني ما تفوهت به من سباب لمصر ولقيادتها، وفوجئت بصوري عارياً مع الإسرائيلية العارية فأحسست بالمهانة، وأشد ما آلمني هو تهديدي برسائل متفجرة تقضي على أسرتي وأقاربي، وأخذوني إلى "أشدود" ثم إلى "بات يام" جنوب تل أبيب وهناك رأيت ما لم أره في حياتي أو أحلامي، حياة أخرى في عالم ليس له وجود على سطح الأرض، عالم من السحر والخيال بلا حدود، وأحاطوني بفتيات تتفنن كل حسناء منهن في إمتاعي، وساقتني قدماي معهن بلا هدى أتذوق طعم حيوات أخرى، مفعمة بالصخب وبالمغريات... واللذائذ.. وسيطر علي هاجس غريب ترسب بعقلي، وهو أن الجنس مع إسرائيليات ليس بزنا... وبعد حوالي الشهر أخذوني إلى منزل منعزل ... وشرعوا في تدريبي على استخدام الأحبار السرية والكربون السري الذي يفوق الأحبار، وتعلمت أيضاً استعمال الشفرة والاتصالات اللاسلكية وإطلاق النكت والشائعات الكاذبة، وكيفية جمع المعلومات العسكرية وأخبار التسليح ومخازن الأسلحة والتموين والذخيرة، وطلبوا مني أن أوافيهم بالمعلومات أولاً بأول على عنوان في بروكسل. وفي نهاية الدورة التدريبية أكدوا على أن يدهم الطويلة لن تتركني أبداً أو تترك عائلتي... إذا ما أبلغت الجهات المختصة في مصر بأمر انضمامي إلى منظمة السلام. واستمرت تهديداتهم لي حتى وأنا في طريقي إلى مصر مع مندوب الصليب الأحمر الدولي. حيث لم أصدق أبداً أنني قد أعود إلى مصر في يوم من الأيام. لكني أيقنت أنني على أرض الوطن أخيراً... حينما وجدتني أتمرغ بين أحضان أهلي وزوجتي وأصحابي. ولعدة أسابيع كنت أحس بالغربة... وبوطأة الحمل الثقيل على كاهلي، ورغبة عارمة في البقاء تجتاحني فأكاد أصرخ محتجاً على وصفي بالبطل، ففي قرارة نفسي يقبع ذنب جبار يزمجر في عنف ويتضخم ... ويلتصق بجدران شراييني هاجس مؤلم يتعاظم يذكرني بأنني مجرم أثم لا أستحق الحياة.. وفي مكتب ضابط المخابرات العسكرية المصرية.. رفضت أن أصارحه بما صار اليه حالي، رفضت أن أبوح اليه بجرمي فكان سيغفر لي ويعذرني... إنه لم يلمح بذلك بل قالها صراحة دون لبس. إلا أنني كنت في ذعر مما سيصيب عائلتي وزوجتي الحبيبة التي جاءتني بطفل أسمته "بطل" وعلى مدى ساعة ونصف الساعة اعترفت بكل ما جرى لي، ما عدا انضمامي "لمنظمة السلام" إلى أن قبضت علي المخابرات العسكرية، وقدمتني للمحاكمة بتهمة التجسس. لا وجه للمقارنة كانت هذه اعترافات الملازم أول عبد الفتاح.. الضابط الأسير الذي عاد مقهوراً محطماً من أسره في إسرائيل. اعترافات يستعين بها الخبراء العسكريين وعلماء علم النفس والسلوك، لاستنباط نوازع مختلفة داخل العقل الانساني، وصراعات لا ترحم تدور بداخل الأسير، الذي افتقد أبسط مبادئ الأمان في الأسر، فسقط في وكر الجاسوسية خائراً واهناً مكرهاً ومضطراً، تلسعه صراخات الخوف من الموت على أيدي شرذمة من ذئاب... يرتجف بدنه لهفة لبريق من أمل يلوح من بعيد.. أمل ضعيف في الفوز بكسرة خبز .. أو رشفة ماء. لقد أكدت تحقيقات المحكمة العسكرية أن الملازم أول عبد الفتاح عبد العزيز عوض، عاد من إسرائيل بعدما أجريت له عمليات "غسيل مخ" هناك... وضبط وهو "يحاول" جمع معلومات عسكرية "ينوي" إرسالها إلى المخابرات الاسرائيلية، سطرها ضمن رسالة مشفرة، وحكمت المحكمة على الضابط الاحتياطي بالأشغال الشاقة المؤبدة. ولم تحكم بإعدامه رأفة بظروف أسره ورحمة به... لأن تجسسه ليس نابعاً من ذاته بل هو اضطرار مغلوب وجواب أسير مكبل. وأنا أرى أن هذا الحكم – قياساً بحالات أخرى – حكماً قاسياً... لأن الضابط المتهم لم يمارس التجسس بشكله المعروف، خلافاً لأزمته النفسية من جراء الأهوال التي مر بها. فالجاسوس "أمين محمود محمد" المجند بالقوات المسلحة، والذي جنده شقيقه السيد (*) حكم عليه بالسجن "15" عاماً فقط في أكتوبر 1974... برغم أنه سرب معلومات هامة إلى إسرائيل عن وحدته بالجيش. والجاسوس "محمد عمر حمودة" الذي سلم نفسه للقنصلية الإسرائيلية في استنبول، و "بهجت حمدان" الذي دربته الموساد لعدة سنوات على فن الجاسوسية، والجاسوس السكندري "السيد محمود" الذي تحالف مع الشيطان من أجل المال، والجواسيس: "جمال حسنين" ، و "فايز عبد الله"، و "عبد الحميد اللباد"، و "نبيل النحاس" ، و "مؤيد عثمان"، و "عماد إسماعيل"، و "عبد الملك"جاسوس المنصورة. كل هؤلاء الجواسيس الخونة والعشرات غيرهم الذين تعاملوا مع المخابرات الإسرائيلية عن قناعة من أجل مطامع لهم في مال أو غرائز، أدينوا جميعاً بالأشغال الشاقة المؤبدة. وليس هناك وجه مقارنة بينهم وبين الضابط الأسير عبد الفتاح عوض، الذي عاد من أسره غارقاً في القهر والمذلة، بينما هم جميعاً كانوا غرقى بين أثداء الحسان، يرشفون اللذائذ ويفترشون الجمال... !! |
|
| |
| | رقم المشاركة : 9 (permalink) |
|
| العاهرة والجاسوس الحب يصنع المعجزات .. حب دفع بالحبيب إلى حبل المشنقة فؤاد حمودة . . جاسوس الإسكندرية . . !!لست جاسوساً لإسرائيل . . أنا ضحية عبارة طالما ترددت على الألسنة وعلى الأوراق باهتة المقصد، وإن كانت تعني أن الحب يدفع بالمحبين إلى صنع ما لم يخطر ببالهم ليعيش الحب قوياً .. لا ترهبه ضربات الزمن أو عضات الوهن . . لكن . . هل يدفع الحب بالمحبين أيضاً إلى طريق ضائع. . مظلم وأكثر رعباً من الرعب نفسه؟ وهل يقود الحب – أحياناً – والفقر . .إلى مصيدة الجاسوسية؟ .. هذا ما سنراه في من خلال ملف التحقيق الخاص بجاسوس الإسكندرية (فؤاد حسن علي حمودة) الموظف بشركة المضارب . . والذي دخل النفق المظلم – نفق المخابرات والجاسوسية – بسبب حب "نوسة" . . وقاده الحب المدمر إلى النهاية الطبيعية لكل جاسوس خائن . . !! ضحية عشق نوسة أفاق على صوت مزلاج باب زنزانته الحديدي فارتعد جسده النحيل، ونظر باتجاه الباب في رعب لتصطدم عيناه بوجه الشاويش حمدون يطل عليه بملامحه الجامدة وشاربه الكث، وكأنه تمثال قُد من صخر. دفع "جراية" الطعام بعيداً وغاص في خوفه وهو يتأمل بزته الحمراء فانتفض بدنه في رجفة لا إرادية .. ثم انكفأ بوجهه بين ركبتيه يحيطهم بيديه المرتعشتين وأجهش في بكاء مرير، وارتفع نشيجه يشق سكون الزنزانة الضيقة المعتمة، إنه يموت كل يوم آلاف المرات كلما سمع وقع أقدام تتحرك أو صوت مزلاج يفتح. كان أمله الأخير ألا يصدق رئيس الجمهورية على حكم المحكمة ولكن خاب أمله وضاع. فلماذا إذن لا ينفذون حكم الإعدام سريعاً؟ ولم هذا الموت البطيء؟ أيكون الانتظار عقاباً نفسياً قبل الشنق؟ هكذا تساءل فؤاد حمودة وهو حبيس الزنزانة الانفرادية في سجن مزرعة طرة .. وتحسس رقبته للمرة المليون وصرخ بأعلى صوته . . لا . . لا. . لست جاسوساً لإسرائيل . . أنا ضحية .. أنا ضحية الفقر . . وأخذ يضرب الأرض الباردة وهو يردد في وهن: وضحية حب نوسة . . وسكنت حركته بعدما استسلم لواقعه ولمصيره . . وتمدد على "البرش" ثم تقلب وتكور متوسداً إحدى يديه ضاغطاً بالأخرى على أذنه . . فيسمع صوتاً يشبه هدير موج يتعاقب، وضربات قلبه اللاهثة تدق في اضطراب تعلن عن مدى الخوف الذي سكن بأعماقه .. والرعب الذي يخترق أفكاره ويشتتها. ارتد إلى الوراء يتذكر بدايته وتسلسل حياته إلى أن صار جاسوساً لإسرائيل. مدفوعاً بحب نوسة العجيب . . حب دفع بالحبيب إلى حبل المشنقة. وبعد إعدامه عثروا في زنزانته على لفافة من الأوراق سجل بها قصة حياته بإيجاز أحياناً. . وبتفصيل مطول أحياناً أخرى. إنها قصته مع الحياة . . ومع الحب . . ومع الجاسوسية. يقول فؤاد في مذكراته التي خلفها وراءه: . . . كان والدي موظف بسيط في الحكومة وأمي لا تعمل . . وكانت الأسرة كبيرة العدد قليلة الدخل والأفواه لا تكف عن المضغ والطلبات ترهق الأب . . فتحيل نهاره إلى سعي وشقاء وليله إلى نوم متقطع وسعال. كنت الإبن الرابع ومن بعدي ثلاثة آخرون. أنهيت تعليمي المتوسط وجلست أنتظر فرصة للعمل. ولم يخطر ببالي أنني كنت أنتظر نقطة البداية التي سأنطلق من خلالها إلى خط النهاية بسرعة البرق. مدفوعاً بقوة لا أستطيع مقاومتها. . ذلك أنني رفعت سماعة التليفون ذات مساء ممل . . فجاء صوتها كالنسيم رقيقاً حنوناً بعث الدفء بأعماقي . . ودار بيننا حديث طويل امتد لقرب الصباح. كان اسمها نوسة طالبة في الدبلوم. تسكن في سبورتنج. . تكرر أحاديثنا التليفونية لعدة أيام متصلة. . فالتهبت حرارة الأسلاك وهي تحمل جرعات الرغبات المتزايدة التي ترسلها نوسة بصوتها الأنثوي المسكر . . وكأنه خمر ينصب رقراقاً خلال سماعة التليفون. ونسيت مع مكالماتها وحدتي برغم الزحام والضجيج في شقتنا. . واتجهت لكتابة الشعر . . تبدلت حياتي كلها .. إذ أصبحت نوسة هي شاغلي ومشاغلي . . أنام على صوتها وأصحو .. وأحس معها بالمرارة التي تغلفها أحياناً رغم أنها وحيدة أبويها .. وتقوم أمها على خدمتها وتعاملها كملكة على عرش قلبها. كانت فتاة مرفهة إلى درجة الجنون رقيقة لا تتصنع. . مثيرة لا تتركني أهدأ . . أو تخمد نيران رغباتي تجاهها برغم سنها الصغير وقلة خبرتها بالحياة. لكنها برغم ذلك استطاعت أن تحكم قيدها حول حواسي . . فأدور في فلكها كالمنوم. . حتى وهي تحاول أن تستدرجني لأحاديث الجنس كنت أبدو كالأبله . . فأنا لا أعلم شيئاً عنه. إلا أنها تمادت في استدراجي فتجاوبت معها عبر الأسلاك يشجعني صوتها الذي يحرك الجبل وهتفت في نفسي لأرفض وهي تضغط. أرفض وهي تقتل قوتي وتحصد مقاومتي ورفضي بتأوهات يفور لها جسدي كبوتقة تغلي . . ولما فشلت معها أرقتني الرغبة المحبوسة فتأثرت لحالي. . وفوجئت بها تعرض علي أن أزورها بمنزلها بعد منتصف الليل . ثم تحول العرض إلى دعوة ملحة . . وضايقها ترددي وخوفي. لقد كان عمها المحامي يسكن في الشقة العلوية وهذا الأمر أخافني. . إلا أنها دبرت كل شيء في جرأة مدهشة. . فذهبت إليها بعد منتصف الليل في إحدى الليالي الباردة مدفوعاً برغبتي العنيفة . . وكان هذا أول تدريب لي على عمل الجاسوسية. وعندما جلست بجوارها على حافة السرير – على بعد خمسة أمتار من حجرة والدها – سألت نفسي: هل حبيبتي مومس تخدعني أم هي مراهقة تحب؟ وغادرت شقتها لا أصدق أنني نجوت بحياتي من مصير مجهول. وأعترف أنه برغم سعادتي برجولتي . . إلا أنني فقدت أشياء لذيذة كنت لا أريد مسها . . وأهمها أنني فقدت بعض ثقتي بها . . ولكن صديقي حاتم أكد لي أن الحب أعمى . . وأن الفتاة تسلم كل شيء لحبيبها عن قناعة ورضا لأنها تحب. وبعد عدة أيام دعوتها إلى شقة أختي المسافرة إلى الخارج مع زوجها فجاءت نوسة بسهولة .. وبسهولة أكثر جعلتني أخلع عنها ملابسها دون أن تصدني ولو كذباً وكأنما هي اعتادت ذلك من قبل . . لكن الذي أذهلني بحق هو أنني فوجئت بها ليست بكراً . . صفعتني المفاجأة وتحطمت ثقتي بها وفي كل بنات جنسها وأغمضت عيني عن هذا الخطأ مؤقتاً. لقد كنت أحبها ولذلك تعمدت ألا أذكر هذا الأمر ثانية . . لكنها هاجمتني بعنف واتهمتني بأني ضيعتها. أخذتها إلى أشهر دكتور في الإسكندرية فلم يصارحني بالحقيقة. . ونسينا الأمر برمته، وكنت لا أستطيع فراقها أو ابتعادها عني. فلقد صارت في دمي . . !!. إفعلْ شيئاً لأجلي ويصف لنا ملف تحقيق جاسوس الإسكندرية أدق خلجاته وإحساساته التي أدلى بها من خلال التحقيق قبل أن يلتف حبل المشنقة حول رقبته. وكان قد تقدم بالتماس إلى الرئيس أنور السادات يطلب تخفيف حكم الإعدام ولم يصل الرد بعد على التماسه الذي كان هو الأمل الأخير له في إنقاذه. ولأنه عاش كثيراً يحلم بتحقيق هذا الأمل. . فقد بدأ بكتابة مذكراته والتي اتسمت بالسرد الدقيق والوصف الرائع لكل جوانب حياته. صفحات بلغت أكثر من مائتي صفحة تحمل مشاعر جاسوس خائن . . اعتقد أن الحب كان السبب الرئيسي في وقوعه في جبّ الجاسوسية العميق المظلم. يقول الجاسوس: في زنزانتي الرطبة الضيقة .. أنام يقظاً مع انسحاب الشمس وأصحو مع أول خيوطها. وما بين النوم واليقظة ترتعش حواليّ كل الصور .. وترهبني خطوات السجانين طوال الليل. . فأظل أنصت مرعوباً وهي تقترب فأحس باقتراب الموت .. وتبتعد فأتنهد. . ثم يتملكني الهلع. وهكذا كنت لا أنام ولا أهدأ . . أتخيل وجه نوسة الرائع وهي بين أحضاني . .أرتشف من أنوثتها لذاذات جميلة .. وأحسوا شراباً مسكراً ومعتقاً .. وأعيش معها أجمل لحظات عمري نخوض معاً بحور المتعة .. ونجوب نبحث عن مشتقات أخرى للنشوة تغتال فينا الملل والكآبة .. ولم تكد تمر عدة أشهر . . إلا وخطبت نوسة فجأة وانشغل تليفونها عني في المساء، فجن جنوني وأقسمت أن أفوز بها ولا أتركها لغيري بعدما أدمنتها. . لكنها كانت تتهرب من لقائي وجنوني. . وتملكني الشعور القاتم بالهزيمة وأنا أضرب رأسي بيدي وأرتجف غضباً وأردد: "أيتها المومس الحقيرة .. أحبك . . أحبك بوجهك الطفولي البريء وصوتك الساحر . . أحبك وأنت تصعدين ورائي إلى الطابق الخامس في شارع "الجلاء" ترتدين زي المدرسة وتحملين حقيبتك .. وتنشدين ما يكفيك من النشوة لعدة أيام قادمة .. أحبك يا عاهرة كاذبة . . ولن أنسى يوم خطبتك لهذا المغفل الذي نزف عليك مئات الجنيهات كما نزفت أنا معك رجولتي". يومها . . طلبت مني والدتي أن أقرأ عليها عدة صفحات من رواية عاطفية . . فجلست أقرأ لا أدري أي سطور قرأت وقد اختنق صوتي وتلجلج لساني . . وبكيت بكاء الضائع الذي فقد الطريق والأمان. ثلاثة أشهر وعادت نوسة ذليلة يغشاها انكسار الهزيمة بعدما فشلت خطبتها .. ولم تمهلني الوقت لأفكر فاستردتني سريعاً واحتوتني من جديد فقلت لها: لم أكرهك يوماً. . أحبك وإن كنت عاهرة تستأجر. قالت : فؤاد – يا فؤادي . . يا حياتي . . اشترني ولا تبخس الثمن سافر وكافح من أجلي . . سافر إلى أي مكان في الدنيا وعد بالثمن. قال : عينت في شركة مضارب الإسكندرية بسبعة عشر جنيهاً. قالت في يأس: لن نتزوج إذن قبل عشر سنوات. أهلك يبالغون في المهر. سافر لعام واحد وسأنتظرك . . سافر .. إنه الحل الوحيد لنا. لا أملك مصاريف السفر . . أنت تعرفين كل الظروف. لم تخبرني أن شقيقتك ستعود عما قريب؟ نعم .. أرسلت لنا بأخبار عودتها بعد شهر ونصف. اقترض منها مبلغاً وخذ مني هذه الإسورة. أضافت وأنفاسها تلهب وجهي: إفعلْ شيئاً لأجلي. وسأظل أنتظرك وأنسج ثوب عرسي كما كانت تفعل "بنيلوبي" قديماً. ومنذ تلك اللحظة . . قررت أن أسعى للسفر خارج مصر. كانت الأبواب مغلقة في وجهي . . وحرب الاستنزاف على أشدها بين مصر وإسرائيل . . وهناك مفاوضات من أجل الهدنة والأمور سيئة وتزداد سوءاً. العفن الذي تبرأ منه أهله . . كما تبرأت منه ديدان الأرض. عادت شقيقتي من الخارج وعندما طلبت منها قرضاً أحالتني إلى زوجها الذي تهكم وسخر مني .. وعندما علم والدي عنفني بشدة .. وأشفقت والدتي على حالي فأعطتني آخر ما تملكه من حلي فلما قبلت يد شقيقتي مرة أخرى وقلت لها أنقذيني من جنوني منحتني سبعة وعشرين جنيهاً. . ولم تمر عدة أيام إلا وكنت أجمل في جيبي تذكرة طائرة إلى بون. . وسافرت إلى ألمانيا الغربية يملؤني إحساس بالمرارة والظلم والضعف. كانت معي رسالة إلى أحد المعارف في مدينة دوسلدروف شمال بون. . وعندما التقيت به نظر إليّ كمن ينظر إلى كلب أجرب. . حتى صديقته الألمانية كانت تسخر مني وتضحك كأنها ترى بلياتشو برغم أنني لا أعرف كيف أكون مضحكاً فأُضحك الناس. وكنت قد مررت في طريقي بمدينة ساحرة أسمها كولون. .فعقدت العزم على العودة إليها وأغامر علني أوفق بمفردي ورجعت جنوباً حتى كولون الواقعة على نهر الراين الخلاب .. فسحرتني المدينة الأنيقة واستولت على عقلي .. عثرت على بنسيون رخيص اسمه "فارسبورجر" تديره سيدة بشوش اسمها بيرجيت كلاين كانت تعاملني بلطف . . وبإنجليزية ركيكة شرحت لها ظروفي ورغبتي في العثور على عمل فتأثرت لحالي.. وبعد يومين ذهبت إلى مصنع بويات يمتلكه زوج ابنتها بيتر راينهارد يقع على أطراف المدينة . . وبعد عمل متصل ليل نهار لعدة شهور استطعت أن أجمع خمسة آلاف مارك . . فأرسلت خطابي العاشر إلى نوسة أطمئنها. وبرغم إلحاحي في الرد على رسائلي لم يصلني منها خطاب واحد. . فانتابني قلق شديدة ولم أتمكن من مكالمتها تليفونياً فكتبت إلى صديقي حاتم أطلب منه موافاتي بأخبارها. . وكان الانتظار يقلقني بل ويفتك بأعصابي. . كانت نوسة رغم الجميلات من حولي هي الأجمل والأرق والأروع ولا تفارق خيالي للحظة وأحلم باليوم الذي يجمعنا .. لذلك . . كنت أعمل بجد وردية ونصفاً وأفرش ورق الكرتون وأنام .. يرفرف خيالها حولي وذكرها يمدني بالقوة ويمنحني الصبر . . وتعلمت كيف أحرم نفسي من أبسط الأشياء لأدخر وأعود إليها مرفوع الرأس . . ولما جاءني الخطاب المنتظر من حاتم ارتعش قلبي لرؤيته. . فما بين سطوره يحدد لي مصيري واتجاهات حياتي .. وملأني شعور غامض بالخوف وأنا أفتح الورقة المطوية .. وزلزلتني المفاجأة التي لم أتوقعها قط: نوسة تزوجت منذ شهرين وانتقلت للإقامة في "الكنج مريوط". لطمتني العبارة بعنف فأصابني دوار وأطبقت الجدران على أنفاسي . . وأيقنت أنها ضاعت مني إلى الأبد. وأيقنت أيضاً أنها طراز غريب من النساء من الصعب نسيانه. . وعلى امتداد البصر في الخيال والواقع لا أرى سوى وجهها الطفولي البريء ويتجسم أمامي جسدها الأنثوي فأتحسسه: كان الجليد يتساقط كأنه ندف من القطن الأبيض الناصع في شهر فبراير 1970 والباص يقلني إلى شارع "كلنجهاوس" مشيت وسط الزحام لا أنوي على شيء ودون قصد اتجهت إلى شارع "فينشا".. حيث أضواء الكباريهات تتلألأ متراقصة . . والداعرات يقفن على النواصي يساومن المارة. وما إن عبرت إلى الناصية الأخرى من الشارع متجهاً إلى كباريه "جوتن نخت" الشهير . . قذفت واحدة منهن بنفسها في طريقي فأزحتها بيدي . . ودلفت إلى داخل الكباريه لأول مرة في حياتي. . شربت ورقصت وسكرت .. وبدلاً من الذهاب إلى حجرتي في المصنع، ذهبت إلى بنسيون فارسبورجر. دهشت السيدة كلاين وطلبت منها ألا تسألني عن أي شيء فسحبتني إلى إحدى الحجرات . .ومنذ ذلك اليوم لم أعد أقيم للأمور وزناً. . تساوت عندي كل المتناقضات وأحاطتني قتامة من اليأس والاهتزاز . . وتفاعلت بداخلي ثورات من الشك والحزن والكآبة . . وصرت زبوناً دائماً في جوتن نخت، أمر على محل هورست للملابس فأصحب "كريستينا" للعشاء ثم نسهر ونشرب حتى الثمالة .. هي الأخرى وحيدة مثلي هجرت أسرتها في دار مشتات هرباً من ذكرى حبيب غدر بها. وتركت البنسيون وأقمت معها في غرفتها نتعاطى الجنس كالطعام لننسى أننا خدعنا. وعندما أنفقت آخر مارك كان معي تأففت كريستينا وتملكها الضجر .. فذهبت إلى المصنع مرة أخرى فلم أجد عملاً هناك حاولت أن أجد فرصة عمل بمكان آخر لكن الظروف كانت كلها ضدي. . فعجزت عن الإنفاق على نفسي. . وطردتني كريستينا من شقتها . . ونبهتني السيدة بيرجيت كلاين صاحبة البنسيون لكثرة ديوني ولما عضني الجوع ذهبت إلى الكباريه أطلب عملاً. . أي عمل. ولأنني زبون معروف لديهم صعد بي أحدهم إلى الطابق العلوي حيث مكتب المدير الفخم . . استقبلني الرجل بحفاوة بعدما اكتشف أنني مصري . . وأخبرني أنه زار مصر منذ عدة سنوات وسألني عنها فقلت له بقرف "زي الزفت". . لقد كنت في حالة نفسية سيئة والجوع ينهش معدتي . . ويطاردني شبح ترحيلي إلى مصر خاوي الوفاض تنوء حقائبي بيأسي وفشلي . . وسألني الرجل مرة ثانية: لماذا جئت إلى هنا؟ "يقصد ألمانيا". قلت في أسى: الفقر والحب. . وبعد أن سردت عليه قصة حياتي بإيجاز .. أسف لحالي . . وبصوت به رنة الواثق قال: بإمكانك أن تصبح مليونيراً .. المهم أن تكون أكثر ديناميكية وتعاوناً. . ضحكت في تعجب وسألته: مليونيراً؟ كيف وفي جيبي أحد عشر ماركاً ونصف ولا أنطق بالدوتش وإنجليزيتي مهترئة .. كيف؟ ترك جوتل هاوزن مقعده خلف المكتب وجلس قبالتي يفرك يديه وقال: نشأت مغامراً شجاعاً أكره الخوف والجبناء .. سنوات قليلة وكنت شريكاً في هذا النادي ثم امتلكته لأنني دست على أشياء كثيرة لكي أحقق طموحاتي .. وأعرف أن الرجل الشرقي عاطفي يخشى المغامرة ومقيد بتقاليد وأعراف. سيد هاوزن أنا مستعد لأية مغامرة تنتشلني من الفقر والضياع. إذن . . إنس أنك مصري . . مسلم .. وتذكر فقط أنك هنا . . في ألمانيا الغربية . . في أوروبا. سأنسى .. لا أريد أن أتذكر هذا الماضي اللعين .. أريد أن أكون إنساناً آخر. ضغط الرجل على زر فجاءت فتاة رائعة مثيرة والتفت إلى قائلاً: هذه سيلفيا . . من الآن سترافقها في سفرها إلى ألمانيا الشرقية لبعض الأعمال التجارية. ابتسمت سيلفيا ونظرت إليهما في بلاهة .. وعندما أوشكت على سؤاله عن عملي الجديد أصدر أوامره إلى سيلفيا بأن تدفع حساب البنسيون وتصحبني إلى شقتها. . وقام إلى مكتبه وعد بعض النقود وناولها لي قائلاً: هذه لك .. وللعمل حساب آخر. وبينما كان يسلم نقوداً أخرى لسيلفيا أدركت أن المبلغ ألف مارك .. فدارت الأسئلة في خيالي وتساءلت بيني وبين نفسي: "ماذا سأعمل بالضبط؟" وقررت أن أغامر وألا أستسلم أبداً مهما كانت المصاعب . . وأفقت على يد سيلفيا تجذبني فمشيت وراءها. . وبدأ منذ ذلك الحين أولى خطواتي على الطريق المجهول . . والذي في نهايته كانت تنتظرني المشنقة. عيون لا ترى الشمس وفي شقة سيلفيا الرائعة التي تطل على نهر الراين .. حيث البانوراما تخلب الألباب وتدير الرؤوس .. تذوقت أنوثتها العجيبة التي أنستني نوسة ولهيب حبها .. وبينما كنا عاريين نستريح سألتها: سيلفيا ماذا سأعمل معك؟ أشعلت سيجارة وجذبت نفثاً عميقاً وقالت: التهريب .. !! قلت مستفسراً وقد تملكني القلق: تهريب. . ؟ تهريب ماذا؟ وهي تنفث دخانها في وجهي: نحن ندخل الخمور والسجائر والساعات إلى ألمانيا الشرقية مهربة على الحدود. قمت مسرعاً وارتديت ملابسي وأنا حانق . . واتجهتْ مباشرة إلى جوتن نخت وصعدت إلى مكتب المدير وتعجب الرجل لرؤيتي وتساءل وهو يهز رأسه: ماذا بك؟ كان صوتي عالياً في استنكار وأنا أقول: تهريب الخمور والسجائر يا سيدي لن يبني لي مجداً أو يرفع من شأني . . إنه عمل تافه. تريد أن نزرع بك الجرأة ثم نوكل إليك الأهم والأكبر. لو لم أكن جريئاً ومثابراً ما جئت إلى هنا لا أملك مالاً أو لغة .. أنا لست سوى فدائي مغامر. في لهجة مليئة بالتحدي: أتريد أن تثبت لنفسك أنك مغامر. . فقلت في اندفاع الواثق: سيد هاوزن أريد أن أؤكد . . نعم أؤكد لكم أنني جريء لحد المغامرة .. وأريد أن أعمل وأكسب لا أن أخبئ بعض علب السجائر والعصير وأعبر بها كاللص إلى الناحية الأخرى من ألمانيا. قلت لك يا فؤاد أن تهريب السلع تمرين لك لا أكثر. تمرين على ماذا؟ لمعت عيناه كعيني ثعلب ماكر وبصوت هامس قال: مهمة سرية جريئة ستكسب من ورائها نصف مليون مارك على الأقل .. إنه مبلغ خيالي قد تشتري به حياً بأكمله في الإسكندرية .. ماذا تقول؟ جف حلقومي فجأة وانحبس صوتي وأنا أقول: اعتبرني قد تمرنت وأنا الآن جاهز للمهمة الكبرى . . أريد هذا النصف مليون ولو كلفني ذلك أغلى ما أملك .. وكل ما أملك. ابتسم هاوزن وأردف: أنت لا تملك شيئاً ولكننا نريدك أن تملك. أنا طوع أمرك يا سيدي. تناول الرجل كارتاً صغيراً وسلمه لي وهو يقول: إذهب غداً إلى هذا العنوان. وقرأت: السفارة الإسرائيلية بون شارع .. فرمقته بنظرة غليظة وقد سرت بأوصالي رعشة . وقلت بصوت أجش: وما دخل إسرائيل في تهريب السلع إلى ألمانيا الأخرى؟ في بون ستعرف كل شيء .. وسيدفعون لك بسخاء إذا تعاونت معهم. كان الخوف قد بدأ يساورني وقلت في تلعثم: تريدونني جاسوساً إذن؟ أجابني بسرعة وكأن رده كان جاهزاً: إسرائيل ليست بحاجة إليك لتعمل جاسوساً .. فأنت لا تملك هذه الموهبة ولست بالشخص المهم الذي تستخلص منه معلومات سرية. قبل مغادرتي مصر بوقت قريب قرأت في الصحف عن جاسوس مصري عاطل لا يعمل بالحكومة ولم يؤد الخدمة العسكرية فلماذا اختير جاسوساً وما الفائدة منه؟ اسمع . . طالما نحن في حالة حرب مع العرب – فسوف ينظر إلى نياتنا بالريبة والشك .. تشققت شرايين عقلي عندما نطقها صريحة .. وأحسست بأنني أترنح وأرتجف .. لكني استجمعت قواي الخائرة في صعوبة وسألته: أنت إسرائيلي إذن سيد هاوزن؟ أنا يهودي ألماني أحب إسرائيل والعرب وأحلم دائماً بالوفاق بينهما. ودخلت سيلفيا مضطربة. نظرت إلى وجهينا تستخلص نتائج اللقاء . . ويبدو أنها فهمت جيداً أن شيئاً ما قد حدث. فهتفت سريعاً: أوه . . أيها المصري المراوغ . . وأخرجت منديلها تمسح قطرات العرق على جبهتي. . وكنت لحظتئذ كتائه يبحث عن ملاذ . . يملؤني إحساس غريب أحسه لأول مرة. إنه مزيج من الخوف والطيش واللامبالاة . . لملمت إرادتي ونزلت معها إلى الصالة فشربنا ورقصنا .. واستيقظت في الصباح لأجدها عارية بجواري . . وجسدها الأفروديتي ينفث حرارة تلسع رجولتي .. لكنني كنت قد فقدت الرغبة تجاهها وسافرت بخيالي إلى بعيد، إلى الإسكندرية، وهجم طوفان من الذكريات والمشاهد واستسلمت هرباً من توتري واضطرابي. فطفت كالطائر فوق كازينو الشاطئ على الكورنيش وتجولت بداخله. . واتجهت إلى الركن الذي شهد أروع لقاءاتي مع نوسة . . فتحسست الموائد والمقاعد علني أتنسم عطرها. وعندما اتجهت طائراً إلى قلعة قايتباي . . مدت سيلفيا يدها تداعب شعري ولكن هيهات .. لم تخرجني من رحلتي لمسجد سيدي بشر الذي يطل على البحر من مرتفع . . فلكم جلست على أسواره أتفكر في مستقبلي المجهول وحياتي الخاوية .. وكثيراً ما عرجت خلف المسجد حيث تقع المقابر فأنشد بعض الرضى والصبر. ياه . . هاهي أشجار التين البرشومي على ساحل العجمي تتناثر على مرتفعات التلال وصبيان يرعيان الماعز ويلعبان "السيجا". طفت أتذكر مراتع طفولتي وصباي. . برائحته الآزوتية يلفح وجهي نسيم البحر رطباً . . ويطير خيالي إلى محرم بك حيث بيتنا الجميل وضوضاء الباعة الجائلين .. وتوقفت عند يوم سفري حيث وجه والدتي النوراني والدموع تشق أخدودين على خديها . . وبحنان كبير تقبلني وتضمني إلى صدرها بحرارة . . وها هو يقف محزوناً . . لم أر والدي من قبل يبكي . . أشعره العجز عن تحقيق آمالنا بحسرة تنطق بها نبرات صوتها الحزينة. وها هي هدير – صغرى شقيقاتي – تخلصت من أحضانها بمعجزة. . كانت تحس بمعاناتي أكثر من شقيقتي الكبرى التي وقفت تقول: دعوه يسافر .. فالسفر يحوله إلى رجل. ودون وعي . . أزحت يد سيلفيا عن صدري ونظرت إليها في "زهق" فانتبهت .. ورفعت رأسها قليلاً لتلمح حبات دموع تعرف طريقها جيداً على وجهي . . وانتابتني رجفة خفيفة فضمتني إلى صدرها وقالت: علام القلق يا فؤاد؟ أنت لن تذهب إلى جهنم حتى تضطرب هكذا. أجبتها بصوت مبحوح مختنق: سيلفيا . . أنا فقط تذكرت أهلي في مصر. وهي تضغطني بشدة: عما قريب ستعود إليهم ومعك آلاف الماركات. ماذا يريدون مني مقابل هذه الثروة. أنا لا أفهم في السياسة. لكنهم بلا شك يعملون من أجل السلام وأمن إسرائيل. أنا أيضاً لا أحب السياسة ولا أفهمها. وما أذكره أن إسرائيل احتلت سيناء والضفة والجولان . . ولا أعرف بالضبط ما هي الضفة أو الجولان؟ أعتقد أنك مصري مقامر . . لديك عزيمة المغامر وإصرار العنيد. ربما أكون كذلك وإلا ما جئت إلى هنا. قلت لي أنك جئت مديوناً .. أليس كذلك؟ بلى .. جئت مديوناً. . وكنت أتسول مصاريف السفر ذليلاً. حتى والدي . . كان يعتقد بأنني سأخذله . . ولم يكن يثق فيّ للحظة. زوج شقيقتك قلت لي أيضاً أنه آلمك كثيراً وسخر منك. كفى . . كفى سيلفيا . . أريد ألا أتذكره. لقد رفض وداعي في المطار وقال باستخفاف سأذهب لاستقباله بعد عدة أيام قادماً بفشله. هجمت علي مشاهد الإذلال التي عشتها في الإسكندرية وأنا أبحث عمن يمد لي يده بجنيهات قليلة تعينني في سفري . . فامتلأ قلبي غيظاً وغضباً .. وسمعت سيلفيا تقول: فؤاد لا تحرق أعصابك فأنت مقبل على عمل هام يجب أن تستعد له بذهن صاف. نعم . . صدقت أيتها الملعونة . . وضممتها مداعباً خصلات شعرها الذهبي الناعم وقبلتها قبلة نارية طويلة وقلت: متى سنلتقي بهم في بون؟ لم ترد علي فقد استغرقت قبلتها المجنونة وقتاً طويلاً .. ثم انتصبت جالسة فجأة وأخذت تضرب صدري بيديها وتصيح: من أي أرض أنت أيها الوحش؟ كانت حرارتها قد ازدادت اشتعالاً .. وتعمدت أن تغرقني في مستنقع الجنس ولا أفيق من خمره أبداً .. أنوثتها أسبغت عليها الخبرة أنوثة أقوى . . وبعد أن استرحنا قليلاً أدارت قرص التليفون وتحدثت مع هاوزن. . فلم أستطع فهم حوارهما حتى انتبهت إليها تقول: ميعادنا الثامنة مساء اليوم في بون؟ نظرت في ساعة يدي وقلت: 75 كيلو متراً يقطعه الباص في ساعة تقريباً حتى بون يجب أن نصل مبكراً. أريد شراء ملابس جيدة من محلات جونتر الشهيرة . استسلمت لمصيري . . وأغمضت عيني عن المخاطر التي تحدق بي .. فقد كنت كالتائه في الصحراء أكاد أموت عطشاً لو لم أنبش الأرض بأظافري لأشرب. وأخذت سيلفيا تسقيني جرعة زائدة من الثقة في نفسي. . وتؤكد على أنني حر ولا سلطان لأحد علي إلا المال الذي سوف يتدفق من حيث لا أدري. وتمادت في إيهامي بأنني شخصية مرموقة ومهمة حتى خيل إلي أنني رئيس الجمهورية العربية المتحدة. وبيدي حل أزمة الصراع العربي الإسرائيلي في الشرق الأوسط. وكـــر الحيــة عندما ركبنا الباص في بون كان نهر الراين عن يساري ينساب رقراقاً متهادياً تغطيه أحياناً أسراب من الطيور البيضاء .. وكانت الخضرة متمد يميناً ويساراً إلى مساحات شاسعة .. فتبدو كبساط رائع تتخلله ألوان الزهور الزاهية في الربيع .. وتظهر البيوت الريفية وسط الحقول بشكلها الجميل يبعث شعوراً بالبهجة والهدوء. . تذكرت النيل وأرض الدلتا تزهو به وترفل في أثواب بديعة من ألوان شتى. وتذكرت الريف الفقير في بلدي وقلت في نفسي إن الفارق الكبير بينه وبين الريف الألماني الذي لا يقارن يعود في الأصل – كما قال هازون – إلى حالة الحرب التي سيطرت على مصر. ولولا الحروب لكانت أجمل بقاع الأرض. هذا الأمر جعلني لا أنبذ فكرة الاتصال باليهود أو التعاون معهم. . إذ صور لي خيالي أنني قد أساهم في خلق مجتمع أفضل في وطني. اعتقدت أيضاً أنني صاحب رسالة يجب أن أؤديها. ولم أقنع عقلي أنني بالتعاون مع الإسرائيليين صرت جاسوساً لهم على أهلي ووطني. ولكن . . تغيرت المفاهيم تماماً بعد زيارتي لسفارة إسرائيل!! في غرفة رائعة بفندق ماجستيك . . استبدلت ملابسي وتهيأت للقاء المرتقب. . وعند الباب الرئيسي كانت تقف بانتظارنا سيارة أوبل حديثة وقف بجانبها شاب مهذب فتح الباب الخلفي فركبت بجوار سيلفيا وساقاي ترتعشان في قلق لا إرادي . . واخترقت السيارة شوارع بون تحملني إلى المجهول. وعندما وقفت أمام مبنى سفارة إسرائيل يعلوها العلم الأبيض ذو النجمة السداسية الزرقاء – نجمة داود – تسمرت قدماي واقشعر بدني كله. . فجذبتني سيلفيا إلى الدخل وهي تصيح في دلال: آه .. حبيبي . . ماذا جرى لك؟ فمشيت وراءها كالمنوم. . وفي الطابق الثاني من السفارة . . استقبلتنا فتاة بشوش أزالت ابتسامتها بعض الرعب الذي جثم على صدري . . وقادتنا إلى غرفة تقع في نهاية ممر طويل. كانت غرفة مكتب لا أحد بها .. وعلى الجدار كانت هناك صورة لسيدة عجوز وأخرى لرجل لم يعجبني منظره. لقد كانت العجوز تبتسم في خبث بينما هو يزم شفتيه في تحد وشماتة. خرجت الفتاة ووضعت سيلفيا ساقاً فوق ساق فأظهرت ثلثي فخذيها وقالت بعدما أشعلت سيجارتها: فؤاد . . الأمر ليس سيئاً إلى هذا الحد . . تبدو كأنك تغرق. أنا؟ . . نطقتها وكنت في الحقيقة أرتجف بشدة وتصطك أسناني في اضطراب .. ويبدو أن سيلفيا أرادت تهدئتي فقالت بصوت محبب مريح: بإمكانك أن تنصرف الآن .. لن يمنعك أحد. تفضل . . مستر فؤاد. هكذا نطقت باسمي الفتاة التي استقبلتنا وقد دخلت وبين يديها صينية تحمل أطباق الحلوى وأكواب الشاي .. وفي أثرها دخل رجل أسمر شرقي الملامح وبعربية فصيحة صاح كأنه يعرفني منذ أمد: أهلاً أهلاً يا فؤاد .. كيف حالك؟ صافحني بحرارة وهو يقول: أنا مصري مثلك .. إسكندراني .. وإسمي إبراهيم يعقوب . . أرجو أن تعتبر نفسك في بيتك هنا. تمتمت ببضع كلمات غير مفهومة فابتسم ورمق سيلفيا بنظرة سريعة فقامت على الفور وقالت لي: سأعود حالاً. وبينما كان يعد ويرتب بعض أوراقه كنت أطرقع أصابعي وبدأ التوتر جلياً على وجهي. ولم يتركني إبراهيم كثيراً إذ التفت إلي كلية وقال: حدثني عنك هاوزن كثيراً. أما سيلفيا فقالت عنك قصائداً. ثم أضاف: ماذا كنت تعمل في كولون؟ في مصنع راينهارد للبويات. كم كان راتبك تقريباً؟ كنت أوفر ألف مارك من بقية راتبي. أتريد أن نلف وندور أم نتحدث صراحة حتى نختصر المسافة والوقت؟ أنا لا أفهم شيئاً. فؤاد . . أنت شاب ذكي وتعرف كيف تستغل المواقف لصالحك. وأنا أعرف أنك تمر بظروف سيئة في مصر وهنا أيضاً. هاوزن قال لي صراحة أنك مغامر عنيد .. رفضت العمل معه في تهريب السلع إلى ألمانيا الشرقية لأنك أردت عملاً أهم وأكبر. . وبالتالي عائداً مادياً يتناسب وأحلامك وطموحاتك . أليست هذه حقيقة؟ بلى . إذن. . عليك أن تعلم جيداً أنه برغم التوتر في الشرق الأوسط والصراع المرير ما بين إسرائيل والدول العربية. . فليس معنى وجودك هنا أننا نريدك جاسوساً. . لا . . نحن لا نريدك أن تخون بلدك .. فأن شخصياً لا أريد أن أتعامل مع الخونة. . ويبدو أن هاوزن كذب عليك كثيراً عندما أكد على أنك قد تكسب نصف مليون مارك بتعاملك معنا . . نعم . . كذب هاوزن فهذا مبلغ تافه . . ولأنك مغامر تبحث عن المال والمجد .. فقد تكسب مليون مارك في لحظة خاطفة. . إن النقود ليست بذات قيمة عندنا . . نحن فقط نحب المجتهدين. . ونعطي بسخاء وبدون حساب إذا م أتأكد لدينا أنك مخلص في تعاونك معنا. قلت له وأنا أتلعثم ولا أستطيع جمع شتات فكري: أنا مستعد للتعاون معكم على ألا أصاب بضرر أو .. لا . . لا . . لن يؤدي ذلك إلى إلحاق أي ضرر بك .. مطلقاً .. نحن نريدك صديقاً ونسعى وبشدة للمحافظة على أصدقائنا في أي موقع وفي أي مكان. قلت وقد تجرأت لفتح مجالات حوار مختلفة: ماذا إذن تريدون مني؟ نريد أن نتعرف عليك أكثر. ولعدة ساعات سألني إبراهيم عشرات الأسئلة عن أهلي وأقاربي وأصدقائي .. وعن الإسكندرية والحي الذي أسكن به. وسلمني ملفاً به عدة ورقات طلب مني أن أكتب سجل حياتي وأجيب عن الأسئلة المكتوبة باللغة العربية. وجاءني بخريطة كبيرة للإسكندرية علقها على الحائط وطلب مني أن أحدد موقع منزلي. . ثم علق خريطة أخرى لميناء الإسكندرية وطلب مني أن أحدد له بعض المواقع ففعلت. خرجت من السفارة الإسرائيلية منهك القوى وكأنني كنت أحارب في معركة شرسة. كنت أبحث عن سريري لأرتمي عليه. وتوقعت أن أجد سيلفيا تنتظرني بالحجرة لكنها لم تكن موجودة. فاستغرقت في نوم طويل وأفقت في الصباح أنتظر اتصالاً من سيلفيا أو إبراهيم فلم يحدث. لقد طلب مني إبراهيم أن أظل بالفندق ولا أغادر بون حتى يتصل بي. . ومرت علي خمسة أيام طويلة دون أن يتصل بي أحد. وكلما طلبت هاوزن في كولون لا أجده. وفجأة طرق الباب أحد موظفي الفندق وأخبرني أنه موظف بالحسابات. . وبدماثة خلق أخبرني أنني مدين للفندق بمبلغ 1600 مارك ويجب الإسراع في السداد. ارتديت ملابسي وربكت سيارة إلى السفارة الإسرائيلية. . ولكن موظفة الاستعلامات أتت من الداخل وبيده مظروف بداخله مائتا مارك وقالت إن إبراهيم في مهمة وسيعود خلال أيام. وعدت إلى الفندق لأحصي المبلغ كله الذي أملكه فوجدته يقل عن الخمسمائة مارك.. وقلت في نفسي . . لا بد أن أتصرف وأسدد الفندق وإلا فستقبض علي الشرطة. وتعجبت. . ذلك أن سيلفيا أكدت لي أنني لن أدفع حساب الفندق. فماذا حدث إذن؟ وأين سيلفيا هي الأخرى؟ استلقيت على سريري أفكر في هذا المأزق وفي آلاف الماركات والدولارات التي وعدت بها. . واضطربت لسوء موقفي بسبب قلة النقود معي. . لكني لازمت الفندق ولم أغادره انتظاراً لاتصال إبراهيم أو سيلفيا. وبعدما فقدت الأمل فيهما جاءتني مكالمة من السفارة الإسرائيلية تطلب مني أن أذهب إليها حالاً. وهناك تعرفت على أبو علمون الذي اعتذر لسفر إبراهيم المفاجئ. . واصطحبني إلى غرفة بها صفوف من المقاعد . . ولما أطفأ الأنوار وأدار آلة عرض شاهدت أنواعاً مختلفة من الدبابات والمدرعات والسيارات المجنزرة. وشرع أبو علمون في تلقيني كيفية التمييز بينها وعندما سألته: لماذا؟ أجابني بأن هذا هو صميم عملي الذي سيكون في ميناء الإسكندرية وسألني بحزم: ألست مغامراً يبحث عن النقود ؟ أجبت في ذعر: بلى .. ولكن . . قاطعني بحسم : نحن نريد أن نمنع الحرب بين مصر وإسرائيل. والشرق الأوسط الآن منطقة ملغومة وسوف ندفع لك مليون مارك – فوراً – إذا عرفنا بواسطتك أن مصر ستحارب. وكيف سأعرف؟ من السهل جداً أن تعرف ذلك . . فإن تدفق الأسلحة من الاتحاد السوفيتي إلى مصر لدليل قوي على نية الحرب عند المصريين، كذلك حركة تنقلات وحدات الجيش المصري .. وما عليك إلا أن تكون عيناً لنا وأذناً. عيناً على ميناء الإسكندرية الذي يستقبل السفن المحملة بالأسلحة والمعدات .. وأذناً لنا نسمع بها ما يدور سراً في الجيش المصري. . كان جسدي يرتعش وحل اضطراب شديد بأعضائي. . الآن .. الآن فقط عرفت مهمتي بالضبط. استغرق أبو علمون في الحديث الذي كان "يطعمه" بالإغراءات المادية. . وبالخير الذي سينصب فوق رأسي بتعاوني معهم . . ويتعمد أن يذكرني كل لحظة بظروفي المعيشية الصعبة .. وبأنني لست في محطة باص ولكن في سفارة إسرائيل. . . كانت نبرة التهديد واضحة ومخيفة تحمل خلفها الموت والدمار. . وتعقبها نبرة مغلفة بالوعود البراقة .. فحوصرت .. ورفعت الراية البيضاء في النهاية. . دون أن أحسب حساباً لمصير أسود ينتظرني . .فقد ملئت ثقة بأنني في مأمن كامل معهم. العملاق الذي مات أعاد أبو علمون تشغيل آلة العرض الـ 16 مليمتراً .. وأخذ يشرح لي الكثير عن الأسلحة المختلفة والمعدات العسكرية. . وبقيت طوال اليوم في السفارة الإسرائيلية أتدرب على تحديد أنواع المعدات وموديلاتها. وعندما عدت إلى الفندق – قامت "كاتيا" التي رافقتني من السفارة، بدفع المتأخرات وصعدت معي إلى غرفتي وقالت لي أنها ستصاحبني إلى سهرة خاصة ستعجبني. أبدلت ملابسي وخرجت معها تقود سيارتها وهي تغني أغنية لأم كلثوم فصرخت بها: أنت فلسطينية؟ نظرت إلي ثم استمرت تردد مقاطع الأغنية وتخترق شوارع بون. . حتى وصلنا الى شارع تصطف على رصيفيه أشجار البونسيانا التي تغطيها الزهور الوردية البديعة وقالت كاتيا: أنا مغربية من كازا بلانكا. وأضافت قبلما نغادر السيارة: ستقضي هنا سهرة العمر. . دلفنا الى فيلا من طابقين بلا حراسة .. وعندما اجتزنا الحديقة سمعت ضحكات نسائية تدور وانفتح الباب عن رجال ونساء لا أعرفهم ولا يعرفونني .. لكن بعضهم أومأ تحية لكاتيا . . وبعد دقائق جاءتني زجاجات الخمور أنتقي منها ما أريد . . ودارت عجلة المجون وصاح البعض في اندهاش وهم يرون فتاة صغيرة شقراء .. لا تتعدى التاسعة عشرة .. ترقص وتخلع ملابسها قطعة . . وراء قطعة وكلما تخلصت من واحدة تزداد أصوات الهمهمات . . وظلت لدقائق عارية الصدر ترقص بورقة التوت الصغيرة ثم تخلصت منها أيضاً والآهات تعلو. وظهر شاب على البيست احتضن الفتاة العارية وأخذا يرقصان في خلاعة .. وتخلص الشاب أيضاً من ملابسه ومارس الجنس بحرية أمام الحضور. عدت الى حجرتي لأستعد للقاء المرتقب مع إبراهيم فأخبرتني كاتيا أنني سأنتقل الى إحدى الشقق لاستكمال الدورة المكثفة، وفي الشقة الجديدة على أطراف المدينة جاء إبراهيم. . وبدأ امتحانه لي بأن أطلعني على صور لبعض المعدات وطلب مني التمييز بينها. . ودربني على ذلك كثيراً، ثم أفاض في شرح كيفية اصطياد المعلومات العسكرية. وفي شبه معسكر مغلق أقمت في الشقة مع كاتيا. معظم النهار في دورات تدريبية مكثفة. . أما الليل فهو ملك كاتيا نمضيه معاً في شرب الخمر وتعاطي الجنس وننام آخر الليل سكارى. وبعد أسبوعين تقريباً كنت قد تعلمت الكثير، ودربت على كيفية الحصول على ما أريد من معلومات من العسكريين. وتعلمت الكتابة على الورق المشبع بالمواد الكيماوية وذلك بكتابة خطاب عادي. . ثم أستخدم الكربون المعد للكتابة السرية لأكتب الرسالة المطلوبة بين السطور . . ثم أمرر الرسالة على بخار براد الشاي لثلاث دقائق. . فتتلاشى آثار الضغط ويصبح شكلها كالرسالة العادية بعد وضعها بين صفحات كتاب كبيرة لعدة دقائق. كانت هذه هي طريقة الكتابة السرية التي دربت عليها وأجدتها عدة مرات. وهكذا أصبحت جاسوساً لإسرائيل دون أن أقاوم. . أو أسعى في محاولة لأن أقاوم. ولم أستطع أن أتراجع. فلقد أغرقوني بالنقود والخمر والنساء الفاتنات. . وأحاطوني بكل الإغراءات فسقطت ولم أفق. لكن بعد عدة أيام . . وفي أواخر سبتمبر 1970 . . حدثت كارثة زلزلتني . . إذ شاهدت في التليفزيون مشاهد عن مصر. وعندما دققت كثيراً – عرفت أن جمال عبد الناصر قد مات .. صرخت دون وعي . . وجاءت كاتيا مسرعة من الحمام وأغلقت التليفزيون وعندما قفزتُ لأفتحه وأنا ألعنها حاولت منعي. فلم أشعر إلا ويدي تنهال ضرباً على وجهها. . وظللت أضربها وهي تصرخ . . ولما اشتد ضربي لها فتحت باب الشقة وخرجت هاربة من جنوني. . وبعد نصف الساعة فوجئت بإبراهيم أمامي . . يصوب مسدسه نحوي ومن خلفه كان هناك اثنان لا أعرفهما . . يحملان رشاشات "عوزي" الأوتوماتيكية. وكان الغضب يطفح على وجههم جميعاً . . وأدركت أنها لحظة النهاية .. !! كيف يصنع الجواسيس. . ؟ كنت منكفئاً على وجهي أبكي بصوت مرتفع . . تحاصرني انفعالات شتى وأنا أتخيل مدى حقارتي . . وامتدت نحوي يد إبراهيم – ضابط المخابرات الإسرائيلي – في محاولة لتهدئتي . . فصرخت في وجهه أن يدعني وشأني. وانفجرت باكياً كأنما أبكي أبي. وملأني شعور غريب. . شعور بالضعف والانكسار والوحدة. واجتاحني إحساس بالضياع. وقال إبراهيم: نحن نقدر أحزانك .. لقد كان ناصر عظيماً. . وأردف بفخر: هناك اتصالات دولية لإرسال وفد إسرائيلي للتعزية. . إنه زعيم عربي لن تنجب مصر مثله .. لقد استشهد وهو يكافح لاحتواء أزمة الفلسطينيين في الأردن.. علا بكائي ولم أستطع كتمان موجات الشجن وسمعت إبراهيم يقول في التليفون: أرسلوا "هيمبل" حالاً ومعه أدواته …يفضل ذلك. وعلى وجه السرعة. إنها ستساعدنا كثيراً. دقائق وجاء الدكتور هيمبل. . نظر في وجهي سريعاً وهو يضع حقيبته على السرير. . وفتحها باهتمام وأخرج سماعته الطبية . .ولما اقترب مني دفعته بقوة فسقط على الأرض وحاولت الهرب من الحجرة. . لكن إبراهيم وحارسيه كانوا قد تمكنوا مني.. وأسرع هيمبل وملأ السرنجة بسائل أصفر .. وبينما كنت أصرخ وأحاول الإفلات كانوا يشلون حركتي .. وحقنني هيمبل في الوريد ورأيت بعدها خيالات أشباح تلف حولي . وعندما أفقت لمحت وجهها الجميل يبتسم. ويدها الرقيقة تداعب شعيرات صدري فلم أكن أتصور أنها هي بلحمها وشحمها وعندما نطقت باسمها صاحت وهي تحتضنني: حبيبي . . حبيبي . . !! نظرت حولي فلم أجد سواها .. ورمقتها بنظرة عتاب فقبلتني قبلة سريعة ملأى بالحنان وقالت: جئت لأجلك حالاً من إسرائيل . . ولن أتركك وحدك أبداً. . احتوتني سيلفيا بحنانها . . ومهدت الطريق لأبو علمون الذي جاءني منتفخ الأوداج يبدو كديك شركسي. . وبعد أن جلس قليلاً ربت على كتفي وقال: فؤاد . . بوفاة ناصر سنكون أكثر احتياجاً إليك. . فالأمور في مصر غير واضحة الآن. لقد كنا نعرف قدرات ناصر جيداً ولكن بمجيء آخر. . ستكون هناك شكوك في نياته . . وعلى ذلك فاحتمالات الحرب مع مصر قائمة. وعلينا أن نتعاون معاً لنحبط الصدام المسلح ونعمل على إفشاله. وبعد انصراف أبو علمون جاء إبراهيم بخطوة الواثق وقال لي: إنها فرصة العمر بالنسبة إليك .. ويجب أن تنتهزها وإلا ضاعت منك الى الأبد . . إنها لحظة رائعة يا فؤاد عندما نخبرك أنك حصلت على مليون مارك ألماني . . لا بد أن تتحرك فهناك من ينتظر هذه الفرصة التي منحناها لك. وقبل أن ينصرف ناولني مظروفاً بداخله ألفا مارك. كانت سيلفيا – عملية الموساد – لا تكف عن ترديد حكايات عجيبة عن المخابرات الإسرائيلية تكاد تكون أساطير من نسج الخيال. وكيف تحمي الموساد رجالها وعملاءها في كل أرجاء المعمورة. ولم تمر سوى أربعة أيام وعاد إبراهيم ليكمل الدورة التدريبية.. وجرى تدريبي على استعمال الشفرة بالراديو . . وكان علي أن أستقبل إشارات معينة على إحدى الموجات فأقوم بمطابقتها على كتاب الشفرة. وسملني أيضاً جهاز راديو خاص وقمت بحل التمارين عدة مرات. . حتى تأكد نجاحي تماماً في استقبال الرسائل وترجمتها. بعد ذلك دربني على استعمال الميكروفيلم في تلقي المعلومات أو إرسالها. فضابط المخابرات يكتب أوامره على صفحة فولسكاب. . ثم يقوم بتصغيرها عدة مرات حتى تصل الى حجم رأس الدبوس. وعندما أتسلمها فوراً أقوم بتكبيرها الى حجمها الأصلي وقراءة الأوامر . . وإرسال المعلومات الى مكاتب وفروع الموساد في العواصم الأوروبية بذات الأسلوب. وبعد عدة أيام لازمني خلالها إبراهيم معظم ساعات النهار استطاع أن يشرح لي أساليب التخفي والتمويه والهرب من المراقبة وإخفاء أدوات التجسس . . وكذلك طرق "جلب" المعلومات من المصادر العسكرية. . وتتبع حركة تنقلات وحدات الجيش. . وكان الأهم. . خاصة بعدما حصلت على دورة سابقة في التمييز بين أنواع الأسلحة والمعدات. وبعد هذا النجاح المثير أعاد إبراهيم حكاية المليون مارك .. ثم وعدني بـ 50 ألف دولار أمريكي إذا أفشيت سر أي عميل للمخابرات المصرية داخل إسرائيل ويقبض عليه فعلاً. وعندما استفسرت عن هذا الأمر وقلت لإبراهيم: كيف لي أن أعرف جواسيس مصر في إسرائيل؟ أجابني بثقة زائدة: من خلال معارفك الذين لهم علاقات بأفراد من القوات المسلحة. . أو من ضباط الجيش أنفسهم . . فالمصري دائماً يتباهى بأنه يحمل معلومات خطيرة مما يعطي انطباعاً بأهميته. فقلت له على الفور: مستحيل أن تصل الدردشة العادية لدرجة البوح بأسرار كهذه. سأقوم بتعليمك كيفية إدارة الحوار مع أشخاص مهمين . . وعليك أن تسعى لخلق صداقات جديدة مع أشخاص في مواقع حساسة للحصول منهم على معلومات. أية معلومات لا بد أن تكتبها لنا. وعليك أن تفهم جيداً أن هؤلاء الذين يشغلون مناصب مهمة لديهم اتصالات بآخرين في مواقع أهم. وأثناء جلسات اللهو والمرح. . "يفضفض" كل واحد بما لديه من معلومات وأسرار. . .وتصبح أدق المعلومات العسكرية مادة سهلة التداول، وعليك حينئذ أن تدير الحوار ببراعة .. كما سأعلمك استخلاص ما هو أكثر مما قيل. وفي دورة أخيرة لإدارة حوار مع شخصية مهمة .. أخذ إبراهيم يعلمني كيف أثير الطرف الآخر وأجعله ينطق ويبوح بكل ما هو سر لديه.. وذلك بعدة طرق منها أن أذكر له معلومات خاطئة فيصححها لي . . وإذا كان ضابطاً في الجيش . . أتعمد تذكيره بهزيمة الجيش أمام حفنة من جنود إسرائيل .. فيندفع ثائراً ويقول ما عنده من أسرار الاستحكامات والتدريبات. . والأسلحة الحديثة التي وصلت ويتدربون عليها. . وأيضاً دور الخبراء السوفييت في إدارة بعض النواحي الفنية في الجيش المصري. وفي النهاية – طمأنني ضابط المخابرات الإسرائيلي أنني أصبحت جاهزاً للعمل في مصر بما لدي من خبرة ودراية كبيرة بعد هذه الدورات التدريبية المكثفة. وأخبرني بأن راتبي الشهري ابتداء من الآن هو 300 دولار أمريكي عدا المبالغ الأخرى التي ستخصص لي بعد كل خطاب أرسله إليهم به معلومات مفيدة. وقال إبراهيم أن بإمكاني الحصول على ألف دولار شهرياً – بخلاف الراتب - .. وهذا يتوقف على أهمية المعلومات التي أرسلها لهم "مع العلم أن مرتب الموظف خريج الجامعة كان لا يزيد عن 18 جنيهاً". وطلب مني الاستعداد للعودة الى مصر.. وإيهام أهلي وأصحابي بأنني كنت أعمل في تجارة السيارات في ألمانيا .. حتى لا تثير النقود الكثيرة التي معي أية شبهة. وقبل أن يتركني لقضاء عدة أيام مع سيلفيا قبل سفري الى مصر . . منحني ألف مارك وأعدت سيلفيا رحلة ممتعة الى الجنوب الألماني حيث بحيرة كونستانس الواقعة على الحدود مع سويسرا والنمسا . . وأمضينا عدة أيام في "فريدر كسهافن" وتجولنا حتى وصلنا الى حيث انتهى نهر الدانوب الشهير ومروراً بمدينة فريبورج في الغابة السوداء. وفي شتو تجارت نزلنا بفندق "برات" واشتريت بعض الهدايا .. وركبت الطائرة مودعاً سيلفيا الى روما ومن روما الى القاهرة. نوسة . . التي أطلت كان أفراد أسرتي في انتظاري والسعادة تملأ وجوههم وهم يرون أعداد الحقائب التي معي محملة بالهدايا. وفي الإسكندرية كان أول ما خطر ببالي الاتصال بنوسة . . فذهبت سريعاً الى صديقي حاتم ورجوته أن يطلعني على أخبارها. . وعندما تبين لي أنه لا يعرف أكثر مما ذكره لي في رسالته قررت نسيانها.. والعمل فوراً فيما جئت من أجله. بدأت أبحث عن صداقات جديدة وأوطد علاقاتي ببعض الموظفين في ميناء الإسكندرية. . وكنت أسجل المعلومات التي أحصل عليها أولاً بأول وأرسلها في الحال الى العنوان الذي طلبوا مني مكاتبتهم عليه في لندن "مستر طومبسون ص. ب. 329". . وكانت رسائلي لا تحوي معلومات عسكرية فقط. . بل حوت أخباراً اقتصادية عن رسو عدد من السفن العملاقة تحمل بداخلها آلاف الأطنان من الحبوب أو السكر . . كانت حركة الميناء من وارد وصادر تقريباً مرسلة إليهم في لندن.. وأصبح العمل بالنسبة لي بعد مرور عدة أشهر من أسهل ما يمكن. فعلاقاتي تعددت وتشعبت. . وتجيئني المعلومات دون جهد يذكر من خلال الأحاديث العادية التي لم تكن تحمل ما يدل على اهتمامي. وذات يوم في نوفمبر 1971 جائتني رسالة غريبة بواسطة الراديو . . كانت الرسالة تحمل تحذيراً واضحاً. . ومخيفاً في ذات الوقت: "لا تقرأ في الصحف المصرية – مطلقاً – أية أخبار تتعلق بإلقاء القبض على جواسيس لإسرائيل. هذا أمر وعليك تنفيذه". انزعجت كثيراً لهذه الرسالة التي لفتت انتباهي وأثارت قلقي . . ودفعتني رغماً عني لقراءة كل الصحف المصرية صباح كل يوم، حتى قرأت خبراً عن سقوط جاسوس مصري يعمل لصالح إسرائيل. . فاضطربت حياتي وامتنعت عن الخروج من المنزل لعدة أيام. كانت الرسالة تأتيني عن طريق الراديو – مكررة – حتى بعدما قرأت الخبر – فيحل الرعب بي وتهرب المغامرة .. وكانت أية أصوات أقدام تصعد السلم تصيب أطرافي بالشلل. فكتبت رسالة تحمل ما أشعر به وتترجم معاناتي. . وفوجئت بالرد يصلني سريعاً بالراديو يطلب مني السفر الى لندن في أسرع وقت. وبينما كنت أعد حقيبتي . . دق جرس التليفون وكانت على الطرف الآخر .. نوسة!! مرت ساعة واحدة وكنت أجلس في أحد أركان كافيتريا فندق فلسطين.. وكان اللقاء مدهشاً.. وظل كفها الصغير بين كفي لفترة طويلة. وعندما همست باسمي طلبت منها ألا تتكلم.. أردت فقط أن أنظر لوجهها الذي حرمت منه لمدة عامين. . ومن داخلي كنت أرقص طرباً وأجريت مقارنة سريعة بينها وبين سيلفيا وكريستينا وكاتيا وغيرهن. . إنها أجمل منهن جميعاً. . بل تكفي ابتسامتها لتبدل مذاق حياتي وتضفي عليها البهجة. . إن مذاقها لعجيب .. عجيب والجنس معها له طعم ونكهة لا يوجدان في أية امرأة أخرى قط. وفي آخر يناير 1972 كنت في لندن. . وكان في استقبالي ضابط المخابرات الإسرائيلية المسؤول عني – إبراهيم يعقوب – وبصحبته ضابط آخر اسمه "بوب" في السفارة الإسرائيلية في لندن. وطلبا مني أن أهدأ وألا أتوتر لهذا الحد. . وقالا لي: إذا كانت الصحف المصرية قد نشرت أخباراً عن إلقاء القبض على جاسوس يعمل لصالح الموساد .. فهذا ليس سوى دعاية مضادة.. وأسلوب تخويف لجواسيسهم في مصر . . ومثل هذه الشائعات معروفة لديهم وأسلوب قديم تستخدمه أجهزة المخابرات كل مدة. لم أهدأ رغم ما قالاه لي. . فرأى إبراهيم أن يوكل إلي عملاً آخر في لندن. وكان عملي منصباً علي التعرف الى المصريين الموجودين في لندن أو القادمين الجدد .. لعلي أنجح في تجنيد أحدهم وأتقاضى مكافأة ضخمة .. ووجد إبراهيم أنني بحاجة الى تمرين فأخذني الى إحدى الشقق . . وجرى تدريبي على العمل الجديد في اصطياد مصري يصلح جاسوساً لإسرائيل. وبعد دورة مكثفة من إبراهيم. . جاء بوب هو الآخر لتدريبي على كيفية العيش في لندن . . وتقصى أماكن تجمع المصريين كالفنادق والمقاهي والمطاعم المختلفة. وكانت لندن حينئذ تستقبل مئات الشباب من مصر بدعوى الدراسة أو السياحة أو العلاج. وفشلت في مهمتي.. فظروف النكسة كانت مختلفة وغالبية المصريين الذين يسافرون الى لندن كانوا على درجة من الوعي والثقة في النظام السياسي الجديد. . خاصة بعد تصفية مراكز القوى وانشغال الرأي العام بوعود الرئيس السادات. ولكن في مصر كانت مساحة الوعي السياسي تختلف. أدرك بوب بحاسته كضابط مخابرات أنني لم أنجح في لندن. ولأنني أيضاً أدركت ذلك بعد أن فشلت كل محاولاتي في الإيقاع بمصري واحد. . فقد عرضت على بوب أن أسافر الى مصر فالمجال هناك أفضل بالنسبة لي. وبعد عدة أيام وصل إبراهيم من بون ووافق دون تردد على عودتي الى مصر . . وأعطاني راتبي المتراكم بخلاف مكافآتي وكانت 4500 دولار. ولكني بعدما عرفت قيمتي لديهم .. وبأن الموساد لا تبخل على جواسيسها. . اعترضت قائلاً إن المكافأة هزيلة جداً. وأن قيمة المعلومات التي قمت بإرسالها تزيد عن هذا المبلغ كثيراً. ووصفني إبراهيم بأنني أصبحت لحوحاً. . فطلبت منه زيادة المبلغ الى 7000 دولار. . وإضافة مبلغ آخر قدره 5000 دولار كمقدم إيجار شقة أستطيع من خلالها أن أمارس عملي في التجسس بحرية . . وقد كان. النفس الخامس عدت الى الإسكندرية بأكثر من 19000 دولار. . مبلغ كبير لا شك في ذلك. . واستأجرت شقة في شارع خالد بن الوليد في ميامي. وقررت أن أستغل نشاطي التجسسي لجمع أكبر عائد مادي ممكن. لقد عشت حياتي السابقة محروماً تلسعني رغبة الاحتياج والعوز. . لذلك. . كنت أضع تقييماً لكل معلومة أرسلها إليهم وأحسب مستحقاتي وأغالي في الثمن، ثمن أعصابي التي تحترق كل لحظة .. وعمري الذي أضعه رهن أتفه معلومة أدونها.. استمرأت طعم الخيانة شيئاً فشيئاً. . وبعدما بعت أمن وطني وأهلي، لم أجد غضاضة في أن أخون رجلاً آخر لا أعرفه. . لكنه امتلك ما عجزت عن امتلاكه. . فإنني الآن أصبحت قادراً على امتلاك أشياء ليست في حوزتي وأهمها نوسة. . التي جاءتني جرياً تفند لي أسباب زواجها . . فلم أهتم .. (!!) لقد عانقتني في شقة ميامي بمجرد أن فتحت حقيبة هداياها العامرة. وبعد دقائق.. فتحت باب حجرة النوم ونادتني من الداخل . . وعندما دخلت عليها كانت بلا شيء. . أي شيء. . بلا حياء أو خوف أو . . ملابس. . إنها أيضاً تدفع الثمن مثلي تماماً. . لا .. إنها تخون زوجها أما أنا .. فأخون وطني كله. .!! تحولت الشقة الى وكر للخيانة. . وللملذات، خمر .. وحشيش. . ونساء ساقطات.. ورجال ربطتني بهم صداقات مفتعلة، وعندما كان ينشط مفعول الخمر والنساء. . لا تدري العقول ماذا تقول؟!!. هكذا كانت الأيام تجري سريعاً. . والمعلومات تتدفق في سلاسة.. والثمن أقبضه أنا كما أريد.. وبالسعر الذي أحدده..!! في تلك الأثناء.. لم تكن المخابرات المصرية غافلة عما يحدث في شقة ميامي التي ذاع صيتها.. وفاحت منها رائحة الخيانة تعلن عن الجرم صراحة. واختارت المخابرات المصرية أحد مرشديها الذي يعمل موظفاً بشركة الملاحة البحرية – واسمه ممدوح – ليقتحم هذا الوكر ويرصد ما به. فكان ينقل مشاهداته الى العميد حسن واصف – المسؤول عن مكتب المخابرات في الإسكندرية – وفي نفس الوقت وضع تليفون فؤاد تحت المراقبة . . وبذلك أصبح الجاسوس تحت سيطرة جهاز المخابرات وتحركاته مرصودة تماماً دون أن يعرف. ويكمل الجاسوس سرد قصة الإيقاع به قائلاً: جاءتني بطريق الراديو رسالة تطلب مني السفر الى روما لمقابلة دانيال .. وهو ضابط المخابرات الإسرائيلي في السفارة الإسرائيلية هناك. . وبالفعل .. أعددت الكثير من التقارير والمعلومات التي حصلت عليها وسافرت بها الى روما . . وكان اللقاء مثيراً للغاية . . إذ كان الضابط سخياً جداً ومنحني ما طلبته من مقابل بل وزاد عليه ألفاً وخمسمائة دولار. . وعدت الى مصر بالثروة التي حصلت عليها مقابل بضع معلومات استقيها من أفواه "المساطيل" واشتريها أحياناً بالهدايا. وبعد عودتي بحوالي أسبوع واحد.. كانت نوسة عندي بالشقة تتسلم هداياها وتسلمين جسدها الرائع، فنمت مرهقاً بعدما سجلت بعض المعلومات التي وصلتني على ورقة وضعتها بجانب السرير ولم أقم بكتابتها بالطريقة السرية التي دربت عليها. وعند الفجر .. دق جرس الباب دقات خفيفة فظننتني أحلم. واستيقظت فجأة على يد تهزني فشلني الذعر .. لأجد الحجرة كلها قد زرعت برجال لا أعرفهم. تناول أحدهم الورقة المسودة وفتشوا الشقة جيداً. . وعثروا على كل الأدلة والأدوات التي تؤكد أنني جاسوس .. خائن. اصطحبوني الى القاهرة وأخضعت لتحقيق مطول لعدة أيام . . واكتشفت أنني كم كنت واهماً. . فتصرفاتي كلها كانت مكشوفة. . وحركاتي مرصودة. . وخطاباتي مقروءة. . حتى زيارتي الى رومات ولقاءاتي كانت بالصوت والصورة لدى المخابرات المصرية. اعترفت في الحال بكل شيء دون إكراه. . فالأدلة كانت كلها ضدي ولا تترك لي المجال لكي أنكر . . ووجهت إلى النيابة العسكرية اتهاماتها الآتية: üالسعي لدى دول معادية "إسرائيل" لمعاونتها في عملياتها الحربية. üالحصول على مقابل مادي بقصد ارتكاب عمل ضار بالمصلحة القومية وهو إفشاء أسرار البلاد. üالحصول على أسرار الدفاع عن البلاد وتسليمها لدولة أجنبية معادية وهي إسرائيل. لقد اعترفت بكل شيء وبرغم الاحتقار الذي أشعر به تجاه نفسي ..إلا أنني أعترف بصراحة بأن حبي لتلك المومس – نوسة – هو الذي دفعني للخيانة .. خيانة وطني!! انتهت مذكرات الجاسوس فؤاد حمودة .. ولكن، ماذا حدث له بعد ذلك؟ تشكلت محكمة عسكرية عليا لمحاكمته. وبعد عدة جلسات أصدرت حكمها بإعدامه شنقاً . . وصدق رئيس الجمهورية على الحكم وأحيل للتنفيذ في سجن الاستئناف بالقاهرة.. وفي صباح السابع عشر من يناير 1973 .. كان يوم تنفيذ الحكم .. حيث سيق المتهم الى غرفة الشنق .. يجرجره جنديان . . ويصرخ قائلاً: أنا بريء . . بريء . . ثم يصرخ ثانية: إعدموها معايا .. اعدموا نوسة .. اعدموها. "وقف إمام السجن ومأمور التنفيذ في انتظار وصول الخائن من زنزانته. . ولكن محاميه اقتحم المكان فجأة .. وبيده وثيقة رسمية تفيد أن موكله "مجنون" وهو غير مسؤول عن تصرفاته. . ويطالب بوقف تنفيذ الحكم كما ينص القانون. . وبهذه الحيلة . . أفلت الخائن من الإعدام لمدة أسبوعين فقط. . فقد رفضت المحكمة الاستشكال القانوني الذي تقدم به المحامي . . وسيق المتهم مرة ثانية الى غرفة الإعدام حيث أعدت المشنقة لاستقباله، وقام مأمور التنفيذ العميد بدر الدين الماحي بسؤاله عن آخر طلب له في حياته.. فطلب سيجارة . . وأشعلها له المأمور وحبل المشنقة حول عنقه. وبعد أن سحب النفس الخامس . . انفتحت فجأة طاقة جهنم تحت قدميه، وتدلى جسده. آخر تعديل ܔْށالوعـد الأخـيرܔْށ يوم
05-23-2009 في 10:11 AM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 10 (permalink) |
|
| أمير الظلام لم يبقَ للرجل الملقب بـ (أمير الظلام) إلا دقّ رأسه في الحائط ، بعد أن صعقه الخبر الذي تلقّاه للتو ، و هو مقتل أحد أكفأ رجاله على يد مقاوم فلسطيني . كان (أمير الظلام) أو (الرجل الغامض) أو (الرجل الظل) كما تسميه الصحف ، يتربع على رأس جهاز (الشاباك) ، ومن يحتل هذا المنصب يكون لديه صلاحيات واسعة ، و منها اتخاذه للقرارات بمفرده ، و عادة ما يكون رأيه في القضايا الأمنية ملزماً لحكومته ، و لكن من جانب آخر فإنه يتحمّل مسؤولية كلّ ما يحدث في الجهاز الذي يترأسه ، و كل خطأ يرتكبه أي من رجاله فإنه يتحمل المسؤولية الكاملة عنه . و في ذلك الصباح ، لم يكن أمير الظلام قد تناول قهوته بعد ، عندما دق هاتفه الخاص و حمل له نبأ مقتل أحد أكفأ رجاله . و لم يكفِ سيل السباب و الشتائم التي أطلقها في الهواء لكي تهدّئ من روعه ، لأنه كان يعرِف معنى أن يقتَل أحد رجاله بتلك الصورة التي حدثت ، و يعلم أن قيادته السياسية ستحمّله المسؤولية المباشرة عن ذلك و ربما سيفقد منصبه و ينهار مستقبله المهني في الجهاز الذي حقّق نجاحات كبيرة في عهده ضد المقاومين الفلسطينيين . و كان عليه وسط همومه و غضبه أن يتصل برئيس وزرائه بواسطة الخط الساخن بينهما فوراً و كذلك إبلاغ وزير الحرب و قائد الجيش و قادة فروع أجهزة المخابرات الأخرى ، كجهاز الموساد المناط به العمليات الخارجية . ولم يكن يدرك بعد و هو يقوم بمهمة الإبلاغ ، كيف حدثت بالضبط عملية قتل ضابطه ، و لم يكن يعرف بالطبع أن عملية القتل تقرّرت في ذلك اليوم الذي عاد فيه عامل فلسطيني إلى منزله يحمل في قلبه و عقله مأساة شعبه . حسن و ابنته ميرفت عاد الشاب حسن أبو شعيرة إلى بيته في مخيم (بيت جبرين) للاجئين الفلسطينيين في مدخل مدينة بيت لحم الشمالي و هو فرح ، رغم أنه كان منهكاً بسبب عمله الشاق في أحد الفنادق . كان حسن بسيطاً في تعليمه و معيشته ، و كذلك كان ذكياً و حساساً جداً لمعاناة أهله و شعبه ، خصوصاً و أنه يعيش في مخيم للاجئين ، و مثلما جاء أبواه من قرية (بيت نتيف) قرب مدينة (الرملة) الفلسطينية ، بعد أن احتلها الصهاينة و شرّدوا أهلها عام 1948م و الذي يسمّيه الفلسطينيون و العرب و الأحرار في العالم عام النكبة ، التي أقيمت فيه دولة (إسرائيل) على أنقاض الشعب الفلسطيني ، فإن جميع أهالي المخيم جاءوا من قرى هدمها المحتلون بعد اقتحامها و قتل العشرات من سكانها المدنين العزل ، و خصوصاً من قرية (بيت جبرين) التي جاء منها معظم سكان المخيم و الذي سمّي المخيم باسمها ثم أطلق على المخيم اسم (مخيم العزة) . كان حسن يرى و يسمع و يشعر بمعاناة أهله في المخيم الذي ولد فيه عام 1969م و في المدن و القرى المجاورة ، و نشأ و هو يرى جرائم المحتلين الصهاينة فانضمّ إلى المقاومة عام 1985م و نتيجة لذلك اعتقله المحتلون و زاده السجن إصراراً على مواصلة النضال ، فعندما خرج منه شارك مجموعات المقاومة في مخيمه في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى (1987 - 1992م) و تكرّرت تجربة السجن معه ، و في انتفاضة الأقصى التي بدأها الشعب الفلسطيني في 28/9/2002م ، كان حسن ضمن مجموعات العمل العسكري السري ، و شاهد كيف ارتكب المحتلون الصهاينة جرائم قتل للأطفال و الشيوخ و الرجال بدم بارد ، مثلما حدث مع الشهيد الطفل محمد الدرة الذي قتل و هو يحاول الاحتماء بحضن أبيه ، والطفل مؤيّد الجواريش الذي قتله قناص صهيوني بينما كان يحمل حقيبته المدرسية على ظهره فتناثر مخه على دفاتره المدرسية . وعندما عاد حسن مساء ذلك اليوم إلى منزله ، حدثته ابنته ميرفت كيف سقط مؤيّد بين أيدي أصدقائه الأطفال في نهاية يوم دوام مدرسي ، و نقل مصوّروا وكالات الأنباء العالمية صور مؤيّد إلى أنحاء العالم ، و لكن هذا العالم بقي نائماً عن مأساة الفلسطينيين . ولم يحرّك هذا العالم ساكناً ، حتى عندما خرج الطبيب الألماني فيشر من منزله ليلاً ليسعف مصابين فلسطينيين فقصفته المروحية العسكرية الصهيونية أمام منزله ولم يعد لأطفاله وأبنائه الذين كانوا ينتظرونه، و مثلهما الكثير من الشهداء . ومن الصعب على حسن أو على غيره من الفلسطينيين أن ينسوا ليلة القصف المخيفة تلك ، التي ذهب فيها الدكتور (فيشر) إلى غير عودة ، كانت مروحيات الاحتلال تطلق النار على كل شيء متحرك . وفي الصباح ، ذهب حسن إلى منزل الدكتور فيشر ، مثلما فعل المئات من المواطنين ، كانت رائحة الدم المختلط مع التراب تزكم الأنوف ، في المكان الذي سقط فيه الدكتور فيشر بينما كانت إحدى القطط ، غير عابئة بحركة المواطنين ، تضع قطعة صغيرة من اللحم في فمها و تركض بها إلى الحقول المجاورة لتنضم إلى قطط أخرى كانت تفتّش بحاسة الشم عن قطع أخرى تناثرت من جسد الطبيب الذي قطّعته القذيفة الصهيونية إلى أشلاء يصعب حصرها . كان منزل الدكتور ذي الطابقين يعجّ بالمواطنين ، و كانت زوجة الدكتور جالسة ترتدي ملابس سوداء وسط النساء ، تحاول أن تتماسك أمام أبنائها ، بينما كانت مجموعات النساء تشدّ من أزر الزوجة و الأبناء . وبعد أن قام بواجب العزاء ، خرج حسن من المنزل ، و على الدرج سمع إحدى النساء تقول لامرأة أخرى : هذا قدرنا ؟ ماذا نفعل ؟ يجب أن نقبل به .. ! ولم يقبل حسن على نفسه أن يجلس يندب قدره و حظّه و هو يرى جبروت الاحتلال الصهيوني بينما أشقاؤه العرب و المسلمون و العالم كله لا يحرّك ساكناً ، ففكّر بكيفية مواجهة المحتلين المدجّجين بالأسلحة الحديثة و التكنولوجيا خصوصاً تلك التي تأتيهم من أمريكا ، و رغم أنه أدرك صعوبة ذلك إلا أنه قرّر أن يفعل شيئاً ، و قال لنفسه : "لن أكون بأقل من الشهداء غيري الذين قاوموا ظلم الاحتلال طوال عشرات الأعوام" . وهداه تفكيره إلى خطة بدت جنونية و هدف منها ليس فقط المشاركة في المقاومة بل الانتصار على الجيش الصهيوني الذي يقول عنه الصهاينة إنه جيش لا يقهر ، و أكثر من هذا قرّر الانتصار على المخابرات الصهيونية التي تعدّ من أقوى مخابرات العالم ؟ فهل سينتصر فعلاً ؟ . كما قلنا عاد حسن فرحاً إلى المخيم حيث يسكن و دخل منزله ، و رغم أن زوجته أدركت بأنه فرحٌ إلا أنها أبدت استغرابها عندما رأته ساهماً و هو يحتضن ابنته ميرفت بعد أن سألها عن مدرستها ، و لم تشأ زوجته أن تضايقه بإلحاحها و أسئلتها فتركته على سجيّته و قالت في نفسها : "الله يحميه و يحمي جميع الشباب من البطش الصهيوني" . قالت ميرفت لأبيها : اليوم لم نكمل الدراسة بعد أن قذفنا جنود الاحتلال بقنابل الغاز المدمع و أصابوا العشرات من التلميذات بالاختناق . وسألت ميرفت : إلى متى سيبقى المحتلون هكذا يسرقون الأرض و يقتلون الأطفال و يطاردونهم في مدارسهم ؟ ربّت حسن بيده على كتف ابنته و ضمّها إليه بحنان قائلاً : ثقي يا ابنتي لن نجعل المحتلين ينعمون بالأمن و الهدوء و نحن نراهم يقتلون رجالنا و نساءنا و أطفالنا و يشرّدوننا عن أرضنا . قفزت ميرفت من حضن والدها و كأنها تذكّرت شيئاً : هل تعرف يا والدي ؟ ، جنود اليهود جبناء ، اقترب أحدهم من المدرسة و هو يصوّب بندقيته نحو مجموعة من الطالبات الصغيرات ، و قبل أن يطلق الرصاص ، رشقته الطالبات بالحجارة و عندما رآهن يحملن الحجارة هرب و هو يصرخ .. ! قال حسن : هذا هو الفرق ، يا ابنتي بين صاحب الحق و السارق الذي يعرف أنه يعتدي على الناس و لا يستطع أن يعيش إلا إذا قتل أكبر عددٍ منهم ليطمئن و لو قليلاً ، و لكن المقاومين لن يتركونهم .. ردّت ميرفت : عندما أكبر يا والدي ، سأنضم للمقاومة ضد قتلة الأطفال . ترك حسن ابنته لتذاكر دروسها ، و بعد أن أخذ له مكاناً في المنزل ، بدأ يستعرض ما جرى خلال الأيام الماضية و يكاد لا يصدّق نفسه بأنه كسب ثقة رجل المخابرات الصهيوني البارز مودي . وتساءل حسن فجأة "هل يمكن فعلاً أن يكون مودي بلع الطعم" ؟؟ ... و سرّ تساؤل حسن هو معرفته الأكيدة لشخصية الضابط الصهيوني مودي . الضابط مودي كان (يهودا إدري) الملقب مودي من أذكى ضباط المخابرات الصهيونية (جهاز الأمن العام) و المسمّى (الشاباك) و هذا الجهاز مختص بملاحقة الفدائيين الفلسطينيين و اغتيالهم و اعتقالهم و التحقيق معهم ، و على يد محقّقي هذا الجهاز سقط العشرات من الشهداء الفلسطينيين في زنازين المحتلين التي يمارس فيها أبشع أنواع التعذيب . ونظراً لذكائه و مثابرته أصبح برتبة (لفتنانت كولونيل) أي عقيد في شعبة الاستخبارات العسكرية ، و انتقل إلى الخدمة في جهاز (الشاباك) بعد اندلاع انتفاضة الأقصى للمساعدة في جمع المعلومات الاستخبارية و تجنيد و تشغيل العملاء و تنفيذ اغتيالات ضد الكوادر الفلسطينية . ولم يكن اختيار (إدري) الذي أصبح اسمه الكودي بعد انتقاله إلى (الشاباك) مودي عفوياً لمهمة قيادة ملف (504) المناط به تجنيد العملاء و المسؤولية عن تصفية كوادر الانتفاضة ، فهو يجيد اللغة العربية و يتحدّثها بطلاقة و خبير في العادات و التقاليد العربية ، و كان من أبرز المحاضرين في دورات إعداد وحدات (المستعربين) وضباط الاستخبارات، ووحدات المستعربين هي ما يسمّيها الفلسطينيون وحدات الموت، حيث يقوم أفرادها من الكوماندوز بالتخفّي بالزي العربي ومهاجمة الأفراد و المواطنين الذين يتقرّر تصفيتهم أو اعتقالهم من قبل أجهزة مخابرات الاحتلال . ويعتبر العقيد مودي من غلاة المتطرفين المستوطنين ، وهو يسكن في إحدى المستوطنات التي أقيمت على أرض تم اغتصابها من الفلسطينيين و تشريد سكانها . ومنذ تسلّم عمله الجديد في (الشاباك) بدأ مودي عمله بهمة و نشاط و استطاع التخطيط لقتل حسين عبيات قائد كتائب الأقصى التي انتمى لها حسن أبو شعيرة ، وذلك بقصف سيارته بالصواريخ مما أدّى إلى استشهاده و استشهاد سيدتين هما : عزيزة دنون و رحمة شاهين . كان حسين عبيات نزل بسيارته مع آخرين من المقاومين إلى مدينة بيت ساحور ، لمعاينة آثار القصف الصهيوني على منازلها ، و بعد أن أوقف سيارته على جانب الشارع نزل و رفاقه إلى المنازل المتضررة ، و عندما عادوا إلى السيارة ، أطلقت الطائرات الصهيونية التي كانت تحلّق بعيداً الصواريخ على السيارة فهشّمتها ، و استشهد حسين و السيدتان و أصيب آخرون . ورغم أن عملية قتل القائد حسين عبيات الذي أرّق جنود الاحتلال و المستوطنين بعملياته الجريئة ، لم تستلزم من مودي كثيراً من العمل الاستخباري، بسبب عدم أخذ حسين الاحتياطات اللازمة في التخفّي ، واعتماد مودي ورؤسائه في الشاباك على التفوّق التكنولوجي والطائرات الأمريكية المزوّدة بأحدث الأجهزة، إلا أن قتل حسين عبيات، أثار سعادة كبيرة لدى قادة إسرائيل، ولم يخفِ هؤلاء فرحهم بقتل عبيات ، وعبّر عن ذلك الفرح ، بشكلٍ علني رئيس دولتهم (موسى قصاب) ورئيس حكومتهم الجنرال باراك وقائد الجيش الجنرال موفاز وسلسلة طويلة من المسؤولين الصهاينة . وفي أحد مكاتب الشاباك كان مودي يشرب مع زملائه و على رأسهم أمير الظلام الغامض قائد الشاباك نخب الانتصار بمناسبة قتل حسين عبيات . و تمكن مودي أيضاً من التخطيط لاغتيال الشهيد يوسف أبو صوي و هو أحد كوادر انتفاضة الأقصى البارزين ، الذي كان يمارس نشاطه بسرية تامة و لا يظهر كثيراً بشكلٍ علني ، و لكنه لم يستطع مقاومة الذهاب إلى منزل والده لتناول إفطار رمضان ، و وصل إلى منزل والده و كان يظن أنه نجح بذلك دون أن ترصده عيون مودي و لم يعرف بخطئه إلا قبل دقائق من أذان المغرب ، فعندما نزل يوسف إلى أمام المنزل ، كانت سيارة تتقدّم منه بسرعة يسبقها إطلاق عيارات نارية من قناصة محترفين باتجاهه ، و تغطّي عليها مئات الطلقات النارية التي انطلقت من الرشاشات الثقيلة من مواقع جيش الاحتلال على التلال القريبة من المستوطنات . و سقط يوسف شهيداً و جسده مطرّزاً برصاص الحقد . ونجح مودي كذلك في اغتيال الشهيد (أحمد خليل أسعد) القائد في سرايا القدس و هي الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية . كان هذا المقاوم المعروف باسم (أبو خليل) قدّم الكثير من أجل وطنه و أمضى سنوات طويلة في المعتقلات الصهيونية بسبب نضاله ضد الاحتلال ، وفي انتفاضة الأقصى كان يقود مجموعات عسكرية وخلايا تنشط ضد المحتلين ولم يتمكّن مودي من النيل منه ، فاعتقل والده العجوز ورماه في زنازين التعذيب كوسيلة ضغط على (أبو خليل) ، الذي كان يعرف أن النضال ضد الاحتلال له ضرائبه و يلزمه تضحيات ، فاستمر في العمل سراً ، ولم يكن يتردّد على منزله إلا نادراً خوفاً من رصده من قبل رجال مودي ، الذي درس عدة خطط للتخلّص من أبي خليل ، ووجد أنجحها تلك التي ستنفذ عندما يكون (أبو خليل) في منزله . وعندما تأكّد مودي أن (أبو خليل) في تلك الليلة في المنزل ، أعطى الإشارة إلى وحدة الاغتيالات الخاصة بتنفيذ الخطة ، و أمضى أفراد تلك الوحدة ليلتهم في الجبل البعيد المقابل لمنزل (أبو خليل) الذي عندما خرج صباحاً من منزله ، كان أفراد هذه الوحدة المتخفّين يطلّون برؤوسهم من الخنادق التي حفروها في الجبل يطلقون العيارات النارية من الرشاشات الثقيلة ليسقط (أبو خليل) أخيراً أمام عيني ابنته الصغيرة . وجعل هذا النجاح مودي يبدو مغروراً خصوصاً بعد الثناء الذي كان يلقاه من رئيسه في الشاباك (آفي ديختر) ورئيس دولة الكيان الصهيوني ورئيس وزرائها و قائد جيشها . ولكن رغم هذا النجاح إلا أن الانتفاضة كانت تسير بخطى واثقة و العمليات الفدائية مستمرة ، وكان على مودي أن يحاول اختراق مجموعات المقاومة و لهذا ذهب إلى حسن بعد أن درس ملفّه بالطبع ، و عرف أنه كان نشيطاً في العمل الفدائي ثم ها هو يراه مبتعداً عن العمل الفدائي و يعمل عملاً شاقاً في فندق و لا بد أنه بحاجة للنقود . قال مودي لحسن : كما تعلم فإننا نعرف كل شيء عنك : عندما عملت في السابق مع (المخرّبين) ، تمكّنا من القبض عليك و سجنك أكثر من مرة .. ! فأجابه حسن : ما دمتم تعرفون كلّ شيء ، فإنّكم لا بد تعرفون أنني تركت كلّ شيء و أهتم فقط بتوفير لقمة الخبز لأبنائي في هذه الظروف القاسية . ردّ عليه مودي : قلت لك نعرف كلّ شيء عنك ، و لهذا نريدك أن تساعدنا في القبض على (المخرّبين) . أجابه حسن بلهجة حازمة و واثقة : لقد تركت العمل المقاوم و لا أعرف أي شيء ، و لا أستطيع مساعدة أحد سواء كنتم أنتم أو غيركم . قال مودي بلهجة تهديد : لك زوجة و أبناء ينتظرون عودتك كلّ يوم ، و إذا لم تعمل معنا ، فأنت تعرف بأننا نستطع قتل زوجتك و أطفالك ، مثلما فعلنا ذلك كثيراً ، فاعمل معنا أحسن لك ..! وتراجع مودي عن لهجته السابقة و قال بتودّد : و إذا عملت معنا لن نبخل عليك ، و بدلاً من أن تفقد أطفالك ، سنعطيك مالاً لتصرف عليهم ..! وتكرّرت الضغوط من مودي على حسن الذي بدا له عرض مودي مفاجأة محزنة له ، إلا أنه فكّر أن يجعل الأمر مختلفاً و يقلب السحر على الساحر ..! وبعد أشهر من مجاراة مودي و إيهامه بأنه يعمل معه ، قال له مودي : يا حسن أنت من أفضل عملائنا ، و أثبت إخلاصك و نرجو أن تستمر بالعمل معنا بهمة عالية و نحن لن نبخل عليك بأيّ شيء تطلبه . وكان ذلك يعني أن حسن استطاع أن يكسب ثقة مودي ، و أن هذا لا يشكّ في حسن ، لذلك كان فرحاً في ذلك المساء عندما عاد إلى منزله . رفاق حسن كان حسن يعرف أن للعقيد مودي عيون من العملاء ترصده لتنقل تحرّكاته إلى مودي فضاعف عمليات التمويه بعد أن تلقّى عرض الخيانة . فعندما يعود إلى منزله ينزل من السيارة على بعد مائة متر من المكان الصحيح و يسير مشياً و هو يراقب إذا كان أحد يتبعه ، و يسقط من يده جريدة يحملها و عندما ينحني لالتقاطها عن الأرض يتلفّت يميناً و يساراً ، ثم يقف أمام دكان (أبو محمد) في مدخل المخيم ، ويدردش مع أبي محمد و هو ينظر حوله ليتأكّد إذا كان مراقباً أم لا ، و يصل إلى بيته بعد أن يدور في أزقة المخيم ، وكلّ فترة و أخرى يطلّ من شباك المنزل على الشارع ، دون أن يلحظه أحد ، ليرى إذا كان يقف هناك أي من المخبرين الذين يعملون مع مودي . واتخذ إجراءات مشابهة لدى خروجه من منزله و ذهابه إلى أي مكان يريده ، و عندما كان يجد شخصاً يتبعه ، يدخل في أزقة المخيم التي من الصعب أن يعرف أسرارها إلا من يسكن المخيم ، ويخرج من مكان آخر تاركاً المخبر ضائعاً في الأزقة والزواريب . واستطاع تضليل عيون المخابرات و الالتقاء بشباب كتائب الأقصى وروى لهم ما حدث معه و قدّم اقتراحه ، ورغم المفاجأة لدى شباب الكتائب إلا أنهم بعد التفكير باقتراح حسن ودراسته من كل الجوانب، فرحوا بما نوى عمله حسن ولم يضيّعوا وقتا، أعطوه مسدساً ، وبدأ حسن بالتدريب في ظروف بالغة السرية لتحقيق نصرٍ طالما تمنّاه وتمنّته الكتائب على ذكاء المخابرات الصهيونية . ومع توالي الأيام و تضليل العقيد مودي من قبل حسن ورفاقه بخطة محكمة، وذلك بتزويده بتقارير مزيّفة عن العمل الفدائي ولكن فيها بعض المعلومات الصحيحة التي لا تضرّ لكسب ثقته، وفي ظروف صعبة للغاية كانت السيطرة العسكرية والأمنية على الأراضي الفلسطينية فيها لـ مودي وجهازه ، تم تحديد ساعة الصفر وأمضى حسن ليلته تلك مع أبنائه. و قال لميرفت : أنت الكبيرة يا ميرفت ، يجب أن تضاعفي اهتمامك بإخوتك .. ردّت ميرفت : أحبهم يا أبي كما أحبك و أحب أمي ، و أحاول دائماً أن أوفّر لهم ما يطلبون . حضن حسن ابنته و قال : أعرف أنك كبرت يا ميرفت قبل الأوان ، و أنا أعتمد عليك و أحبك كثيراً .. وقبل أن يخلد إلى النوم اطمئن على ما كان كتبه ، قبل أيام ، من كلام في ورقة صغيرة و أخفاها في المنزل . الموعـد القاتـل اتصل حسن بمودي على هاتفه السري : أريد أن أراك لأمرٍ هام . فوجئ مودي الذي ردّ معاتباً حسن بلهجة قاسية : ألم أقل لك لا تستخدم هذا الرقم للاتصال بي إلا إذا كان الأمر طارئاً . رد حسن : الأمر هام و ضروري . سأل مودي : ألم تكن تستطيع الانتظار حتى موعد المقابلة في المكان السري بالقدس . أجاب حسن بصوتٍ جعله يبدو جاداً جداً : قلت لك الأمر ضروري ، و على أية حال لديّ معلومات تتعلّق بأمنكم يجب أن تعرفها و أنت حر … ! عندها قال مودي : إذاً موعدنا غداً الخميس في الساعة والمكان المتفقان عليه للحالات الطارئة . اليوم هو الخميس : 14/06/2001 ذهب حسن مبكراً لموعده مع مودي الذي عرف أن مكانه قرب النفق في شارع الستين الاستيطاني على مشارف مستوطنة (جيلو) جنوب مدينة القدس المحتلة ، لتزويد هذا العقيد بالمعلومات الخطيرة التي بحوزته عن العملية الفدائية التي خطّطت لها كتائب شهداء الأقصى . و قال حسن لنفسه و كأنه يخاطب مودي : كنت دائماً تفخر بأنك صفيت حسين و يوسف و أبو خليل ، و الآن جاء دورك أيها المصفّي ..! وعندما اقترب من الشارع الذي أقيم لخدمة المستوطنين و ابتلع آلاف الدونمات المزروعة بالزيتون من أراضي الفلاحين العرب ، اختبأ بين شجيرات محاذية للشارع لم تطلها جرافات الاحتلال ، فبقيت شاهدة على عروبة هذه الأرض. كان كلّ شيء بالنسبة لحسن يسير وفق الخطة الفدائية التي وضعها مع رفاقه ، وعندما اقتربت سيارة مودي الفوكس فاجن الحديثة ، تقدّم حسن وهو يخفي شيئاً في يده و ما إن فتح حارس مودي الباب ليصعد حسن ليذهب معهم لمكتب مودي في مقر المخابرات ، ليقدّم التقرير الهام ، حانت بالنسبة لحسن اللحظة الفارقة التي عاش أشهراً لأجلها و أيقن أن ذكاء الحق سينتصر الآن على تكنولوجيا الباطل ، فأشهر مسدسه وفي ثواني كان يطلق رصاصات قاتلة على مودي فأرداه قتيلاً على الفور ، و قبل أن ينتبه حارسه على المفاجأة ، أطلق حسن رصاصتين في رأس و رقبة الحارس ، الذي لم يقتل ، وبسرعة عاد حسن أدراجه ، إلى حيث أتى بعد أن نفّذ الخطة ، دون أن يدري أن مودي كان معه حارسٌ ثانٍ يجلس في المقعد الخلفي و لم يتمكّن حسن من تمييزه بسبب زجاج السيارة الأسود الذي يجعل من بداخل السيارة يرى ما يجري خارجها دون أن يتمكّن من يقف خارجاً من رؤية من بداخل السيارة . ولم يحرّك الحارس الثاني ساكناً إلا بعد أن رأى حسن يعود أدراجه ، فأطلق النار عليه من الخلف فسقط حسن على الأرض ، بعد أن أبلغ مودي بطريقته عن العملية الفدائية التي خطّط لها منذ شهور . وخلال لحظات كانت أجراس الإنذار الحمراء تدقّ في مكاتب رئيس جهاز (الشاباك) و أجهزة المخابرات الصهيونية الأخرى ، و في مكتب رئيس الدولة و رئيس الوزراء و رئيس الأركان ، لتنقل الخبر الصاعق و هو مقتل العقيد (يهودا إدري) . واتفق أمير الظلام مع المسؤولين الآخرين على صيغة لنشر الخبر وهي أن ("مخرّباً" قام بتصفية ضابط المخابرات الذي يشغله غدراً ، و إصابة حارسه بجراح خطيرة و أن الحارس الثاني تمكّن من قتل "المخرّب") . وسارع كبار المسؤولين في دولة الكيان الصهيوني إلى مكان الحادث و توجّه الجنرال (موفاز) قائد الجيش الصهيوني إلى منزل العقيد مودي ليقدّم التعازي لوالده و شارك (موفاز) و كبار ضباط جيشه و مخابراته في تشييع مودي إلى مقبرة جبل (هرتزل) في القدس المحتلة و الدموع تملأ أعينهم لهذا الاختراق للجهاز الذي قال عن نفسه إنه من أقوى أجهزة المخابرات في العالم . ميرفت و حسن بعد قليل من الحادث كان رفاق حسن و جماهير غفيرة بدأت تتوافد على منزل حسن في مخيم (بيت جبرين) ، فرغم أن أجهزة المخابرات الصهيونية لم تعلن اسم الضابط القتيل أو اسم الذي قتله ، إلا أن جميع المعلومات كانت لدى الكتائب ، فهي تعرف من هو مودي وأن الذي صفاه هو (أسد الكتائب) حسن أبو شعيرة ، كما أطلق على حسن . و أصبح أفراد الكتائب مصدر المعلومات الموثوق لوكالات الأنباء العالمية التي انشغلت بالنبأ الصاعق على أجهزة مخابرات الاحتلال . في مخيم (بيت جبرين) بدأت المفاجأة على أسرة حسن ، كانت الأخبار تأتي تباعاً ، و لكن الخطأ الذي ارتكبه رفاق حسن ، رغم جهدهم الاستخباري والتدريبي الذي يثير الإعجاب، فهو تصديقهم لرواية المخابرات الصهيونية حول مقتل حسن ، ويبدو أنهم من خلال رصدهم للعملية شاهدوا حسن و هو يسقط برصاص الحارس الثاني ، فاعتقدوا بأنه استشهد ، مع أنه في مثل هذه الحالات وبغياب رواية صادقة أو مستقلة ، فلا يجب أبداً الركون إلى روايات مخابرات معادية . المهم بينما كان الحزن والصدمة تعلو وجوه مسئولي المخابرات الصهيونية ، كانت الجماهير التي هبّت إلى منزل حسن تشعر بسعادة لما قام به من أجلهم ومن أجل وطنه . وأقيمت لحسن خلال الأيام التالية مهرجانات وطنية و ألصقت صوره على الجدران وطبعت على القمصان و أصبح اسمه على كل لسان كبطل يحتذى ، وكان الجميع في انتظار تسلم جثمان حسن الذي سلّم لأهله بعد 12 يوماً من العملية، وتبيّن بعد فحص الجثمان، خطأ تسرّع الكتائب بتصديق الرواية الصهيونية حول مقتله ، لأن الشواهد تدلّ على أن حسن اعتقل بعد إصابته وتعرّض لتعذيب قاس، فهناك حروق على الجثمان وأحشائه مفقودة وتم فقأ عينه اليمنى وأصابعه مقطعة وهناك آثار لسبع رصاصات أطلقت على رأس حسن من نقطة صفر . ونقل جثمان حسن بالزغاريد إلى مثواه الأخير لدفنه بجانب قائد الكتائب الشهيد حسين عبيات ، ورأى المشيّعون زوجة حسن وهي تتقدّم وتحمل في نعشه بدون أن تذرف أية دمعة وتهتف بحياته وحياة جميع الشهداء ، وبجانبها تسير ابنتها ميرفت . وبعد الجنازة و في ساحة المخيم الذي ولد فيه حسن مشرداً عن بلدته الأصلية وقفت ابنته ميرفت تمسك الورقة التي خطّها واطمئن عليها ليلة ذهابه لموعده مع ضابط (الشاباك) و لم تكن إلا وصيته ، و تلتها ميرفت بصوت واثق و هي ترتدي قميصاً عليه صورة والدها الشهيد : (بسم الله الرحمن الرحيم) وداعاً يا دنيا، إلى الذين يريدون معرفة الحق و فتح أبصارهم على النور و إنقاذ أنفسهم من أن يكونوا فرائس سهلة بين أنياب و مخالب هذه الدنيا ، أقول ضارعاً إلى الله عز وجلّ أن يتقبل منا و أن يجعله في ميزاننا يوم القيامة و أن يكون خالصاً لوجهه و أن ينفعنا و ينفع بنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب . أما بعد ... فأنا حسن سعيد أحمد حسن أبو شعيرة من سكان مخيم العزة أبلغ من العمر 32 سنة متزوج و يوجد لديّ أطفال (3) أرجو من الله أن لا ينساهم أحد من الشرفاء ومن أهلي العظام في هذا المخيم من بعدي ، أهلي سوف أقوم بكلّ فخر بعمل بطولي في سبيل الله والوطن وفي سبيل شهداء الأقصى وأثأر لكلّ شرفاء فلسطين ومن هنا أقول إلى أهلي وجيراني المناضلين وأبناء هذا المخيم المناضل أن يستمروا في مسيرة الكفاح حتى النصر و يرجع الحق إلى أهلنا بإذن الله و أقول حسبنا بالله ونعم الوكيل .. أهلي الكرام أبناء عمّي أجمعين .. أنتم من جعلني بكلّ فخر واعتزاز أن أكون بطلاً من أجل هذا الوطن وبهذا أقول سوف أقوم بعملٍ بطولي في أقرب وقتٍ ممكن .. يا رب بأن يكون هذا مشرّفاً لكم ولكل فلسطيني ، لا تنسوا أبنائي يا أهلي من بعدي حتى أطمئن في قبري .. وأخيراً أقول : بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) صدق الله العظيم ... أخوكم : حسن سعيد أبو شعيرة في حركة فتح أنا شهيد أنا شهيد يا رب يا رب في سبيل الله و فلسطين الأقصى في دمي وداعاً. 5/6/2002 وأصبح حسن نموذجاً ومثلاً ، وكتب رفاقه الذين تابعوا العمل من بعده على صورة جدارية كبيرة له في مدخل المخيم الذي ولد وعاش فيه بعيداً عن بلدته الأصلية المدمّرة : (إن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقّي) آخر تعديل ܔْށالوعـد الأخـيرܔْށ يوم
05-23-2009 في 11:40 AM. |
|
| |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| وكر الجواسيس - سري للغاية | فــارس الحـ§§§ــناء | يوتيوب قناة الجزيرة - فيديو برامج قناة الجزيرة | 4 | 11-02-2009 06:43 AM |
| مجلة أمريكية تنشر تقريراً عن كتاب (لا تحزن) كأكثر كتاب عربي مبيعاً في العالم | دروب المحبـــــة | قناة أخبار مراسليها أعضاء المنتدى حول العالم | 9 | 01-25-2008 10:19 AM |
| كتاب: الحجج الدامغات لنقض كتاب المراجعات | قناص الرافضة | منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة | 1 | 06-29-2007 03:50 AM |
| ذبح احد الجواسيس في الموصل | قتيل الوهم | عجائب وغرائب | جرائم وأحداث | 16 | 11-06-2004 01:14 AM |