| | ||||
| | دردشة رورو | | ||
| | ||||
![]() | | |||
| | ||||
| | | | | |
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
![]() |
جديدنا : مجلة عالم الرومانسية العدد السادس - مجلة زخات مطر العدد الأول - صحف - صور ماسنجر - موقع اطفال - ازياء - صور ديكور - جمال حواء - سيارات - نكت - صور صور
|
| |||||||
| التسجيل | تعليمات | قائمة الأعضاء | الأوسـمـة | التقويم | أعمال مميزة | مسابقات المنتدى | اجعل كافة الأقسام مقروءة |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
| | رقم المشاركة : 21 (permalink) | |||||||||
|
| ; l l l l اصطادته زينب لحبل المشنقة في مصر الجاسوس محمد إبراهيم كامل الشهير بماريو بداية لا بد منها سؤال محير مازلنا نبحث عن إجابته .. وننقب بين الصفحات لعلنا نعثر على تعليل منطقي يحل هذا اللغز الشائك .. لماذا الاسكندرية؟ عشرات من الجواسيس الخونة أنجبتهم المدينة الجميلة فعاشوا تحت سمائها واستنشقوا نسائمها وتمددوا على شواطئها الباسمة وبذرت بداخلهم فجأة بذور الخيانة ... فمدت جذورها تقتلع الحب الخصيب وتغتال خلايا الانتماء؟؟.. لماذا..؟!! عشرات الملفات من حولي عن جواسيس الإسكندرية .. كلما قرأت سطورها توجتني الدهشة ولا أجد إجابة شافية عما يدور بخلدي من تساؤلات. فالاسكندرية تختلف كثيراً عن كل مدن مصر ... وتتميز عنها بتنوع مصادر الرزق ووفرتها... سواء أكانت مشروعات إنمائية وصناعية مصرية .. أو شركات أجنبية متعددة كلها خلقت مهناً جديدة فتحت مجالات أوسع للاسترزاق والتعيش. ولا يمكننا بأي حال أن نقارن بينها وبين مدينة العريش مثلاً... التي برغم احتلالها عام 1967 ومعاناة أهلها من جراء تحكم المحتل وتضييق منابع الرزق .. إلا أن جواسيسها الذين عملوا لصالح العدو – اضطروا – بسبب الضغوط المادية والمعنوية إلى السقوط ... تدفعهم مشاكل لا قبل لهم بها. هؤلاء الجواسيس يقل عددهم كثيراً عن جواسيس الإسكندرية... بل إن جواسيس العريش لم ينفذ حكم الإعدام إلا في قلة منهم أشهرهم على الإطلاق إبراهيم شاهين زوج انشراح موسى ... بينما نجد ملفات الجاسوسية في الإسكندرية تحف بعشرات القضايا التي انتهت غالبيتها بإعدام الخونة .. فتتفوق بذلك عن سائر مدن مصر بما فيها القاهرة. وهذا أمر يدعونا للبحث عن جذور الجاسوسية في الإسكندرية ... وعمقها داخل البنية الاجتماعية التي اختلت بعد النكسة عام 1967.. وأيضاً نتيجة لعدم مواكبة ركب حضارة أشرقت علاماته.. ودوت بيارقة لتهرب أحاجي التخلف وأسانيده. وفي هذا الفصل نكتب عن جاسوس الإسكندرية "ماريو" أو "محمد إبراهيم فهمي كامل" الذي يعد من أشهر عملاء إسرائيل في مصر الذين يتم تجنيدهم بسهولة يكاد العقل لا يستوعبها أو يصدقها. وأيضاً كانت قصة سقوطه في قبضة مخابراتنا أكثر سهولة .. أما نهايته البشعة فلم يكن ليصدقها هو أو يتخيل خطوطها السوداء... جذور متآكلة منذ تفتحت عيناه على ضجيج الحياة في حي محرم بك المزدحم ذاب عشقاً في جرس الترام ... الذي كلما ملأ أذنية خرج إلى الشرفة يبتسم في انبهار وحيرة .. فنشأت بينه – منذ طفولته – وبين الترام قصة غرام دفعته للهرب من مدرسته ... والسعي وراءه راكباً لجميع خطوطه المختلفة ومحطاته. ولم يدم هذا الحب كثيراً إذ اندفع فجأة نحو السيارات فالتصق حباً بها ... والتحم عقله وقلبه الصغير بموتور السيارة مستغرقاً وقته كله.. حتى أخفق في دراسته الابتدائية... وأسرعت به خطاه إلى أول ورشة لميكانيكا السيارات يمتلكها إيطالي يدعى الخواجة "روبرتو" الذي اكتشف هذا الحب الجارف بين الولد والموتور فعلمه كيف يتفاعل معه؟! ويفهمه ويستوعبه. ولم تكد تمضي عدة أشهر فقط إلا وكان محمد أشهر صبي ميكانيكي في ورشة الخواجة روبرتو. كانت السيارات تقف موازية للرصيف بجوار الورشة بأعداد كبيرة... تنتظر أنامل محمد الذهبية وهي تداعب الآلة المعدنية الصماء... وتمر بين أجزائها في تناغم عجيب فتعمل بكفاءة ويتحسن صوت "نبض" الموتور .. ويزداد الصبي شهرة كل يوم. ورغم محاولات البعض استدراجه واستثمار خبرته وشهرته في عمل ورشة "مناصفة" بعيداً عن روبرتو، أجبروا على أن يتعاملوا معه كرجل لا كصبي في الخامسة عشرة من عمره. وكثيراً ما كان ينزعج عندما كان يخرج إلى الكورنيش مع أقرانه بسبب توقف السياراة ودعوة أصحابها له ليركب حتى منزله، فكبرت لدى الصبي روح الرجولة وارتسمت خطوطها المبكرة حيث كان مبعثها حبه الشديد للعمل والجدية والتفكير الطويل. وبعد عدة سنوات كانت الأحوال والصور قد تغيرت. صار الصبي شاباً يافعاً خبيراً بميكانيكا السيارات. تعلم اللغة الإيطالية من خلال الخواجة روبرتو والإيطاليين المترددين على الورشة وأصبح يجيد التعبير بها كأهلها.. فأطلق عليه اسم "ماريو". وعندما لسعته نظرات الإعجاب من "وجيدة".. دق قلبه بعنف وانتبه لموعد مرورها أمام الورشة حين عودتها من المدرسة. فواعدها والتقى بها ولم يطل به الأمر كثيراً... إذ تقدم لأسرتها وتزوجها بعدما اقنعتهم رجولته وسمعته الحميدة وشقته الجميلة في محرم بك. ثمانية أعوام من زواجه وكانت النقود التي يكسبها تستثمر في ورشة جديدة أقامها بمفرده. ومنذ استقل في عمله أخذ منه العمل معظم وقته وفكره حتى تعرف على فتاة قاهرية كانت تصطاف مع أهلها بالإسكندرية وأقنعها بالزواج.. ولأنها كانت ابنة أسرة ثرية فقد اشترى لها شقة في الدقي بالقاهرة وأثثها.. وأقام مع عروسه "تغريد" لبعض الوقت ثم عاد إلى الاسكندرية مستغرقاً في عمله متنقلاً ما بين وجيدة وتغريد ينفق هنا وهناك. وعندما توقف ذات يوم على الطريق الصحراوي بالقرب من الرست هاوس بجوار سيارة معطلة... أعجبته صاحبة السيارة ودار بينهما حوار قصير... على أثره ركبت معه السيارة الرائعة إلى القاهرة .. وفي الطريق عرف أنها راقصة مشهورة في شارع الهرم .. لسهر معها في الكباريهات وتنقل معها هنا وهناك... ثم جرجرته معها إلى شقتها...واعترف ماريو أن هذه الراقصة كانت أول من دفعه والخطوة الأولى نحو حبل المشنقة... ويقول في اعترافاته التفصيلية... (يتبع) الجسد ينادي في تلك الليلة شربت كثيراً وكلما رأيت جسد الراقصة المثير يرتعش أمام الزبائن ترتعش في جسدي خلجات الرغبة، وبعدما انتهت من فقراتها الراقصة في أربعة كباريهات ... عدنا إلى شقتها في المهندسين وبدلاً من أن أنام أو أذهب لشقتي حيث تنتظرني تغريد ... وجدتني أطوق خصرها بشدة وأطلب منها أن ترقص لي وحدي، فأبدلت ملابسها وعادت لي بلباس الرقص الشفاف الذي سلب عقلي وأفقدني الصواب. وذهبت إلى تغريد التي وجدتها تشتاق إلى جيوبي قبلما تشتاق إلي .. فافتعلت مشاجرة معها وعدت ثانية إلى الراقصة التي استقبلتني فرحة .. ومنذ ذلك اليوم وأنا لا أكاد أفارقها أو أبتعد عنها لأواصل عملي في الوشة. لقد استعنت ببعض الصبية الذين دربتهم على القيام بالعمل بدلاً مني .. فكنت أتغيب لعدة أيام في القاهرة وأعود لأجمع ما ينتظرني من مال لديهم ... وسرعان ما أرجع لأنفقه على الداعرات والراقصات ... ونساء يبعن بناتهن ورجال يبيعون لحم زوجاتهم من أجل جنيهات قليلة. ولأن للفلوس مفعول السحر فقد كنت أعامل كملك ... لأنني أصرف ببذخ على من يحطن بي من فتيات ونساء أشبعنني تدللاً ... وصورنني كأنني الرجل الأول لديهن، فأطلقت يدي ومددتها إلى مدخراتي في البنك شيئاً فشيئاً حتى أصبح رصيدي صفراً وتحولت الورشة إلى خرابة بعدما سرق الصبيان أدواتها وهرب منها الزبائن. حاولت أن أثوب إلى رشدي وكان الوقت قد فات، وخسرت سمتي بعدما خسرت نفسي... وأصبحت مصاريف وجيدة وتغريد تمثل عبئاً قاسياً على نفسي وأنا الذي لم يعضني الجوع أو تثقلني الحاجة من قبل ... فتألمت لحالي وقررت أن أخطو خطوة سريعة إلى الأمام وإلا ... فالمستقبل المجهول ينتظرني والفقر يسعى ورائي بشراسة ولا أستطيع مجابهته. تشاو .. تشاو .. تشاو .. استخرجت جواز سفر وحصلت على عناوين لبعض زبائني القدامى في إيطاليا وركبت السفينة الإيطالية "ماركو" إلى نابولي... وبعدما رأيت أضواء الميناء تتلألأ على صفحة المياه صحت بأعلى صوتي تشاو .. تشاو نابولي. وفي بنسيون قديم حقير وقفت أمام صاحبه العجوز أسأله هل زرت مصر من قبل؟ فقال الرجل لا ... ضحكت وقلت له أنني رأيتك في الاسكندرية منذ سنوات فجاءتني زوجته تسبقها حمم من الشتائم قائلة: ماذا تريد أيها المصري من زوجي؟ أتظن أنك فهلوي؟ انتبه لنفسك وإلا ... ففي نابولي يقولون: إذا كان المصري يسرق الكحل من العين .. فنحن نسرق اللبن من فنجان الشاي. وكان استقبالاً سيئاً في اول أيامي في إيطاليا. في اليوم التالي حاولت أن أتعرف على السوق وبالأخص أماكن بيع قطع الغيار المستعملة ... ولكن صديقاً إيطالياً توصلت إليه أخبرني أن في "ميلانو" أكبر أسواق إيطاليا للسيارات القديمة والمستعملة ... وثمنها يعادل نصف الثمن في نابولي. فاتجهت شمالاً إلى روما وقطعت مئات الكيلو مترات بالقطار السريع حتى ميلانو .. وبالفعل كانت الأسعار هناك أقل من نصفها في نابولي.. والتقيت في ميلانو بأحد زبائني القدامى الذي سهل لي مهمتي... ولفت انتباهي إلى أماكن بيع منتجات خان الخليلي في ميلانو بأسعار عالية. ابتعت طلباتي من قطع غيار سيارات الفيات 125 غير المتوافرة في السوق المصرية وعدت إلى الإسكندرية وخرجت من الجمرك بما معي من بضائع بواسطة زبائني الذين يعملون في الدائرة الجمركية .. وقمت ببيع قطع الغيار بأضعاف ثمنها وذهبت إلى خان الخليلي واشتريت بعضاً من بضائعه وسافرت مرة ثانية إلى إيطاليا... واعتدت أن أنزل ببنسيون "بياتريتشي" في روما ثم أتجه إلى ميلانو لعدة أيام .. أنجز خلالها مهمتي وأعود ثانية إلى روما ونابولي ثم إلى الاسكندرية. اعتدت السفر كثيراً وبدأت الأموال تتدفق بين أصابعي من جديد .. واتسعت علاقاتي بإيطاليين جدد بالإضافة للأصدقاء القدامى الذين يكنون لي كل الود. وفي ذات مرة وبينما كنت في خان الخليلي أنتقي بعض المعروضات التي أوصاني صديق إيطالي بشرائها... سألتني فتاة تبيع في محل صغير عما أريده .. وساعدتني في شراء بضائع جيدة بسعر رخيص وتكررت مرات الذهاب للشراء بواسطتها ولما عرفت أنني أسافر إلى إيطاليا بصفة مستمرة عرضت علي أن تسافر معي ذات مرة... لتشتري سيارة فيات مستعملة لتشغيلها تاكسياً في القاهرة. واطمأنت "زينب" وهذا هو اسمها – عندما أخبرتها أنني أعمل ميكانيكياً وأقوم بالإتجار في قطع الغيار. وتركتها لتجمع المبلغ المطلوب ثم أرسل لها من إيطاليا لأنتظرها هناك. أراد أصدقائي الإيطاليين أن أظل بينهم وأمارس عملاً ثابتاً أحصل بمقتضاه على إقامة في إيطاليا. وقد كان... إذ سرعان ما وجدوا لي عملاً في شركة "راواتيكس"... وبعدما حصلت على تصريح عمل وإقامة .. لم تتوقف رحلاتي إلى الاسكندرية ... فالمكسب كان يشجع على السفر بصفة مستمرة لكي أعرف احتياجات سوق قطع غيار السيارات في مصر ... والذي كان يمتصها بسرعة فائقة. وفي إحدى هذه السفريات وبينما كنت في مطار روما تقابلت بالصدفة مع صديق إيطالي قديم – يهودي – كانت بيننا "عشرة" طويلة واسمه "ليون لابي" فتبادلنا العناوين، وبعد عدة أيام جاءتني مكالمة تليفونية منه وتواعدنا للقاء في مطعم مشهور في ميلانو. أشفق "لابي" كثيراً على حالي بعدما شرحت له ظروفي وتعثراتي المالية وزواجي من امرأتين .. وسألته أن يتدبر صفقة تجارية كبيرة أجني من ورائها أموالاً طائلة ... فضحك "لابي" وقبل أن يقوم لينصرف ضربني على ظهر يدي وقال لي: "لا تقلق ماريو ... غداً سأجد لك حلاً، لا تقلق أبداً". القتيــل المصيدة في اليوم التالي وفي الثامنة مساء وقفت مرتبكاً للحظات أمام الباب المغلق... ثم نزلت عدة درجات من السلم وأخرجت علبة سجائري وأشعلت سيجارة ... وعندئذ سمعت وقع خطوات نسائية بمدخل السلم فانتظرت متردداً... وعندما رأيت الفتاة القادمة كدت أسقط على الأرض. كانت هي بنفسها الفتاة التي واقعتها في شقة "لابي" لكن ابتسامتها حين رأتني مسحت عني مظاهر القلق وهي تقول: بونجورنو فرددت تحيتها بينما كانت تسحبني لأصعد درجات السلم ولا زالت ابتسامتها تغطي وجهها وقالت في دلال الأنثى المحبب: أنا لم أخبر سنيور لابي بما حدث منك .. قلت في ثقة الرجل: ماذا؟ ألم تهدديني بالانتحار من النافذة؟ بهمس كأنه النسيم يشدو: أيها الفرعوني الشرس أذهلتني جرأتك ولم تترك لي عقلاً لأفكر .. حتى أنني كنت أحلم بعدها بـ "أونالترا فولتا"، لكنك هربت!! قلت لها: يا ليتني فهمت ذلك. وانفتح الباب وهي تقول: ;هل ترفض دعوتي على فنجان من القهوة الإيطالية؟ ووجدت نفسي في صالة القنصلية الإسرائيلية والفتاة لا زالت تسحبني وتفتح باب حجرة داخلية لأجد "لابي" فجأة أمامي. قام ليستقبلني بعاصفة من الهتاف: ميو أميتشو ... ماريو ... أهلاً بك في مكتبك. وهللت الفتاة قائلة: تصور ... تصور سنيور لابي أنه لم يسألني عن اسمي؟ قهقه لابي واهتز كرشه المترهل وهو يقول بصوت جهوري: شكرية ...شكرية بالمصري سنيور ماريو تعني: جراتسيللا. واستمر في قهقهته العالية وصرخت الفتاة باندهاش: ;أيكون لاسمي معنى بالعربية؟ اشرحه لي من فضلك سنيور ماريو. وكانت تضحك في رقة وهي تردد: شوك ... ريا ... شوك ... ريا . جراتسيللا شوك .. ريا. ولم يتركني لابي أقف هكذا مندهشاً فقال للفتاة: أسرعي بفنجانين من الـ "كافي" أيتها الكافيتييرا جراتسيللا. واستعرض لابي في الحديث عن ذكرياته بالإسكندرية قبل أن يغادرها إلى روما في منتصف الخمسينيات... وأفاض في مدح جمالها وشوارعها ومنتزهاتها... ثم تهدج صوته شجناً وهو يتذكر مراتع صباه وطال حديثنا وامتد لأكثر من ساعتين بينما كانت سكرتيرته الساحرة جراتسيللا لا تكف عن المزاح معي وهي تردد: شوك ... ريا .. سنيوريتا شوك ... ريا ... وعندما سألتني أين أقيم فذكرت لها اسم الفندق الذي أنزل به... فقالت وكأنها لا تسكن ميلانو: لم أسمع عن هذا الفندق من قبل. رد لابي قائلاً: إنه فندق قديم غير معروف في الحي التاسع "الشعبي". قالت في تأفف: أوه ... كيف تقيم في فندق كهذا؟ قال لابي موجهاً كلامه إليها: ;خذيه إلى فندق "ريتزو" وانتظراني هناك بعد ساعتين من الآن. وربت لابي على كتفي في ود وهو يؤكد لي أنه يحتاجني لأمر هام جداً لن أندم عليه وسأربح من ورائه الكثير. وركبت السيارة إلى جوار جراتسيللا فانطلقت تغني أغنية "بالوردو بيلفا" أي "أيها الوحش الضاري" وفجأة توقفت عن الغناء وسألتني: هل تكسب كثيراً من تجارتك يا ماريو؟ قلت لها: بالطبع أكسب ... وإلا ... ما كنت أعدت الكرة بعد ذلك مرات كثيرة... كم تكسب شهرياً على وجه التقريب؟ ;حوالي ستمائة دولار. قالت في صوت مشوب بالحسرة: وهل هذا المبلغ يكفي لأن تعيش؟ إن لابي يشفق لحالك كثيراً سنيور ماريو. سنيور لابي صديقي منذ سنوات طويلة .. وأنا أقدر له ذلك. إنه دائماً يحدثني عن الإسكندرية .. له هناك تراث ضخم من الذكريات ...!! وفي فندق ريتز .. صعدنا إلى الطابق الثاني حيث حجزت لي جراتسيللا جناحاً رائعاً وبينما أرتب بعض أوراقي فوجئت بها تقف أمامي في دلال وبإصبعها تشير لي قائلة: ;"أونالترا فولتا" أيها المصري وهذه المرة "للإيطاليا نيتا" ... "محبة الوطن الإيطالي". وغرست أظافرها بجسدي بينما كنت أرتشف عبير أنوثتها وأتذوق طعمها الساحر وكانت لا تكف عن الهتاف: ليوباردو ...ليوباردو .. ماريو إيجتسيانو . وعندما جاء لابي كان من الواضح أننا كنا في معركة شعواء انتهينا منها تواً.. أخرج من جيبه مظروفاً به خمسمائة دولار وقال لي إنه سيمر علي صباح الغد... وأوصاني أن أنام مبكراً لكي أكون نقي الذهن. وانصرفا بينما تملكتني الأفكار حيرى... ، ترى ماذا يريد مني؟ وما دخلي أنا فيما يريده لابي؟؟ وفي العاشرة والنصف صباحاً جاء ومعه شخص آخر يتحدث العربية كأهلها اسمه " إبراهيم " ... قال عنه لابي إنه خبير إسرائيلي يعمل في شعبة مكافحة الشيوعية في البلاد العربية. رحب إبراهيم بماريو وقال له بلغة جادة مفعمة بالثقة: إسرائيل لا تريد منك شيئاً قد يضرك ...فنحن ناحرب الشيوعية ولسنا نريدك أن تخون وطنك... مطلقاً... نحن لا نفكر في هذ الأمر البتة. وكل المطلوب منك.. أن تمدنا بمعلومات قد تفيدنا عن نشاط الشيوعيين في مصر وانتشار الشيوعية وخطرها على المنطقة. وأردف ضابط المخابرات الإسرائيلي: كل ذلك لقاء 500 دولار شهرياً لك. وعندما أوضحت له أنني لا أفهم شيئاً عن الشيوعية أو الاشتراكية. وأنني أريد فقط أن أعيش في سلام. ذكرني لابي بأحوالي السيئة بالإسكندرية والتي أدت إلى تشتتي هكذا بعدما كنت ذا سمعة حسنة في السوق. واعتقدت أنني يجب ألا أرفض هذا العرض... فهي فرصة عظيمة يجب استغلالها في وسط هذا الخضم المتلاطم من الفوضى التي لازمتني منذ أمد .. وتهدد استقرار حياتي. الحصار في روما عندما تسلمت زينب الرسالة الوافدة من إيطاليا، لم تكن تصدق أن يهتم بها هذا العابر المجهول إلى هذا الحد. كانت قد نسيته بعدما مرت عدة أشهر منذ التقت به في خان الخليلي حيث تعمل بائعة في محل للأنتيكات والتحف. وبعدما تردد عليها عدة مرات عرضت عليه السفر معه إلى إيطاليا لتشتري سيارة لتشغيلها سيارة أجرة في القاهرة .. فوعدها بأن يساعدها ثم اختفى فجأة ولم يعد يذهب إليها ... حتى جاءتها رسالته تحمل طابع البريد الايطالي وعنوانه وتليفونه هناك. أسرعت زينب بالخطاب إلى خالها الذي يتولى أمرها بعد وفاة والديها، ولكنه عارض الفكرة وعندما رأى منها إصراراً رضخ للأمر ووافقها.. سنوات وزينب تحلم بالسفر إلى الخارج للعمل. لقد بلغت الرابعة والعشرين من عمرها، ولم ترتبط بعد بعلاقات عاطفية تعوق أحلامها. لذلك تفوقت في دراستها بكلية الآداب – جامعة عين شمس وعشقت اللغة الإنجليزية عشقاً كبيراً... والتحقت بعد الجامعة بالعمل في خان الخليلي بالقرب من بيتها في شارع المعز لدين الله بحي الجمالية... حيث مسجد الحسين ورائحة التاريخ تعبق المكان وتنتشر على مساحة واسعة من الحي القديم العريق. حجزت زينب تذكرة الطائرة ذهاباً وإياباً على طائرة مصر للطيران .. وبحقيبتها كل ما لديها من مال وفرته لمثل هذه الفرصة. وفي مطار روما كان ماريو بانتظارها يملؤه الشوق لأول الضحايا الذين سيجندهم للعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. وعندما رأته كانت كمن عثر على شيء ثمين. إذ صدمتها اللغة الإيطالية التي لا تعرف منها حرفاً واحداً... وسرت كثيراً عندما وجدت ماريو يتحدث بها "كالطليان" أصحاب البلد. اصطحبها إلى فندق رخيص في روما ثم تركها لتستريح وذهب هو إلى مسكنه ليرتب خطة تجنيدها التي رسم خطوطها عدة مرات... وفي الصباح ذهب إلى الفندق حيث كانت الفتاة تنتظره فأخذها في جولة رائعة بسيارته لمنتزهات روما وأماكنها السياحية. ثم ذهب بها في اليوم التالي إلى أماكن بيع السيارات المستعملة. معتمداً أن يرفع لها أسعار السيارات مستغلاً جهلها باللغة الإيطالية... واعتمادها عليه أولاً وأخيراً. وتعمد أيضاً أن تطول مدة إقامتها في روما للبحث عن فرصة شراء سيارة أفضل وأرخص وأقنعها بشراء فيات 125 دفعت فيها معظم ما تملكه من مال... وما تبقى معها كان يكفي بالكاد مصاريف الشحن إلى الإسكندرية. وصدمت الفتاة بعدما تبين لها أن فاتورة الفندق امتصت النصيب الأكبر من نقودها .. ولم تعد تملك مصاريف الشحن كاملة. لقد خدعها ماريو عندما ذكر لها أرقاماً تقل بكثير الحقيقة عند شحن السيارة. صيد الغزلان تركها ماريو لعدة أيام دون أن يتصل بها بحجة أنه كان في ميلانو. وبكت زينب في حرقة وهي تحكي له عن حالها... وكيف أنها لم تعد تملك أية أموال لتعود إلى مصر بالسيارة الواقفة أمام الفندق ومتوسلة رجته أن يساعدها فوعدها بذلك. ومرت ثلاثة أيام أخرى كانت زينب قد باعت حليها ولم تتبق معها سوى ساعة يدها الجوفيال التي لا تساوي شيئاً يذكر. حاصرها ماريو جيداً وأفقدها التفكير واستعمل معها أسلوب "صيد الغزلان" بأن أغلق أمامها كل الطرق.. وترك لها فتحة ضيقة لتنفذ منها إلى شبكته لتقع فيها ولا تخرج. وظهر لها فجأة بعد غياب عدة أيام معتذراً بشدة .. واصطحبها للعشاء بأحد المطاعم الراقية... وبعد أن جلسا عزفت الموسيقى مقطوعة إيطالية شهيرة عنوانها "مولتي جراتسي ميو أميتشو" أي "شكراً جزيلاً يا صديقي" فقالت زينب لماريو: طلبت منك قرضاً أرده لك في مصر فلم تجبني. اعتدل ماريو في مقعده وقال بسرعة: نعم ... نعم ... لا مشكلة إذن ... بعد غد سأتلوى شحن سيارتك إلى الإسكندرية. ولِم بعد غد؟ مشغول أنا غداً... ولا أملك وقتاً مطلقاً "قالها ماريو وتعمد ألا ينظر لوجهها". لقد وعدتني أن تدبر لي عملاً هنا في روما. فإن ذلك سيعفيك من إقراضي أية أموال. ماذا تقولين؟ ألم أخبرك أنني أبحث بالفعل عن عمل مناسب لك؟ أنت تقول "قالتها زينب مليئة بالحسرة والإحساس بالندم" فما كان من ماريو إلا أن أجاب: عموماً ... بعد غد ستكون سيارتك على ظهر السفينة. أفهمت؟ وفي تلك اللحظة .. اقترب منها رجل وسيم تعدى الخمسين بقليل وقال بالإنجليزية بأدب جم: أتسمحان لي بأن أطلب من إدارة المطعم إغلاق جهاز التكييف الحار حتى لا نصاب جميعاً بالبرد عند الخروج؟ ردت زينب في حماس بالغ ممزوج بالعرفان: تفضل ... وشكراً يا سيدي أردف الرجل قائلاً: معذرة ... هل أنت تونسية؟ أجابته بأن لكنتها تدل على ذلك وضحكت وقالت في افتخار: أنا من الجمهورية العربية المتحدة. من القاهرة. هتف الرجل سعيداً: أوه ...ناسر ... يا له من زعيم عبقري. وفي حركة مسرحية سريعة مد الرجل يده إلى محفظته.. وأخرج منها صورة لعبد الناصر يشرب من "القلة" ويجلس على الأرض بجوار صلاح سالم وأردف قائلاً: تمنيت أن أراه وأصافحه ذات يوم. فهل يتحقق لي ذلك؟ تعال إلى القاهرة يا سيدي وأعتقد أن ذلك ليس بالشيء الصعب. هكذا قالت زينب بفخر، وهي تتكلم الإنجليزية بطلاقة...، وتكلم ماريو يخاطب الرجل بالإيطالية: أنتم تكرهون ناصر في الغرب ... وفي الشرق تتوقف الحياة تماماً حينما يتكلم .. تناقض غريب. أجاب الرجل في بشاشة: نعم يا سيد .. ؟ ماريو ... ماريو إيجتسيانو "ماريو المصري". نعم ... نعم سنيور ماريو هذه حقيقة لا ننكرها.. فمنذ أزمة القناة والغرب لا ينسى ذلك لناصر أبداً. واعترضت زينب على حوارهما بالإيطالية فقال لها ماريو إن لغته الإنجليزية ضعيفة جداً .. وجاءت فاتورة الحساب ففوجئت زينب بالرجل الغريب يصر على دفعها.. وعندما تمسك ماريو بأريه قال الرجل: إذن .. هلا قبلتما دعوتي على العشاء غداً؟ أجاب ماريو موافقاً بينما تحرجت زينب ثم فاجأهما ماريو بإعلان اعتذاره لارتباطه طوال الغد .. فأبدى الرجل الأنيق تفهمه ونظر إلى زينب فتراجعت الكلمات على لسانها .. عندها لم يمهلها وقتاً طويلاً لتفكر وقال موجهاً حديثاً اليها أنه سيلتقي بها في الثامنة مساء الغد في مطعم "فريسكو" .. فقالت زينب في اضطراب "بعدما نظر اليها ماريو موافقاً" إنها لا تعرف الأماكن جيداً. وبدأ الرجل سيلاً من الأسئلة عن جوانب حياتها فأجابته زينب بحسن نية وأخيراً قال لها في دبلوماسية شديدة تدل على خبرة عالية في إدارة حوار: لقاء الغد ستترتب عليه أشياء كثيرة مهمة لكلينا .. !! وبعد انتهاء السهرة صحبهما بسيارته الفارهة وأنزل زينب أمام فندقها وانصرف... وقضت هي وقتاً طويلاً تفكر فيما يقصده بعبارته الأخيرة. وماذا سيترتب عليها من أشياء مهمة؟؟ وفي مساء اليوم التالي كان في انتظارها بردهة الفندق كما اتفقنا بالأمس ... وأخذها في جولة ليلية بنوادي روما وشوارعها ثم دلفا معاً إلى مطعم فريسكو الشهير .. حيث الأنواع الغريبة من الأسماك والمحار وكائنات بحرية مدهشة. كان الرجل قد التمس مكاناً هادئاً في ركن بعيد وتوقعت زينب بأنه من زبائن المطعم المعروفين، للاحترام الجم الذي قوبل به. ولكنه انتشلها من حيرتها وقال لها بحرارة: آنسة زينب .. منذ الأمس وأنا في حيرة شديدة... وكما تعلمين فأنا رجل أعمال بريطاني معروف ... والذي لا تعرفينه أنني انفصلت عن شريك لي منذ مدة قصيرة .. وكنت أنوي توسيع أعمالي في لندن لكن أشار علي البعض باستثمار مشاريع إنمائية في جنوب أفريقيا ... وقمت بالفعل بالسفر إلى جوهانسبرج وزيارة كيب تاون وحصلت على بعض تقارير اقتصادية لتساعدني في اتخاذ قراري. حتى كان لقاء الأمس الذي سبب لي حيرة شديدة فبرغم حبي لناصر إلا أنني لم أفكر من قبل في السفر إلى القاهرة لدراسة السوق المصرية وإقامة بعض مشروعاتي بها. وتنهد الرجل فيما يشبه إحساساً بالندم وأردف: ;إنني الآن – وبإصرار وثقة – أريد اقتحام السوق العربية من خلال مصر. ومن خلالك أنت. قالت له زينب في دهشة: من خلالي أنا؟ نعم ... فأنت مصرية وجامعية طموحة .. تملكين اللغة العربية والإنجليزية والثقافة... ويمكنني الاعتماد عليك في إعداد تقرير اقتصادي عن أحوال مصر الاقتصادية ومشاكل التنمية بها ومعوقات السوق. ومن خلال هذا التقرير سأقرر ما إذا كنت أستطيع إقامة مشاريع إنمائية في مصر من عدمه. ولذلك فهذا الأمر مهم بالنسبة لي ولك .. لأنك ستكونين مديرة لفرع القاهرة وتملكين حق اتخاذ قرارات لصالح مؤسستنا. حلم اليتيم انفرجت أسارير زينب وهللت بشراً وسعادة لهذا الخبر المنهمر الذي أغدق عليها فجأة. كانت تجلس أمامه ولا تملك بحقيبة يدها سوى ستة وعشرين دولاراً وبضع ليرات إيطالية لا تكفي ليوم آخر في روما... واغرورقت عيناها بدموع الفرح عندما فاجأها قائلاً: ومنذ اليوم سيكون راتبك ثلاثمائة دولار شهرياً. صرخت بأعماقها لا تصدق أن غيمة النحس قد انقشعت ... وأن الحياة عادت لتضحك من جديد.. لقد مرت بها سنوات من الجوع والحرمان والحاجة .. وكلما ارتقت درجة من درجات الأمل انزلقت إلى الوهم وأحلام الخيال. الآن جاءت أحلام الواقع لتزيح أمامها الأوهام فتتراجع القهقري. كانت تبدو من قبل وكأنها تغرق في لجج من ماء ذي قوام .. الآن تطير في سماوات من الصفو اللذيذ. أخيراً تحقق الحلم الذي طال انتظار اليتيم له. حلم ليس بالمستحيل ولكنه كان المستحيل نفسه. يا الله. قالتها زينب وهي تتنهد فتغسل صدرها الصغير من تراكمات اليأس وخيوط الرجاء. أوصلها الرجل إلى الفندق بعدما منحها 600 دولار مرتب شهرين ودفع عنها حساب الفندق. وفوجئت زينب بماريو يسرع بحشن سيارتها ودفع مصاريفها ويودعها بالمطار. وفي مقعدها بالطائرة أغمضت عينيها وجلست تفكر في أمر ماريو. لقد أخبرته بأمر الجل فأظهر موافقته. وبرغم كونه تاجراً لم يأخذ منها مصاريف الشحن ... بل ألح عليها كثيراً لكي تأخذ منه مائة دولار في المطار. وسلمها حقيبة هدايا بها علبة ماكياج كاملة وزجاجتا بارفان وحزام جلدي أنيق. تشككت زينب في هذه الأمور وأخذت من جديد تستعرض شريط ما مر بها في روما. وتذكرت الدورة الإرشادية التي حضرتها في أحد مدرجات جامعة القاهرة قبل سفرها بأيام. كان المحاضر يشرح أساليب الموساد في اصطياد المصريين في الخارج. ولأن ماريو مصري مثلها ومجريات الأمور كلها كانت شبه طبيعية.. فقد طردت وساوسها التي تضخمت إلى حين .. وقررت أمراً في نفسها. وفي مطار القاهرة انتحت بأحد الضباط جانباً وسألته سؤالاً واحداً. وفي اليوم التالي ... كانت تستقل سيارة صحبتها إلى مقر جهاز المخابرات المصرية.. قالت كل شيء بدقة وسردت تفاصيل رحلتها إلى ايطاليا وكيف خدعها ماريو لتنفق كل ما لديها من نقود. وحكت ظروفها النفسية السيئة التي مرت بها وكيفية تقرب رجل الأعمال البريطاني منها في تلك الظروف. وكيف شحن ماريو سيارتها إلى الاسكندرية على نفقاته.. وهو التاجر الذي يسعى للكسب... ؟ بل إنه عرض عليها مائة دولار أخرى. ولماذا لم يعطها رجل الأعمال عنوانه في بريطانيا لتراسله وتبعث اليه بالتقارير التي طلبها؟ لقد أخبرها أن ماريو سيسافر إلى القاهرة عما قريب وعليها أن تسلمه التقرير الاقتصادي الوافر الذي ستعده عن مصر. وتذكرت زينب أيضاً كيف أن ماريو طلب منها في المطار أن تهتم جيداً بالعمل الذي أوكل إليها ولا تهمله. وعندما سألته هل لديك عنوان مكتب رجل الأعمال ؟!! أجاب بنعم في حين أنه من المنطقي أن يكون معها عنوانه. لقد سلمها 600 دولار وهي بلا شك لقاء قبولها التجسس على وطنها. صراع العقول وفوجئت زينب بما لم تتوقعه على الإطلاق ...صور عديدة لها مع ماريو ...قال ضابط المخابرات المصري أن المخابرات العربية على علم بأمره ... وتراقب تحركاته وتنتظر دليل إدانته وقال لها أيضاً: إن إسرائيل منذ قيامها في عام 1948 وهي تسعى بشتى السبل لمعرفة كل ما يجري في البلاد العربية من نمو اقتصادي وتسلح وما لديها من قوات وعتاد .. ولذلك لجأت لشراء ضعاف النفوس والضمائر وجعلتهم يعملون لحسابها.. وينظمون شبكات التجسس المتعددة في العواصم العربية... حتى إذا كشفت واحدة تقوم الأخرى مكانها وتتابع نشاط جواسيسها. وتنفق إسرائيل الملايين على هذه الشبكات للصرف عليها. وأن السبب الرئيسي لسقوط بعض الأفراد في مصيدة المخابرات الإسرائيلية هو ضعف الحالة المادية. وبالإضافة إلى الأموال الطائلة التي تنفقها الموساد على عملائها... فإنها تغرقهم أيضاً في بحور الرغبة وتشبع فيهم نزواتهم ... وبذلك تتم له السيطرة عليهم. لذا .. فقد أعلنت المخابرات المصرية في يناير عام 1968 بأنها ستساعد كل من تورط مع العدو .. ووقع في فخ الجاسوسية بالإغراء أو التهديد. وأنها على استعداد للتغاضي عن كل ما أقدم عليه أي مواطن عربي .. إذا ما تقدم بالإبلاغ عن تورطه مع الموساد مهما كان منغمساً في التجسس ... وذلك لتفويت الفرصة على المخابرات الإسرائيلية. ووعد الزعيم جمال عبد الناصر صراحة بحماية كل من تورط بالتجسس لأي سبب. وقد أسفرت هذه الخطة عن تقدم سبعة مصريين إلى جهاز المخابرات المصرية يعترفون بتورطهم ويشرحون ظروف سقوطهم. وأضاف الضابط : لقد تكلمنا مع ماريو عدة مرات من قبل ... وأفهمناه بطريقة غير مباشرة بأننا على استعداد لمساعدة المتورطين دون أن يعاقبوا. لكن يبدو أنه استلذ أموال الموساد. وسيسقط على يديك يا زينب لأننا سنحصل على دليل إدانته من خلالك. ووضعت المخابرات المصرية خطة محكمة لاصطياد ماريو.. وفي أول اتصال هاتفي من روما بعد أيام من وصولها.. أخبرته زينب بأنها مشغولة "بترجمة الكتاب" – وهو مصطلح سبق لهما أن اتفقا عليه – وعندما سألها عن المدة التي تكفي لإنجاز "الترجمة" لأنه ينوي المجيء لمصر بعد يومين طلبت منه – حسب الخطة – أن يتأخر عدة أيام حتى تنجز العمل. اطمأن ماريو وصديقه لردود زينب .. وقنعا بأنها منهمكة في إعداد التقرير ... فلو أن هناك شيء ما يرتبت في الخفاء لما ترددت في إيهامه بأنها أنجزت ما طلب منها .. وفي مكالمة أخرى بعدها بثمانية أيام ... زفت غليه النبأ الذي ينتظره ... وينتظره أيضاً رجال الموساد في روما... وعلى ذلك أكد لها بأنه سيصل إلى القاهرة عما قريب. سقوط الخائن وبعد اللقاء المسجل بالصوت والصورة. اتجه الخائن إلى شارع نوال بالدقي حيث شقة زوجته تغريد. فمكث معها يوماً واحداً وحمل كاميرته الخاصة التي تسلمها من الموساد وركب إلى الإسكندرية بالطريق الزراعي ... يصور المنشآت الجديدة التي تقوم على جانبي الطريق ... ويراقب أية تحركات لمركبات عسكرية أو شاحنات تحمل المدرعات ... وأمضى مع زوجته وجيدة عدة ساعات ثم عاد إلى القاهرة مرة ثانية بالطريق الصحراوي .. وكرر ماريو هذا السيناريو لمدة أسبوع بشكل متصل.. كان إخلاصه للموساد قوياً كعقيدة الإنسان أو إيمانه بمبدأ ما.. فآلاف الدولارات التي حصل عليها من الموساد بدلت دماءه وخلايا مصريته وأعمته عن عروبته.. وجعلت منه كائناً فاقد الهوية والشعور .. بل كان لأموال إسرائيل الحرام فعل السحر في قلبه وزعزعة ثوابت إسلامه. فلقد نسي أن اسمه محمد ابراهيم فهمي كامل ... مسلم .. من مصر ... وأن ماريو ليس اسمه الحقيقي الذي ينادى به. وفي إيطاليا كثيراً ما مر على مساجد روما – دون قصد – فكان يتعجب ويتساءل: ماذا يعني الدين والأنبياء والرسل؟ إن الدين هو "البنكنوت"... وعندما اتصلت به معشوقته جراتسيللا – عميلة الموساد – تستقصي أخباره وأخبار ضحيته زينب أجابها بأن كل شيء على ما يرام. وحدد لها ميعاد سفره إلى إيطاليا. وبعدما أنهت زينب إجراءات الإفراج الجمركي عن سيارتها ... استعدت "هكذا ادعت له" للسفر معه... فأخبرها بموعد الطائرة وأنه سيمر عليها ليصحبها إلى المطار. وقبل السفر بعدة ساعات كان ماريو قد أعد أدواته... وخبأ الأفلام التي صورها بجيوب سرية داخل حقائبه ونزع البطانة الداخلية لها وأخفى التقارير السرية التي أعدها بنفسه ثم أعاد إلصاقها مرة ثانية بإحكام فبدت كما كانت من قبل. ومن بين تلك التقارير كان تقرير زينب الذي كان لدى المخابرات المصرية صورة عنه. وبينما كان ماريو يغادر منزله بالدقي في طريقه إلى زينب ثم إلى المطار... فوجئ بلفيف من الأشخاص يستوقفونه .. وأقتيد إلى مبنى المخابرات وأمام المحقق أنكر خيانته لكن الأفلام والتقارير التي ضبطت كانت خير دليل على سقوطه في وكر الجاسوسية ... فاعترف مذهولاً بعمالته للموساد .. وأمام المحكمة العسكرية وجهت اليه الجرائم الآتية: الحصول على أسرار عسكرية بصورة غير مشروعة وإفشاؤها إلى المخابرات الإسرائيلية. الحصول على مبلغ "7 آلاف دولار" مقابل إفشاء الأسرار لدولة معادية "إسرائيل". التخابر مع العدو لمعاونته في الإضرار بمصر في العمليات الحربية. تحريض مواطنة مصرية على ارتكابها التخابر .. والحصول على أسرار هامة بقصد إفشائها للعدو. وبرئاسة العميد أسعد محمود إسماعيل وعضوية المقدم فاروق خليفة والمقدم أحمد جمال غلاب بحضور ممثل النيابة العسكرية والمقدم عز الدين رياض صدر الحكم في مايو 1970 بإعدام ماريو شنقاً بعد أن كرر الخائن اعترافه بالتجسس على وطنه... وبيه لأسراره العسكرية مقابل سبعة آلاف دولار. وصدق رئيس الجمهورية على الحكم لعدم وجود ما يستدعي الرحمة بالجاسوس. لم تنس المخابرات المصرية الدور الكبير الذي لعبته زينب للإيقاع بالخائن ماريو واصطياده إلى حيث غرفة الإعدام ومشنقة عشماوي في أحد سجون القاهرة. وكانت زينب بالفعل – أول مصرية – تصطاد جاسوساً محترفاً في روما ... لإعدامه في القاهرة.!! | |||||||||
|
| |
| | رقم المشاركة : 22 (permalink) |
|
| إعدام اليهود العراقيين الستة مقدمة الجذور الأولى يمكن للباحث المدقق أن يستخلص بسهولة، اختلاف منهج الجاسوسية الإسرائيلية في العراق عنه في سائر الدول العربية الأخرى. ذلك أن مخابرات إسرائيل ابتعدت تماماً عن اللجوء إلى جواسيس "غرباء" من داخل القطر العراقي... بل استثمرت – وبذكاء شديد – وجود الآلاف من اليهود العراقيين، في "تخريج" كوادر قادرة على تنفيذ أهدافها وسياساتها، مستغلة في ذلك تغلغلهم داخل نسيج المجتمع العراقي كله، من البصرة جنوباً، إلى الموصل شمالاً. فمنذ قيام الدولة اليهودية، حرص حكام إسرائيل على كسب تعاطف يهود العراق، وبناء جسور من الود والتواصل بينهم لتحقيق هدفين أساسيين: أولهما: لتشجيعهم على الهجرة إلى إسرائيل، لسد الفراغ الناشئ عن فرار السكان العرب بسبب المذابح الوحشية، وخلو قرى عربية بكاملها من سكانها. ثانيهما: التجسس على العراق، جيشاً، وسياسة، واقتصاداً. ولكي تضمن إسرائيل ولاء يهود العراق الكامل لها، والسعي إلى الهجرة إليها، عمدت إلى استخدام أساليب شيطانية ماكرة لإرهابهم، وتفجير بعض معابدهم، وقتل العديد منهم لإلقاء التبعية على السلطات العراقية، فنجحت بذلك فيما سعت إليه. لقد كان اليهود في العراق لأحقاب طويلة خلت، ينعمون بالأمن والأمان، ويمارسون حياتهم وأعمالهم وطقوسهم في حرية بلا منغصات أو أحقاد، إلا أن خطط حكام إسرائيل، صورت لهم الحياة في العراق على أنها جحيم ما بعده جحيم... ورسمت في أذهانهم صورة مثالية للحياة في "الوطن" الجديد. ولأننا لسنا بصدد دراسة تاريخ وأحوال اليهود في العراق، فإنه يلح علينا السؤال: لماذا تتجسس إسرائيل على العراق الذي لا يشترك معها في الحدود؟ ولا يعد من دول الواجهة؟ وللإجابة على ذلك نقول: إن العراق يمثل بالنسبة لإسرائيل عدو مبين، ومطمع ثمين، فشل تيودور هرتزل – أبو الصهيونية – في تحقيقه، منذ كتب في 4 يوليو 1903 إلى عزت باشا العابد – رئيس الوزراء العثماني – يذكره بمقترحات سبق أن بعث بها إليه في مارس 1902، حول قروض يهودية للإمبراطورية العثمانية، مقابل تحقيق الوعد الذي قطعه على نفسه للمنظمة الصهيونية، بالسماح بإقامة مستعمرات يهودية في العراق، وفي لواء عكا، عن طريق فتح الباب أمام الهجرة اليهودية. فمنذ تحركت العصابة الصهيونية العالمية فعلياً، بعد مؤتمر بال بسويسرا عام 1897، رسمت مخططات شرسة للسيطرة على الاقتصاد العراقي، وإحكام القبضة اليهودية عليه، بواسطة أعداد اليهود الضخمة في العراق، التي اتجهت الغالبية العظمى منها – كما في بقية الدول العربية والعالم – إلى العمل بالتجارة والاستثمار، والاستحواذ على أنشطة بعينها، تحكم من خلالها السيطرة على عصب الحياة الاقتصادية في الدولة، بامتلاك ناصية أمور التجارة والصرافة. ونظراً للمناخ الآمن الذي يعيشون فيه، فكان أن تغلغلوا ببطء شديد داخل البنية الأساسية للحياة على العراق، وصاروا بالفعل جزءاً حيوياً مهماً في عجلة الاقتصاد. وبرغم ابتعادهم عن الزراعة، إلا أنهم إمعاناً في الامتزاج والتداخل، اشتروا مساحات شاسعة من الأراضي، وشغلوا قرى وإقطاعيات بكاملها، حتى امتدت أراضيهم للمناطق الشمالية في نينوى، فتمركزوا بكثافة كبيرة في "دهوك" شمالي الموصل، وانتشر الآلاف منهم في بغداد. يمتهنون الحرف المختلفة، ويتبوأون المراكز الاقتصادية الهامة بصبر وسعي عجيب. بعض هؤلاء كانوا هم الركيزة الأساسية للجاسوسية الإسرائيلية في العراق. من ناحية أخرى، بذلت إسرائيل جهوداً جبارة منذ قيامها، لكسر الطوق العربي المحيط بها، عن طريق الدخول في علاقات مصالح متشابكة مع إيران وتركيا، والدول الأفريقية الأخرى، لتطويق الدول العربية، وحصارها من الشمال والجنوب والشرق. ففي الشمال والشرق، وهو ما يهمنا الآن، أسست المخابرات الإسرائيلية أواخر عام 1958، منطقة ثلاثية تسمى "ترايدانت traidant " بالاتفاق مع جهاز الأمن الوطني التركي "المخابرات"، والمنظمة الوطنية للاستخبارات "السافاك" في إيران. وبتوقيع هذه الاتفاقية، توفرت للموساد علاقات حميمة إضافية بهذين الجهازين، حيث نصت بنود الاتفاق على تنظيم تبادل مستمر للمعلومات، بالإضافة إلى اجتماعات شبه دورية على مستوى رؤساء الأجهزة الثلاثة. وأيضاً، نص الاتفاق الأصلي مع تركيا، على إضفاء الشرعية على الارتباط الاستخباراتي بين البلدين، على أن تقدم الموساد معلومات حول نشاط عملاء السوفييت في تركيا، وكذا العملاء الذين يعملون ضد الأتراك في الشرق الأوسط، مقابل إمداد الإسرائيليين بمعلومات حول ما يمكن أن يؤثر على أمن الدولة اليهودية من النوايا السياسية والعسكرية للدولة العربية، وحول نشاط وشخصيات عملاء "الجمهورية العربية المتحدة" – "هكذا في النص" – الذين يعملون ضد إسرائيل. إن الغرض الأساسي للعلاقة الاستخبارية بين إسرائيل وتركيا، يكمن في تطويق العراق وسوريا من الشمال، وأيضاً، تطويق العراق من جهة الشرق، بإقامة علاقة وطيدة بالنظام في إيران. هكذا عملت الدولة اليهودية على تنمية سياساتها مع الإيرانيين لمعاداة العرب، ودخلت في "عمليات" مشتركة مع السافاك الدموي منذ أواخر الخمسينيات، ودعمت أكراد العراق لزعزعة استقرار الحكم في بغداد. ولكي ترتكز الموساد على أرض صلبة في إيران، قدمت للسافاك معلومات وافية من اتجاهات السياسة في العراق، والنشاط الشيوعي في البلاد العربية المؤثرة على إيران. لقد تصاعدت علاقة التنسيق الاستخباري بين الجهازين، لتصل إلى القمة في منتصف الستينيات، خاصة بعدما ازداد التوغل السوفييتي في المنطقة العربية، مما اضطر شاه إيران لفتح الأبواب السرية المغلقة لرجال الموساد، وإسباغ صفة الشرعية على عملياتهم الاستخبارية ضد العراق، إذ جعل من المناطق المتاخمة للحدود العراقية نقاط انطلاق، ومراكز لتجنيد وتدريب الجواسيس العراقيين على اختلاف الملل والاتجاهات، بل وكانت توجد بهذه المناطق محطات استقبال لاسلكية للمعلومات المتدفقة من بغداد. لكل ذلك، أمكن لضباط المخابرات الإسرائيليين، أن ينعموا بالأمن والانتشار والتحرك، بمعاونة ضباط من السافاك، فاستطاعوا تكوين شبكات جاسوسية خطيرة ومتشعبة، تمد الموساد بما يشبه خريطة سير العمل اليومي، وسجل للحياة المختلفة في العراق، كما تقوم بتنفيذ المهام والأوامر التي تكلف بها، لرسم خطط السياسة الإسرائيلية واستراتيجيتها لكل مرحلة. إن أهم ما كانت تسعى إسرائيل إليه هو العمل على هجرة يهود العراق. لذلك، اعتمدت وبشكل أساسي على عملائها في بغداد لضرب اليهود أنفسهم، والقيام بعمليات إرهابية ضدهم، تشككهم في نوايا العراقيين، فيندفعون وبقوة إلى الهجرة ومغادرة مواطنهم الأصلية غير آسفين. هذه كانت خطة الموساد ضد اليهود الآمنين، الذين استقروا وامتزجوا بالحياة بشتى صورها، حيث كان الإصرار على جلب اليهود يرتبط ارتباطاً قوياً بالرغبة العارمة في اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وتشريده، إما في الداخل كما حدث لمسيحي قريتي "أقرت" و "كفر برغم"، وإما إلى خارج الحدود كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين النازحين إلى الدول العربية المجاورة، هرباً من المذابح الجماعية الإرهابية، التي اتخذها اليهود دستوراً لإقامة دولتهم. لقد أرادوا "صهينة" فلسطين ونزع طابعها العربي عنها، وذلك بزرع المستوطنين الآتين من كل بقاع الأرض – ولا صلة بينهم إلا الدين ولا رابطة إلا العنصرية – مكان سكان البلد الأصليين. لهذا السبب، لجأوا إلى الإرهاب الذي لم يقتصر على الشعب الفلسطيني وحده، بل تعداه ليشمل كل العرب، والبريطانيين، والأمم المتحدة، حتى اليهود أنفسهم . ولأن العشرات من القرى العربية خلت من سكانها، فكان المطلوب، والهدف، هو إعمار هذه القرى المهجورة باليهود الجدد. لقد وقع على الاستخبارات الإسرائيلية عبء هذا الأمر.. ومن أجل ذلك، تأسست في العراق عام 1942 منظمة سرية عرفت باسم :"حركة الرواد البابليين"، مهمتها تعليم الشباب اليهود كيفية استعمال الأسلحة وصنع المتفجرات، فتكون بذلك منظمة مستقلة لها أسلحتها ومجندوها، ومستعدة للعمل في أية لحظة طبقاً لبرنامج محدد مدروس، إلا أن ظهور معارضة شديدة بين يهود البلاد العربية ضد الحركة الصهيونية، أدى لانزعاج قادة الفكر الصهيوني وأداة سياساته. وخوفاً من انتشار موجة المعارضة، كان اللجوء للإرهاب هو أقصر الطرق وأفضلها لوأد أية أصوات مضادة، تعرقل مسيرة الاستلاب والاحتلال. من هنا .. تحركت المخابرات الإسرائيلية سريعاً، وأوكلت إلى أحد عملائها في العراق مهمة تشكيل شبكة جاسوسية، تأخذ على عاتقها مسؤولية تهجير اليهود. فماذا فعل العميل الإسرائيلي؟ إنها قصة عجيبة من قصص المخابرات والجاسوسية في العراق ... !! إعدام الستة ميدان "العلاوي" في بغداد يعتبر من الميادين الكبيرة .. المزدحمة... تقع بأحد جوانبه محطة الأتوبيس الدولي عمان / بغداد، حيث تصطف عدة مقاه فسيحة، يملك إحداها يهودي عراقي، جذب إليها الكثيرين من اليهود الذين اعتادوا التلاقي بها، فكانوا يشكلون أغلب روادها، ولذلك سميت مقهى "اليهود". وفي أحد أيام مارس 1950، وفد إلى المقهى "زبون" غامض، كان يجلس بالساعات يشرب الشاي ويقرأ الصحف، واضعاً حقيبته الجلدية السمراء أسفل المائدة، متعمداً ألا يحادث أحداً أو يترك فرصة سانحة لذلك. كان سخياً جداً مع الجرسون، كثير الاستئذان للخروج تاركاً حقيبته ليجري مكالمة هاتفية، سرعان ما يعود بعدها إلى مكانه صامتاً.. تغطي نظارته السوداء التي حرص ألا يخلعها ملامحه. وذات مرة، ترك حقبيته وصحيفته وخرج .. وبعد دقائق، دوى انفجار شديد دمر المقهى عن آخره، أسفر عن مقتل سبعة عشر يهودياً وأصيب ضعفهم أو يزيد. الحادث المجهول ألقى الرعب في قلوب اليهود، خاصة والشرطة عجزت عن القبض على الفاعل، أو الاستدلال على شخصيته، إلا أنه لم تكد تمر عدة أيام، حتى انفجرت قنبلة أخرى في المعبد اليهودي المعروف باسم "ماسودا شيمتوف".. أدت إلى مقتل طفل يهودي دون العاشرة، كان يلهو بالردهة الداخلية التي انفجرت بها القنبلة. أسرع الموجودون بالمعبد بالفرار يحفهم الرعب، وأصيب العديد منهم أثناء الهرب، وللمرة الثانية، وقفت الشرطة عاجزة عن فك اللغز المحير. وفي ذات الوقت الذي انطلقت فيه أبواق الدعاية الصهيونية، تصور الحادث على أنه مذبحة مدبرة من العراقيين ضد اليهود، توالت الانفجارات لترويع الآمنين، وكان لفشل رجال الأمن في إيقافها أو القبض على الجناة، عامل مساعد لتأكيد الإشاعات التي ملأت أرجاء العراق؛ وتناقلها اليهود في دهشة وهلع. وبعد عام من الحادث الأول، كان "باسم الصايغ" يمشي بأحد شوارع بغداد عند الظهيرة... يحمل أطناناً من المعاناة والهموم، فهو شاب فلسطيني أجبر على الفرار من فلسطين، هرباً من مذابح العصابات الارهابية التي نكلت بأفراد أسرته. وبينما هو يمشي فوجئ بما لم يتوقعه أبداً، إذ شاهد ضابط مخابرات إسرائيلي ينتظر أمام فاترينة أحد المحلات. تمالك الشاب الفلسطيني نفسه وظل يراقبه عن بعد، وبحذر شديد اقتفى خطواته إلى أن رآه يدلف إلى مقهى، ويجلس بركن قصي. كان باسم يثق تماماً في ذاكرته، فهذا الضابط كان أحد أفراد فرقة "الهاجاناه" الإرهابية التي قتلت عمه وابن عمه أمام عينيه، فصورته المتوحشة لم تغب أبداً عن مخيلته، وللحظة ... فكر باقتحام المقهى وقتله ثأراً، لكن حسه الوطني منعه، فالإسرائيلي ما جاء إلى بغداد حتماً إلا لمهمة سرية. ومن أقرب تليفون، اتصل "باسم" بالشرطة التي جاءت على الفور وألقت القبض على الضابط الإسرائيلي. ضد التعذيب ... ! ! أخضع الضابط الإسرائيلي لتحقيقات أمنية مطولة، لم تسفر عن شيء في البداية، برغم مواجهته بهويته السورية المزيفة، حيث لم ينهار أو يعترف، فأعيد استجوابه بأسلوب "التعامل" مع المجرمين، إذ جرد من ثيابه، وأودع حجرة ضيقة جداً، سلطت عليه فيها لمبات كهربائية شديدة الوهج، كفيلة بأن تجز مقاومته... لكنه ظل يقاوم. لقد دربوه في أكاديمية الجواسيس في الموساد على تحمل شتى أنواع التعذيب البدني والنفسي، بما فيه الجوع والعطش، والحرمان من النوم لفترات طويلة ، فكان برغم قسوة "التعامل" معه، يبدو في كامل صلابته وإرادته. لكن ضابطاً عراقياً خبيراً – كان قد جاء لتوه من موسكو وقد تدرب جيداً على كيفية استجواب الخونة – أمسك بالكماشة ونزع ظُفر إصبعه الوسطى، فاندهش أمام ذلك الخنزير الذي لا يحس بالألم. وتساءل الضابط العراقي في نفسه: ألهذا الحد دربوه في إسرائيل؟ أظافر يده اليسرى بكاملها انتزعت، ولا يزال مصراً على أنه سوري من "السويداء" في الجنوب. وعندما غمس الضابط العراقي يده في الماء المملح، لم يتحمل الإسرائيلي صاعقة الألم التي نهشت بدنه، فصرخ وهو يتلوى، ويصيح في ذعر بأنه ضابط مخابرات إسرائيلي، جاء إلى العراق بأوراق مزورة للاتصال بأحد العملاء اليهود. وبالقبض على العميل العراقي "يعقوب الكالب" بمنزله القريب من ساحة الوثبة بحي الرصافة، لم يستغرق التحقيق معه وقتاً طويلاً، إذ انهار حين مواجهته بالضابط الإسرائيلي، واعترف في الحال على أعوانه الأربعة في شبكة الجاسوسية، التي قامت بعمليات التفجير المروعة في بغداد وأدلى "الكالب" بتفاصيل مذهلة عن نوايا الموساد، والمخططات المرسومة لترويع اليهود لدفعهم إلى الهجرة. كما أرشد عن مخابئ الأسلحة والذخيرة والمفرقعات بداخل المعابد اليهودية نفسها، وببعض المخازن على أطراف بغداد. وأثناء محاكمة الجواسيس الستة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، تبارت الصحف العراقية ووكالات الأنباء العالمية في نشر أخبار المحاكمة أولاً بأول، إلا أن إسرائيل خرجت كعادتها تنفي علاقتها بتفجيرات بغداد، أو بشبكة الجاسوسية، بل وادعت بأن "الضابط" الإسرائيلي لا صفة له بالمخابرات، فهو ينتمي لمنظمة متطرفة محظور نشاطها، واستمرت أبواق الدعاية الصهيونية تؤكد بأن السلطات العراقية تزج باسم إسرائيل في مشاكلها الداخلية، دون الاستناد إلى حقائق أو أدلة. وأصرت إسرائيل – لتضمن عطف اليهود – على موقفها حتى بعد ما أدين الستة وحكم عليهم جميعاً بالإعدام. هكذا .. سقطت أولى خلايا المنظمة السرية الصهيونية في العراق، التي تحركها الموساد، وتؤيدها سياسة إسرائيل، واستفادت المخابرات الاسرائيلية كثيراً من أخطاء شبكة "الكالب" التي أدت إلى سقوطها، وأعد خبراؤها تقارير حوت ملفات عديدة عن كيفية التعامل مع العراقيين، وتلافي سقوط شبكات مستقبلية في قبضتهم. لقد كان هناك صراع مرير، شرس، صراع عقول ونظريات وسياسيات، أو لنقل إنه صراع "أدمغة" يحمل الشر ونقيضه، يبدأ في تل أبيب، وينتهي في بغداد. فهل وقفت الأدمغة في إسرائيل موقف المتفرج السلبي؟ لا، فهي أعادت تنظيم خططها، وهاجمت من جديد. وفي بغداد ...كانت "الأدمغة" أيضاً تتوقع كل شيء .. وتعمل. لذا، اشتد الصراع، وحمى وطيسه بين الحاجبين. فتعالوا إلى ساحة المعركة، لنشهد معاً وقائع التراشق بالنظريات في عالم المخابرات والجاسوسية، تحسمها أسلحة الذكاء... !! |
|
| |
| | رقم المشاركة : 24 (permalink) |
|
| اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Iron Man [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] مجهود أكثر من رائع يستحق أجمل عبارات الشكر والامتنان تقبلي أخلص تحياتي عزيزتي " عذابي دلع " يثبت ! شكراا استاذ كريم ..هاي الكلمات محل فخر لي وشكراا على التثبيت.. تحيتي لك يالغلا |
|
| |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| وكر الجواسيس - سري للغاية | فــارس الحـ§§§ــناء | يوتيوب قناة الجزيرة - فيديو برامج قناة الجزيرة | 4 | 11-02-2009 06:43 AM |
| مجلة أمريكية تنشر تقريراً عن كتاب (لا تحزن) كأكثر كتاب عربي مبيعاً في العالم | دروب المحبـــــة | قناة أخبار مراسليها أعضاء المنتدى حول العالم | 9 | 01-25-2008 10:19 AM |
| كتاب: الحجج الدامغات لنقض كتاب المراجعات | قناص الرافضة | منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة | 1 | 06-29-2007 03:50 AM |
| ذبح احد الجواسيس في الموصل | قتيل الوهم | عجائب وغرائب | جرائم وأحداث | 16 | 11-06-2004 01:14 AM |