| | ||||
| | دردشة رورو | | ||
| | ||||
![]() | | |||
| | ||||
| | | | | |
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
![]() |
جديدنا : مجلة عالم الرومانسية العدد السادس - مجلة زخات مطر العدد الأول - صحف - صور ماسنجر - موقع اطفال - ازياء - صور ديكور - جمال حواء - سيارات - نكت - صور صور
|
| |||||||
| التسجيل | تعليمات | قائمة الأعضاء | الأوسـمـة | التقويم | أعمال مميزة | مسابقات المنتدى | اجعل كافة الأقسام مقروءة |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
| | رقم المشاركة : 11 (permalink) | |||||||||
|
| قصة هروب الصحفي المصري "نبيه سرحان" من مصر لإسرائيل سمح له بالسفر إلى ليبيا بشرط عدم مهاجمة مصر زوجته المصرية ليلى موسى: vفي أثينا قال زوجي للسفارة الإسرائيلية أريد منكم "ميكروفونا" فقط فأعطوه برنامج "ابن الريف" صحفي مصري لجا لإسرائيل عام 1968، فغير اسمه من "يوسف سمير" إلى "نبيه سرحان" وأسماء أخرى، وتابع الملايين من الشعوب العربية برنامجا إذاعيا كانت تبثه إسرائيل وموجه ضد مصر والدول العربية الأخرى بعنوان" ابن الريف"، والجميع يذكر حتما أول الكلمات التي كانت تبث في ذلك البرنامج الموجه:"إخواني يا ولد مصر الطيبين……" ابنة الصحفي المصري مطربة إسرائيلية "حياة سمير" ومعه زوجتان، الأولى مصرية "ليلى إبراهيم موسى" عايشت معه رحلة الهروب من مصر إلى إسرائيل والزوجة الثانية فلسطينية من مدينة " حلحول" " عناد رباح" عايشت معه رحلة أخرى في إسرائيل . وقصة " ابن الريف" غريبة، مثيرة، يصعب توقعها إلا في أفلام " الحرب السرية" الغامضة، ولكنها حقيقة عاشها صحفي مصري ، اختفى 10 سنوات في إسرائيل تحت أسماء مختلفة وقال عن نفسه بأنه يهودي من اصل ليبي، حتى زيارة السادات للقدس، عندما وقف أمام الرئيس المصري الراحل السادات في مطار "بن غوريون" وقال له : أنا هنا في إسرائيل خلف الميكروفون". ويقول في مقدمة كتابه الأخير" نبيه سرحان معهم في الغربة" أيضا:" وتجدني "أنا المصري" القاطن بين طرفي النزاع وعلى حدود مستوطنة "جيلو".."بيت جالا "، أشاهد بأم عيني، ليل نهار، نيران المدافع الثقيلة والدبابات والصواريخ والمروحيات العسكرية، ترمي بحممها سكان المدينة، بسبب بعض الطلقات من بنادق خفيفة لا تؤثر على الجانب الآخر، وتقابل هذه الطلقات بأقسى الوسائل من إغلاق وحصار للمدن الفلسطينية، والتي تساعد على خنق البقية الباقية حتى من أنفاس السماء، وجثامين تشيع من الجانبين، في كل لحظة، لحظات الألم و المعاناة، من شعبين قدر عليهما أن يعيشا معا، وأنا وزوجتي داخل بيتنا في منطقة "بيرعونا"، في هذه الظروف، وجدتني ابحث عن لقاءاتي مع اخوتي من المغتربين في آخر زياراتي للولايات المتحدة الأمريكية لاضعها في كتاب آخر". الزوجة المصرية لابن الريف ليلى إبراهيم موسى: عندما وقعت حرب حزيران 1967 كنت متزوجة من "يوسف سمير " منذ أسبوعين، وشارك في الحرب كمتطوع من الجيش الشعبي، وكنا نسكن في حي "روض الفرج" في منزل خاله، واذكر تلك المرحلة المؤلمة، بعد النكسة فقد تحولت القاهرة لمدينة أشباح، الجميع صامت والسواد في كل مكان، و استشهد في الحرب أعداد كبيرة من المصريين، وانتظرت عودته ولم يرجع، ومرت الشهور، واعتقدت بأنه استشهد في الحرب، وبعد تسعة اشهر وعند الساعة الخامسة صباحا، جاء المنزل والدي، حيث عدت لمنزل الأسرة طبعا في تلك الظروف، وكان عمري 14 عاما، وسمعته يقول لوالدي بأنه كان في سجن " أبو زعبل " بمصر، واخذ يتحدث عن اعتقاله، وكان آنذاك يكتب قصائد شعر ومقالات لإذاعة الشرق الأوسط المصرية، وعندما اندلعت الحرب كان في منطقة القنطرة، وزارهم في الموقع مذيع من الإذاعة، فتحدث "يوسف سمير" وقال:"قل لأحمد سعيد إننا مهزومين، و أن يكف عما يذيعه في الإذاعة من بيانات غير صحيحة، أن ما نسمعه في الإذاعة هو فضيحة". وعندما سمع قائد الموقع كلامه، أمر الجنود بان يغمضوا عينيه، واقتادوه للسجن، وبقى في السجن تسعة اشهر دون أن يتمكن من إبلاغ ذويه، وبعد عودته، توجهت معه للقاهرة لمنزل خاله حيث كنا نسكن، وكان " يوسف" يائسا جدا، فوجد خاله قد باع أثاث منزلنا، واستولى على البيت وقال له :" لا بيت هنا". فاضطررنا أن نتوجه للسكن في فندق متواضع جدا، ولم يكن معنا نقود، واخذ يبحث عن عمل، دون جدوى، حتى وافقت مطيعة على طباعة ديوان شعر له ، وطبع له، ولكن الأمن المصري صادر الديوان، فأصبحت الحياة مستحيلة والأبواب مغلقة ، فقرر أن يخرج من مصر، فسارع باستخراج جواز سفر مشترك له و لي، وقررنا السفر إلى ليبيا، في أوائل العام 1968، وكنت حاملا بابنتي "حياة "، وأسرعنا بالسفر برا إلى ليبيا، خوفا من أن يوضع اسمه في الحدود على القائمة السوداء، وكان يفترض عند نقطة الحدود في السلوم أن يتم التدقيق، فنزلنا من السيارة عند منتصف الليل، ونحمل حقائبنا، ومشينا في طرق بعيدة، حتى الساعة الثامنة صباحا، لتجاوز التدقيق الأمني المصري، فوصلنا لاخر نقطة مصرية حدودية، فرفضوا مرورنا، وطلبوا منا العودة لنقطة الأمن السابقة لختم الجواز، وتوسلنا إليهم، وعندئذ أرسلوا معنا سيارة لإيصالنا لختم الجواز، وهناك وجد اسمه ضمن القائمة السوداء، ممنوع من السفر، فعدنا إلى القاهرة، بعد رحلة العذاب تلك بدون جدوى. وبعد عودتنا للقاهرة، كان " يوسف " محبطا للغاية، وبعنا كل ما نملكه وهي أشياء بسيطة وباع ساعة يده، واصطحبني معه إلى مكتب مسؤول مصري كبير وهو " شعراوي جمعة "، ودفعنا مكتبه وسمعت حوارا بينهما غريب جدا، فقد كان " يوسف " أو " نبيه سرحان " غاضبا جدا، وقال لشعراوي جمعة: "لقد حاولت أن اترك مصر لكم، ولكنكم رفضتم السماح لي بالخروج، لماذا؟ أنا اترك لكم مصر، افعلوا كما تريدون، واتركوني لشأني". فتدخل سكرتير شعراوي جمعة لإسكات " نبيه سرحان " زوجي، فاسكته " نبيه " ووجه الحديث لشعراوي جمعة: " أنني لا املك أي شيء، تستطيع أن تفعل بي ما تشاء، اعتقلني، اقتلني، ولكن أريد أن أخبرك ، يوجد في جيبي 20 جنيها فقط، سأنزل واشتري مائة متر قماش واكتب عليها " يسقط شعراوي جمعة " واقف بجانبها اسفل مكتبك في الشارع". ورد جمعة:" انك تتهجم علي، وانك تريد السفر للخارج لتهاجم مصر ولن نسمح لك بذلك". وبعد حوار ونقاش ساخن، غير شعراوي جمعة من موقفه وقال اسمح لك بالسفر بشرط أن تتعهد بعدم مهاجمة مصر ووافق " نبيه سرحان" على ذلك ووقع على تعهد. واخذ جواز السفر من جمعة، وقاله إنني سأذهب إلى لبنان كي اطبع كتبي لدى نزار قباني فأنا اعرفه و سيساعدني في ذلك". وأضافت " ليلى موسى " : " و عدنا وسافرنا مجددا إلى ليبيا، ورفع الحظر الذي كان موجودا على سفر زوجي، ودخلنا ليبيا بشكل طبيعي، فتوجه زوجي وطلب مقابلة الملك السنوسي، وحمل معه كتبه و مقالاته، واصطحبني معه وكنت حاملا، وحالتي الصحية متعبة، وأخذني حتى يتأثر الملك السنوسي لوضعنا البائس، ودخلنا على الملك، ورحب بنا، وقال زوجي للملك السنوسي : لا مكان لي إلا هنا ، وزوجتي حالتها الصحية سيئة، ولا نقود معي. فقال الملك السنوسي : " أنت كاتب جيد، وكتاباتك تقوا انك سياسي اكثر من اللازم، وعلشان خاطر الست المريضة زوجتك، أوافق أن تكتب في جريدة " العلم "الليبية، في كل شيء تريده إلا السياسة لا، أنا على علاقة طيبة مع جمال عبد الناصر ومصر ولا أريد مشاكل مع أحد". وفعلا عمل زوجي في صحيفة " العلم" الليبية، واستأجرنا منزلا، وتحسن الحال، ولكنه لا يستطيع أن يبقى هادئا، فكتب مقالا في جريدة " العلم " الليبية أوصلنا لإسرائيل وهاجم في مقاله مصر، وكانت المخابرات المصرية آنذاك تتابع صحيفة " العلم "، فاحتجت مصر لدي الملك السنوسي، وخلال 24 ساعة أمر الملك السنوسي بطردنا من ليبيا، وتم إبلاغنا بقرار الإبعاد، وقالوا لنا : " لن نسلمكم لمصر، واختاروا أي دولة أخرى تريدون الذهاب لها". وسافرنا بالطائرة من مطار ليبيا ولم تقبلنا أي دولة أوروبية وننام في المطار ثم نعود لمطار طرابلس، وهكذا، حتى نفذت نقودنا، وقاموا في مطار ليبيا بجمع ثمن تذكرة سفر لنا من المسافرين، وآخر رحلة توجهنا بها إلى اليونان، وسمحت اليونان لنا بالدخول، ونحن في حالة يرثى لها، وأنا ما زلت حامل، وصحتي في تدهور بسبب الظروف التي واجهتها، وتطلب الأمر نقلي للمستشفى في أثينا، ثم خرجت من المستشفى، ومشيت مع " نبيه " مساء في ميدان بأثينا، وفجاءة تقابل زوجي مع دبلوماسي كوبي يعمل في السفارة الكوبية في مصر، ويعرفه " نبيه " فسلم عليه، وأعطاه الدبلوماسي عنوان الفندق الذي ينزل به، وذهبنا إليه، وتحدث زوجي عن مشكلته، فقال الدبلوماسي الكوبي : " لن تقبلك أي دولة كلاجئ، لا دولة عربية ولا أفريقية إلا دولة عدو مصر". ويبدو أن زوجي اصبح يفكر بنفس الاتجاه، وبدون علمي، توجه لسفارة إسرائيل في أثينا، وطلب مقابلة القنصل، ولحسن حظه، قابل القنصل الإسرائيلي "ايلي دويك"، وهو يهودي من اصل مصري، وعاش فترة طويلة في مصر، ودرس في الجامعات المصرية ، أي انه وجد من يفهمه، ورحب به القنصل الإسرائيلي، وطلب زوجي اللجوء لإسرائيل، وقال للقنصل لا أريد منكم سوى " ميكروفون" ويقصد العمل الإذاعي". وقالت زوجة الصحفي المصري : "طلب القنصل الإسرائيلي من زوجي، الانتظار حتى يأتي رد تل أبيب، فالمسالة ليست سهلة، وتأخذ وقتا، وجاءت موافقة مبدئية، ووضعه الإسرائيليون في أثينا على جهاز "كشف الكذب"!، وتمت الموافقة لعدة شهور، وخلال تلك الفترة كان يرسل لإذاعة إسرائيل، أشعارا ومسلسلات درامية إذاعية، وفي بداية العلاقة مع القنصل الإسرائيلي أعطاه الدبلوماسي الإسرائيلي 300 دولار لنفقاتنا". وحول موقفها اتجاه اللجوء إلى إسرائيل قالت ليلى:" بعد أن ذهب للسفارة الإسرائيلية في أثينا، جاءني وابلغني بما حصل فصعقت وثارت ثائرتي، كيف تأخذني لإسرائيل، لمن قتلوا أبناءنا، هؤلاء الصهاينة القتلة، أنا أريد أن أعود إلى مصر مهما كان الأمر" فقال لي : " أنا لا أستطيع العودة لمصر، قرري ماذا تريدين، أما السفر معي لإسرائيل أو تعودي بمفردك إلى مصر". وجدت نفسي أمام خيار صعب جدا، وفي النهاية وافقت على الذهاب معه لإسرائيل، ولكن بقينا شهورا في أثينا وهنالك موافقة إسرائيلية لدخولنا إسرائيل، فماذا ننتظر؟ وبدأت ألح على زوجي، خاصة أنني على وشك الولادة، واخذ من جانبه يضغط على السفارة الإسرائيلية، حتى تقرر سفرنا لإسرائيل وكنت في الأيام الأولى من الحمل بالشهر التاسع بابنتي" حياة "، ودخلنا إسرائيل، وأدخلوني المستشفى، وتمت الولادة، وعرضوا علينا الإقامة في " تل أبيب" فرفضت ذلك، وقلت للإسرائيليين إما أن نسكن في القدس أو نعود من حيث أتينا، فوافقوا، ومنذ ذلك الوقت ونحن نسكن في هذه البقعة الطاهرة قرب المسجد الأقصى". وردا على السؤال لماذا اختفى زوجها خلف أسماء مزيفة قالت ليلى : " لقد اشترط علينا الإسرائيليون الصمت التام، وأن لا نقول أبدا بأننا مصريون خوفا على حياتنا والتزمنا الصمت 10 سنوات، وطلبوا منا أن نعرف على أنفسنا في المجتمع الإسرائيلي بأننا يهود من اصل ليبي، مهاجرون لإسرائيل، وبقينا بهذه الصورة حتى زيارة السادات للقدس. لقد صمت عشر سنوات كاملة، لم أتحدث و أنا منذ ثلاثين عاما وأنا أعيش على أمل العودة لمصر، أصبحت أعيش مثل الشعب الفلسطيني والذي يحلم بالعودة لبلده.." وحول لقاء زوجها مع الرئيس السادات قالت:" عندما جاء الرئيس الراحل السادات في زيارته التاريخية للقدس، ذهب زوجي" نبيه سرحان " إلى مطار بن غوريون، كمذيع في الإذاعة الإسرائيلية، وهناك وجد زملاءه المذيعين والصحفيين وغيرهم ممن يعرفهم، وقد اصبحوا في مراكز كبيرة مسؤولين أو إعلاميين ضمن الوفد المرافق للرئيس السادات، وكان اللقاء بينهم حارا و حميما، فلم يكن أي منهم يعرف انه في إسرائيل ، كانوا يعتقدون انه في ليبيا، وصافح الرئيس السادات، فقال له الرئيس الراحل السادات : "أين اختفيت ،كنا نعتقد انك في ليبيا ، أنت سبقتني لإسرائيل". وعندها سمعت الصحافة الإسرائيلية بالموضوع فكتبت خبرا صغيرا " مصري يكتشف عندنا في إسرائيل". وردا على السؤال أن كان الرئيس السادات وافق على عودتها وزوجها لمصر فقالت : " لقد استغل زوجي زيارة الرئيس السادات لإسرائيل، وطلب منه الإذن بعودتنا أو زيارتنا لمصر، فوافق الرئيس السادات، ورحب برجوعنا، فذهبت للسفارة المصرية وطلبت تأشيرة دخول، وبعد كفاح طويل لعام ونصف، حصلت على الموافقة، وسافرت مع أولادي لمصر وبقي زوجي ولم يذهب معنا ، وقضينا أسبوعين في مصر ، وتجولنا في الأماكن السياحية وزرنا أقاربنا، ولكن الأولاد رفضوا العيش في مصر رغم إلحاحي عليهم، واثروا العيش في إسرائيل، وجميعهم اصبحوا فنانين، فابنتي" حياة " مطربة، وابني " سامي " ممثل، والبنات موسيقيا تدرسن جميعهن في الأكاديمية الموسيقية الإسرائيلية". | |||||||||
|
| |
| | رقم المشاركة : 12 (permalink) |
|
| جهاز [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]الموساد يتعلم المرشحون الجدد من المدربين في مدرسة الموساد كيفية تجنيد العملاء في المخابرات الإسرائيلية ، وعموما من ناحية سيكولوجية ، تراعى نقاط الضعف في الشخص الذي يراد تجنيده ، وتدرس جيدا السمات الشخصية والمزاجية لهذا الشخص قبل عملية الاقتراب منة . وهناك ثلاث أساليب رئيسية تستخدمها الموساد للتجنيد وهى : الجنس والمال والعاطفة ،( سواء أكانت الانتقام او الأيديولوجية). إن فكرة التجنيد لدى الموساد تشبة دحرجة صخرة عن تله وتستعمل كلمة (ليداردو) ، والتي تعنى الوقوف على رأس تله ودحرجة جلمود من هناك ، وهذه هي الطريقة التي يتم بها تجنيد العملاء ، يتم اخذ شخص وجعلة تدريجيا يقوم بشيء مخالف للقانون او للأخلاق ، ويتم دفعة منحدرا عن التله ، لكنة إن كان هذا الشخص على قاعدة راسخة فانة لن يقدم المساعدة ، ولا يمكن استخدامه ، والقصد كله هو أن يتم استخدام الناس ، ولكن لكي يتم استخدامهم يجب قولبتهم ، وإذا كان هناك شخص سعيد في حياته ولا يحب الشرب او الجنس وليس بحاجة للمال ، وليست لدية مشكلات سياسية فلا يمكن تجنيده ، وما يمكن عملة هو التعامل مع الخونة ، فالعميل خائن مهما كانت درجة عقلنتة للأمر ، لذلك تتعامل كوادر الموساد مع أردأ أنواع البشر ، وقد تستخدم مهارات عاليه وغامضة في كيفية استقطاب الجواسيس في دول الجوار . وتقوم الموساد بتدريب عملائها على كيفية التعامل مع السلاح وحماية الذات والاستهانة بالموت ، حيث يتم تدريب المرشحين على كيفية سحب المسدس أثناء الجلوس في مطعم إذا اقتضى الأمر ، إما بالسقوط إلى الخلف على المقاعد واطلاق النار من تحت الطاولة ، أو بالسقوط إلى الخلف ورفس الطاولة في الوقت نفسة ثم إطلاق النار ، وكل ذلك في حركة واحدة ، ولقد تم التساؤل ما الذي يحدث لمشاهد برئ ؟ ( يقول أحد المتدربين ) : تعلمنا أنة لا يوجد مشاهد برئ في موضع يحدث فيه إطلاق النار ، فالمشاهد سيرى موتك وموت شخص آخر ، فإذا كان موتك ، فهل تهتم إذا أصيب بالجراح ؟ بالطبع لا ، إن الفكرة هي البقاء – بقاؤك أنت ، يجب أن تنسى كل ما كنت قد سمعته عن العدل ، ففي هذه المواقف إما أن تكون قاتلا او مقتولا ، وواجبك أن تحمى ملك الموساد ، أي أن تحمى نفسك ، وبمجرد أن تفقد هذا تفقد عار الأنانية ،حتى أن الأنانية تبدو سلعة قيمة – شيئا يصعب عليك أن تنفضه عنك عندما تعود إلى بيتك في أخر النهار ، وقد طبق أثناء عملية التدريب استبيان عن الاتجاهات خاصة عن القتل . ويعتبر ذلك في الموساد نقطة أساسية في أعمال الجاسوس الإسرائيلي ، خاصة الذين يلتحقون بفرقة( الكيدون ) وهي وحدة داخلية من جهاز الموساد وتقسم إلى ثلاث فرق كل منها مكون من اثني عشر شخصا ، مهمة هؤلاء الاغتيال ويطلق عليهم "ذراع عدالة إسرائيل الطويلة " أو ( الحربة ) وهي وحدة الاغتيالات المسئولة عن الجواسيس ، وتلعب سيكولوجيا الجنس دورا مهما في أعمال الموساد الميدانية والتي هي على درجة عالية من الستر ، واستخدام النساء شائع كذلك في أعمال معظم المخابرات الأخرى ، ولكن يبدو انه ليس هناك من يجيدة اكثر من المخابرات الإسرائيلية . وعادة ما يتم تدريب المرشحين الجدد على كيفية توظيف الجنس في أعمال جمع المعلومات او التجنيد بعد الابتزاز ، وفي مبنى قيادة الموساد هناك ما يسمى بــ ( الحجرة الصامتة ) وهناك شبة اتفاق بين رجال الموساد أن يقيموا اتصالات جنسية . ( ويذكر أحد المرشحين ) : " ما خيب أملي أنني اعتقدت عند حضوري إلى هناك أني ادخل معبد إسرائيل المهيب فإذا بي في سدوم وعمورة " ، ( وهى أماكن اللواط والجنس ) . وكل شخص مرتبط بشخص آخر من خلال الجنس ، كان نظاما متبادلا من الخدمات المتبادلة ، أنا أدين لك ، وأنت تدين لي ، أنت تساعدني وأنا أساعدك ، كانت اغلب السكرتيرات في مبنى الموساد على درجة عالية من الجمال ، وهذا أحد شروط اختيارهن وقد يصل الأمر حد الطلب إليهن أن يكن مرنات بما يتمشى ذلك مع العمل ، وبعض العملاء لهم سطوة غير عادية على النساء فوصف أحدهم ( كان جذابا للنساء كالمغناطيس ) ويصف أحدهم مشكلات الخيانة الزوجية : ( هذا هو الشخص الذي تأمنة على حياتك ، لكن يجدر ألا تأمنة على زوجتك ) ، فقد تكون في بلد عربي ، في الوقت الذي يقوم فيه بإغواء زوجتك ، واصبح من المألوف جدا إذا ما تقدم شخص للعمل في الموساد أن يطرح علية هذا السؤال ، لماذا أنت من ذوى القرون ؟ . أي الذي تخدعهم زوجاتهم ، وكان لدى بعض رجال الموساد عدد من الخليلات وتستخدم شقق هؤلاء الخليلات كبيوت مأمونة ، يقوم عملاء الموساد بالمبيت في كل ليلة في شقة مختلفة ، وقد تختار الموساد نساء جذابات للرجال كالمغناطيس مما يسهل عملية ابتلاع السمكة للخطاف ، ولا يمكن تصور الأهمية التي يلعبها الجنس في حياه ضباط وعملاء الموساد فعامل عدم اليقين يعنى الحرية المطلقة . فإذا ما التقى الضابط أو العميل بمجنده وأراد أن يقضى نهاية الاسبوع ، معها فالأمر سهل لأن زوجته اعتادت على حقيقة غيابه عن البيت ، وهذا النوع من الحرية مرغوب فيه والطرافة الحقيقية انك لا تستطيع أن تصبح عنصرا في الموساد ما لم تكن متزوجا ، ولا يمكنك السفر إلى الخارج ، وهم يقولون أن شخصا غير متزوج سوف يسعى للعبث مع الفتيات وقد يلتقي بواحدة تكون عميلة . هذا في حين أن الجميع كانوا يعبثون ، مما يجعلهم عرضة للابتزاز ، ففي سيكولوجيا الاستخبارات الإسرائيلية تم تكريس انتباه خاص للافخاخ الجنسية ، حيث تلتقط صور لنساء شابات في أوضاع مثيرة ، وتستخدم لابتزاز الأشخاص المطلوب منهم التعامل مع المخابرات ، حيث يتم تهديدهم بنشر تلك الصور ، وهذا يعتبر سلاحا قويا في أجهزة المخابرات الإسرائيلية ( بالنسبة لمجتمع مسلم تقليدي) وكذلك يقوم جهاز ( الشين بيت ) باستغلال الزيارات التي يقوم بها المواطنون لمراكز عمل تصاريح المرور والعمل ، وكان ( الشين بيت ) يعتمد طريقة إظهار أن السجين او الموقوف قد اصبح مخبرا ، وذلك بتعريضه لانتقام زملائه السجناء ، ولقد قامت الموساد بتركيب صور فاضحة بصورة فائقة بهدف الابتزاز أو المساعدة في جمع المعلومات ، ولقد تم تصوير بعض القادة العرب من خلال عملية التلاعب بالافخاخ الجنسية ، وتلعب هذه العمليات الابتزازية وفق نشاط رجال الموساد وعملاؤهم وتبعا لسيكولوجيا الجنس دورا مركزيا في الحرب النفسية كما يمارسها جهاز الموساد. * التجـنــيـــد * تتنوع أساليب (الموساد) في تجنيد العملاء وتدريبهم والسيطرة عليهم تنوعا كبيرا حسب اختلاف الهدف ومجال العمليات ، وحسب القسم المسؤول عن العميل في المركز الرئيس. ولا توجد قاعدة واضحة محددة تستلزم الحصول على موافقة المركز الرئيس.. قبل تجنيد عملاء - باستثناء حالة البلدان الشيوعية ، والإسرائيليون مستعدون لاستغلال أي نوع من الدوافع ( جميع أشكال الدوافع لدى العملاء لكسب عملاء جدد ) ويستغلون إلى حد بعيد في تجنيد العملاء نقطة الضعف التي يتصف بها أولئك العملاء ، ويمكن أن نلخص نقاط الضعف هذه أو الدوافع على سبيل المثال لا الحصر بالتالي: * دوافــع التجنيـد * 1- الدافع المادي بغرض تحقيق رغبة ، أو "أمنية" يصبح الفرد أسيرا لها، وهنا يتم عرض او ( إغداق المال) على العميل إما لقضاء حاجته او للتمتع بالخمر والنساء والظهور بمظهر القادر واللائق أمام حبيبته أو أهلة أو زوجته أو القادر بعد فشلة لسنوات في جمع المال ، أو بعد تجارة خاسرة ، أو( للاستمرار ) في الظهور بنفس الحياة بعد فقدان ذلك او عرض مبالغ او رواتب على موظفي الفنادق ،أو سائقي تاكسيات الأجرة ذوى الدخل المحدود ورغبة بعض هؤلاء في عدم الاكتفاء ( بالدخل المشروع ) ، واتباع اقصر الطرق وأسهلها للثراء مع الاستهتار بجميع القيم . 2- الأفراد الموتورون ، واللذين لحق بهم ضرر نتيجة قيام الثورات في سوريا ، ومصر، او نتيجة للتأميمات ، أو اللذين اغتيل او اعدم مقربون لهم ، كأزواجهن أو أبنائهم لخيانتهم فتستغل ( الموساد) ذلك وتتصل ببعض هؤلاء بدافع الانتقام والشعور بالاضطهاد وما يتولد عند هؤلاء من حقد. 3- نقص الدافع الوطني، خاصة عند اللذين يكثرون من الاختلاط بالأجانب ، ويقلدونهم ويتقمصون شخصيتهم وطريقتهم في الحياة ، ( المغتربون وطنيا ) الذين يعنون ( الاغتراب الفكري ) وبعض هؤلاء يتولد عندهم عدم الولاء) خاصة من أفراد بعض الأقليات والمتجنسين. 4-الضعف الخلقي والشذوذ الجنسي ،أو خلق ( الشذوذ ) أو ممارسته مع البعض بهدف تجنيده ، مع تصويره وتهديده بذلك. 5- الابتزاز والضغط والتهديد والمساومة ، مثلا الإفراج عنة من الحبس مقابل مهمات معينة ، أو تخيف العقوبة مقابل تجنيده ، أو تهديده بأحد أفراد أسرته ، بقتل طفلة ، أو اغتصاب ابنته ،أو زوجته ، أو ما شابة ذلك ، خاصة بالنسبة لبعض المناطق التي تقدم هذه المسألة على مسألة "الخيانة" ،( العرض ولا الأرض) وعند الموافقة يضيع العرض ( نقطة الضعف ) وتطير الأقدام من فوق الأرض . 6- بعض تجار المخدرات والمهربين ، مقابل مساعداتهم في التهريب ، او تمرير بضائعهم ، يدفعون (المقابل). 7- استغلال عقدة الذنب بالنسبة لبعض الألمان خاصة الذين كانوا في القوات النازية أو تكوين او تنمية تلك العقدة لدى بعض الشباب واستغلالها او استغلال بعض ما تبقى من الضباط النازيين السابقين والذين تكشفهم " الموساد" وتساومهم على ذلك ، ويتم ابتزازهم بإفشاء سرهم أو العمل مع الموساد كما حدث مع متعهد السفن الألماني ( مانفريد جايجر ) في السنغال حيث اضطر للعمل مع الموساد بعد أن حدثوه بما فعلوا بـ( أيخمان). 8- التهديد بالقتل ، او العمل مع الموساد ، وهذه قد تنجح مع بعض المترددين والمهزوزين وطنيا. 9- ولقد استخدم الإسرائيليون مرات عديدة أسلوب ( العمل لصالح دولة أخرى) كأن تقوم الموساد بتجنيد فرنسي يعمل مع (حلف الناتو) وان يقوم عربي ( عميل للموساد) بتجنيد عميل للعمل لصالح الاستخبارات المصرية او السورية او يدعى فلسطيني أنة في المقاومة ويقوم بتجنيد مجموعة على هذا الأساس ، وفي اللحظة التي تنوى هذه المجموعة العمل يتم ضبطها وتهديدها والمساومة معها وتجنيد بعضها. 10-استغلال دافع الغيرة والمنافسة والخلافات السياسية والخلافات العشائرية لتجنيد أفراد (من تقف معهم ضد الطرف الأخر). إن اكتشاف طرق وأساليب ودوافع التجنيد لأي منظمة استخبارية ، له أهمية للوقاية منها ومحاربتها وكشف من وقع في حبائلها ، ومراقبة شبكاتها وتختلف أساليب تجنيد وطرائق التجنيد في الموساد حسب "جنسية المجند" فلكل جنسية طرائق وأساليب ودوافع مختلفة. ونحاول هنا تحديد كيفية اختيار الموساد لعملائها او موظفيها من الإسرائيليين والذين بالتأكيد يمتلكون دوافع تختلف عن دوافع عملائها من العرب والفلسطينيين، كما أن أساليب عملاء الموساد من اليهود تختلف أيضا عن تجنيد عملاء أجانب من جنسيات مختلفة. ونتعرض هنا إلى: 1- عندما يكون المجند " العميل" إسرائيليا . 2- عندما يكون المجند " العميل" يهوديا. 3- عندما يكون المجند" العميل" أجنبيا. 4- عندما يكون المجند" العميل" فلسطينيا او عربيا. وهنا ملاحظة نود الإشارة إليها وهي أهمية المكان في التجنيد ، هل التجنيد تم داخل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ؟ هل المجند او (عائلته) يقيمون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ؟ أم هل التجنيد تم في الخارج ؟. وفي كل الأحوال ، فان هناك أهمية كبرى للضابط الذي قام بعملية التجنيد ، وكذلك للضابط المشرف على التشغيل والسيطرة على العميل؟ كما نشير أيضا إلى مدى الأهمية التي تعلقها الموساد على هذا او ذاك من العملاء : حسب سنة (عمرة) و موقع عملة ، ( داخل الهدف) او ( خارجة) وحسب وضعة الاجتماعي ، وهل هو تجنيد ( طويل الأمد) او ( للحرق السريع) او ( الطعم) . كل هذه التساؤلات ضرورية ونحن نبحث موضوع التجنيد ونستذكر في هذا الصدد ما قاله أحد رجال الاستخبارات الإسرائيلية ( بوريس غورييل) لبن غوريون : " إذا كنت تريد معرفة ما يفكر فيه أصحاب الشأن والنفوذ ، فعليك أن تكون حيث يكونون " … باختصار ، هذه العبارة حددت ماذا نريد معرفته، وعلى ضوء ذلك يتم التجنيد. - كيف يتم اختيار العملاء؟ - كيف يتم تدريب العملاء؟. - كيف يتم الاتصال بالعملاء؟. - كيف يتم السيطرة على العملاء؟. - كيف تتم إنهاء خدمات العملاء؟. إن الإجابات على هذه التساؤلات تختلف أيضا باختلاف "جنسية" العميل بعبارة أخرى ، إن اختيار العميل يختلف باختلاف اصل الأشخاص المطلوبين للعمل في جهاز الموساد . أولا- المجند/ العميل الإسرائيلي : تختار الموساد ضباطها ومد راء أقسامها ومسئولي محطاتها والعناصر المهمة في هيكليتها ، أي جسمها الرئيس من الإسرائيليين واكثر تحديدا من ( الرعيل الأول ) من المهاجرين ومن الذين لهم ( تاريخ ) مؤكد وهم : 1-من أفراد وضباط القوات المسلحة ممن برزوا في حياتهم العسكرية ، وشاركوا في الحروب العدوانية ضد العرب ، والفلسطينيين. 2-من طلاب المدارس والمعاهد والجامعات المتفوقين والمبرزين في حياتهم وعملهم وممن انهوا (الخدمة الإجبارية) في الجيش . لقد نادي زعماء الموساد دوما بأهمية تجنيد خريجي (الجامعات) من (نظرة صهيونية عنصرية) بقولهم" يجب أن نتميز تميزا ملائما بالنسبة للعدو في كل وقت" .. وحتى هؤلاء – فيتم اختيارهم من ( الاشكنازيم) وليس من ( السفا رديم ) ، أي من أصول – يهودية غربية بالتحديد - ليست شرقية - وأكثر تحديدا - ليس من يهود البلاد العربية ( السفا رديم ) ، الذين يستخدمون كمخبرين ، ومنفذين ، وعملاء صغار ، على مستوى كل المد راء ، ومد راء الأقسام ، وعدد من الذين كشفت أسماؤهم لسبب او لاخر ، ولا تجدهم إلا من ( الاشكنازيم ) .. إن أجهزة الأمن – وبالتحديد ( الموساد ) هي من إقطاعيات ( يهود الغرب ). إن جميع الذين يتم اختيارهم للعمل في ( الموساد ) يقدمون بيانات - عن تاريخ حياتهم - ويخضعون لتحقيق روتيني وقد يشمل التحقيق أحيانا عائلة المجند ، إن التقارير الأمنية حول الإسرائيليين المولد هي سهلة نسبيا حيث أن حياة ( الشاب الإسرائيلي ) –الصابر – المولود في ( فلسطين المحتلة ) تكون موثقة جيدا ، ولا يتمتع " بالخصوصية " في حياته ، فهي موجودة في ( ملفات البوليس ) ، وسجلات المدارس والجامعات ، وسجلات الجيش ، وحركات الشبيبة ، والعلاقات السياسية ( والتاريخ العائلي ) ، والسجلات الانتخابية والعلاقات مع الأصدقاء .. وكل هذه العلاقات تخضع للمراقبة وان كان المتقدم للعمل في الأجهزة الأمنية خاصة ( الموساد ) مولودا داخل ( فلسطين المحتلة) أو في الخارج ، فان سجلات - دائرة الهجرة - تعطى معلومات كاملة يمكن اختيارها هي الأخرى ، وتتحقق ( الشين بيت ) "من خلفية " كل من ينتسب( للموساد) أو يترشح لها ، وتتم دراسته والتحقق من (كافة) نواحي حياته والتي تخضع لفحص (دقيق) وأهم ما تحقق فيه(الشين بيت) . – نوعية اتصالاته - إن كان هناك اتصالات مع العرب ، وهل له " أصدقاء" بينهم . - ميلة للمقامرة والمراهنة ، وحبه للتفاوض وميلة للظهور ( إضافة إلى نقاط الضعف الأخرى) حيث يعتبر (علاقاته بالعرب) من أهم نقاط الضعف لدى أي مرشح (للموساد) ، وأهم أراؤة السياسية ، فلا يقبل على الإطلاق من له ( ميول يسارية – أي أن يكون متعاطفا مع المابام – او راكاح ، أو حركات الاحتجاج المختلفة ) . كما أنه لا يقبل المهاجرون الجدد - خاصة - القادمين من الدول الاشتراكية وبشكل خاص من دول الاتحاد السوفيتي ( سابقا ). - وإذا ما قبل أحدهم - بالصدفة - فلابد أن يمضى على (هجرته) مدة لا تقل عن خمس سنوات وحتى لو توافرت الشروط في بعض هؤلاء - القادمين - من الدول الاشتراكية وقبلوا في سلك ( الموساد ) فانة لا يسمح لهم بالاطلاع على الوثائق السرية لمدة تصل من 4-5 سنوات . إن أهم ( المواصفات – والصفات ) التي يجب توافرها في ( المرشح الإسرائيلي للموساد ) هو مدى ( ولائه واخلاصة لإسرائيل ) وهما المعيار الأول والرئيس ، في قبول المرشح ( للموساد ) وان هذا - الولاء والإخلاص - لا يغفر له إلا إذا سبق وان كان عضوا في (حزب يساري) حتى لو كان قد تخلى عنة .. إن كان الأعضاء المرشحين الجدد للتوظيف في سلك ( الموساد ) تراجع ملفاتهم (الشين بيت) ويتم التأكد منهم . 3-أما فيما يتعلق - بإعلانات الوظائف - عبر الجرائد والمجلات .. فتستعمل ( الموساد ) هذه الطريقة ولكن بطريقة مضلله ، مثلا تحت عنوان : مطلوب للعمل في الولايات المتحدة أو ( أوروبا الغربية او جنوب أفريقيا ) ويشترط المؤهلات التالية : أ- إنهاء الخدمة العسكرية في الوحدات المقاتلة والمواقع القيادية. ب- أن يكون المتقدم طالبا في الولايات المتحدة او ( البلد المطلوب العمل فيه ) أو يخطط للذهاب إليها. ج- يدفع للمرشح نفقات السفر. د- موجز عن حياته ومؤهلاته ورقم هويته. ه- ذو صحة جيدة. و- سيرد على المؤهلين فقط… . ويذكر في هذا الإعلان – عنوان محدد - صندوق بريد في الولايات المتحدة ( يكون بالطبع أحد صناديق بريد السفارة أو إحدى القنصليات الإسرائيلية هناك) . ومع ظهور عالم الاتصالات استطاعت الموساد أن تدخل عبر بوابة الإنترنت وإعلانات وظائفها عبر هذه الشبكة. ففي 14/9/2002 كشفت صحيفة معاريف " الإسرائيلية " عن قيام " الموساد " بإنشاء أول موقع خاص له على شبكة الإنترنت لتنشر في إطار حملة إعلانية للبحث عن عملاء جدد . حيث تطلب الموساد من الراغبين للعمل أن يقوموا بتعبئة استماره خاصة بعد التعهد بالحفاظ على سرية المعلومات التي يقدمها المتقدمون ، وتؤكد الموساد على إن المعلومات التي يتم تعبئتها في الاستمارة سيتم إيداعها في الشبكة الحكومية التي لن يتمكن أحد من اختراقها أو العبث بها أو الاطلاع عليها ، وان التفاصيل ستبقى سرية ولن تنقل لأي جهة أخرى . والموقع محمي بخدمة الحماية من قبل حكومة إسرائيل . وتحتوي الأسئلة الموجودة في الاستمارة على تفاصيل شخصية كالاسم ، والسن ، والحالة الاجتماعية، وتاريخ الميلاد، ومكان الميلاد، والعنوان، والهاتف، واسم البلد الأصلي للعائلة، وسنة الهجرة (بالنسبة لليهود)، والجنسية الأخرى الحاصل عليها، واللغات التي يتحدثها، مع أهمية وجود لغة أخرى يتحدثها بطلاقة، ومن ضمنها بالطبع اللغة العربية. كذلك تضم الاستمارة استفسار عن مستوى التعليم ونوعه والمعاهد والمدارس والجامعات التي درس بها المتقدم، والأماكن التي عمل بها، واخر خمس أماكن عمل فيها، ونوع العمل والفترة التي قضاها في كل عمل. ثم تنتقل الاستمارة للحديث عن الزيارات التي قام بها المتقدم للخارج، مع تحديد مكان وزمن وهدف الزيارة، وكتابة خلفية عن كل بلد قام بزيارته. كما تهتم استمارة العمل بالتعرف على موقف الزائر من الخدمة العسكرية، وأين قضاها ؟ ثم ذكر أي معلومات أخرى يمكن أن تفيد في استقاء معلومات عن الراغب في العمل. وكذلك تطلب الموساد متطلبات وظيفية في الشخص المتقدم للعمل وهي قدرة على التمثيل، والتفكير المرن والابداع، وحب الاستطلاع والفضول، والقدرة على التكيف الاجتماعي، والقدرة على العمل المستقل، وخبرة متنوعة في الحياة، بالإضافة إلى استعداده للعمل في الخارج وهي في الغالب للمتزوجين من الجنسين (الرجال والنساء) والذين لديهم عائلات. الحلقة الثانية * تدريب المجند - العميل الإسرائيلي * يتم بعد الاختبار تدريب العميل الإسرائيلي لمدة سنة كاملة، على المبادئ الأولية لطبيعة عمل المخبر.. ولا تختلف هذه التدريبات، عن تلك التي يتلقاها العملاء الروس والأمريكان ، فهي تضم دروسا في كيفية استخدام الشيفرة.. وحل رموزها، واستعمال الأسلحة الحربية، والدفاع عن النفس " الجودو والكاراتيه " . ولا شك في أن تمارين الذاكرة هي اكثر التدريبات إثارة للأعصاب، إذ غالبا ما يعرض على المتدربين فيلم سينمائي، ويطلب منهم ذكر عدد من التفصيلات الدقيقة المتعلقة بآخر مشهد منه، بعد إيقاف الكاميرا فجأة، وقد يوجه المدرب إليهم أحيانا سؤالا محددا مثل " أذكر عشرة أشياء كانت موضوعة على الطاولة الموجودة إلى يسار الممثل في المشهد ما قبل الأخير " وتستخدم هذه التمارين بغية مساعدة العميل الجديد، على تذكر الصورة والوثائق والخرائط، التي تشكل جزءا هاما من عمله المقبل ، وعلى المنتسب الجديد إلى " الموساد " أن يتقن فن متابعة أحد الأشخاص بشكل سري ودون لفت انتباه الآخرين إليه، وغالبا ما يكلف في المراحل الأولى بتتبع أحد العملاء المحترفين الذي يحاول تضليله، فيما يقوم شخص آخر بمراقبة تصرفاته، وردات فعله أثناء الوضعيات المختلفة التي يمر بها. ويجري بعد انقضاء الأشهر الستة الأولى ، فرز العناصر الصالحة لمتابعة التدريب المطلوب، ولا تتعدى هذه النسبة عادة 15% من المنتمين الجدد، ويتم بعد ذلك إلحاق هؤلاء بدولة معينة، من أجل العمل بشكل منتظم، وذلك استنادا إلى جملة عناصر بينها اللغة التي يحسنون التكلم بها بطلاقة، ومدى انطباق شكلهم الخارجي على مظهر السكان الأصليين للبلاد، إن الهجرة الصهيونية إلى " فلسطين المحتلة " تضم خليطا عجيبا من اليهود من شتى أصقاع المعمورة وليس هذا بالأمر الصعب بالنسبة إلى إسرائيل التي تضم أقليات من مختلف أنحاء العالم،ومن أجل مساعدة العميل الاسرائيلي، على الانخراط بسرعة وسهولة في الدولة التي يعمل بها، عليه أن يدرس أثناء تدربه: الأزياء المقبولة في المنطقة موضع اهتمامه، إضافة إلى الموضوعات الحساسة وطريقة معالجتها، مقدار (البقشيش) المدفوع عادة للحمال وسائق التاكسي…. الخ. ويتعين على العملاء الإسرائيليين المفروزين للعمل في ألمانيا مثلا معرفة نتائج كرة القدم بشكل يومي، وأسماء اللاعبين في المنتخب الوطني، وبشكل عام يتم اختيار(إسرائيلي) ألماني الأصل للعمل في ألمانيا، ويحصل الجواسيس الجدد، خلال المرحلة الأخيرة من تدريبهم، على جوازات سفر مزورة وفق الدولة التي اختيروا للعمل فيها.. على أن هذا الانتقال الجديد ليس نهاية المطاف.. فقد روى أحد العملاء السابقين في الموساد ما حدث معه بعد حصوله على جواز السفر المزور: " تلقيت أمرا بالتوجه إلى مانشستر في انجلترا، وبعدما حطت طائرتي على مدرج المطار، استقبلني زميل لم أكن أعرف عنه شيئا وضرب لي موعدا في المساء من أجل إعطائي بعض النقود، وشرح مهمتي بالتفصيل، وعندما وصلت إلى المكان المحدد لم أجد أحدا في انتظاري، حاولت مرة أخرى دون أن أعثر على الشخص المطلوب،عندها فهمت أن رؤسائي نصبوا لي فخا لامتحان جرأتي وقدرة تصرفي في المواقف الصعبة والغامضة،ومرت في مخيلتي حلول عدة لم تكن مناسبة لأنها حتما ستؤدي إلى كشف هويتي الحقيقية،وبعد فترة من التفكير قررت اقتحام أحد المحلات الكبرى أثناء الليل وسرقة بعض النقود من الخزانة من أجل شراء تذكرة سفر والعودة إلى تل أبيب، وبعدما أبلغت مدربي عن عودتي.. هنأني بنجاحي في الامتحان، وهكذا تصرف دون اللجوء إلى السفارة أو إلى أحد المراكز الصهيونية، وبعد انتهاء فترة التدريب يمنح المتخرجون علامات تدل على نسبة نجاحهم ومن يحصل منهم على تقدير" وسط " يعين في وظيفة مكتبية في مقر قيادة الموساد التي تضم فروعا عدة، أما من يحصل على تقدير ممتاز فيختار إلى أداء "مهمات خاصة" تتضمن القيام بأعمال تخريب أو اغتيال في الخارج، ويتم تدريب العملاء الجدد على هذه الأمور خلال دورة قصيرة،ومكثفة تستمر ثلاثة أشهر إلى أربعة في فيلا فاخرة تقع على مقربة من هرتسيليا، ويفد إلى تلك من وقت إلى آخر عدد من المدربين التابعين إلى (CIA )، وقد جرى فيها في الماضي تدريب عملاء ( السافاك ) الإيرانيين، واما في معسكر تابع للموساد على شاطئ ايلات، وهناك تدرب أحد الذين اغتالوا الشهيد ماجد أبوشرار في روما سنة 1981. وتعتمد المخابرات الإسرائيلية في الدرجة الأولى، على العنصر البشري، وعلى هذا الأساس تتكل أكثر من غيرها على المبادرة الفردية التي يقوم بها عملائها إضافة إلى حسهم الأمني.. وقد أثرت هذه الرؤية وهذا الوضع على طبيعة التدريبات التي يتلقاها المنتسبون( للموساد ) منذ عام 1956، إذ إنها تشدد على ضرورة إحاطة العميل الإسرائيلي بكافة المعلومات المتعلقة بقضايا التجسس، قبل التركيز على اتجاه محدد، وأدت هذه السياسة فيما بعد إلى تقسيم متشعب للعمل داخل المخابرات الإسرائيلية ، نتج عنه بروز مجموعات كبيرة من المتخصصين في كافة الميادين العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وتخضع هذه الفئة لتدريب متواصل إلى جانب عملها اليومي، إما بإرسالها إلى بعض البلدان الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة،لتلقي بعض البرامج والدروس المتقدمة في فن الجاسوسية عن طريق استدعاء عدد من خبراء التجسس المتقاعدين بغية الاستفادة من تجربتهم ومشورتهم فيما يتعلق بأساليب العمل المتبعة. وبسبب النقص في - الكادر البشري - في الموساد لمواجهة الفلسطينيين في الخارج فلقد اتبعت الموساد سياسة وهي الاستفادة من تواجد الإسرائيليين في الخارج(للعمل - والتجارة – والدراسة - والسياحة) وانتقاء بعض من هؤلاء " لمعاونة " ضباط الموساد في تلك الدولة، خاصة فيما يتعلق بعمليات (الاستطلاع والمراقبة) وما شابه.. * عندما يكون العميل/ المجند يهوديا : تعتمد ( الموساد ) إلى حد بعيد على الطوائف والمنظمات اليهودية المنتشرة في أكثرمن سبعين بلدا في أنحاء العالم ، في تجنيد العملاء وجمع المعلومات وتستفيد ( الموساد ) من وجود عدد كبير من اليهود المنتشرين في أنحاء العالم من أجل التخطيط لعمليات والحصول على بعض المعلومات الأساسية لتحركاتها، خصوصا من المتعاطفين مع الحركة الصهيونية وإسرائيل، وتستهدف الحركة الصهيونية تسخير المجتمعات اليهودية وتأمين تعاون غير اليهود عن وعي لخدمة أغراضها، ولذلك فهي تقوم بمحاربة اندماج اليهود في المجتمعات، أو تعمل على تنمية شعورهم بالانفصال كما تستفيد الموساد من اليهود الذين يتمتعون "بمراكز حساسة" داخل الحكومات والجيوش الأجنبية حيث يشكل هؤلاء دعامة للموساد التي تعمل على تجنيدهم وربط علاقة معهم. - دوافع التجنيد: وتبذل ( الموساد ) جهودا كبيرة لاستغلال النعرات العرقية والدينية اليهودية وإثارة المشاعر السامية كما تستخدم الابتزاز والمال وفرص القيام بأعمال تجارية أو إطلاق سراح يهودي من السجن . أيضا نوع من الدوافع لدى عملائها اليهود خاصة من لهم ميول يهودية عنصرية أو دينية أو من المؤيدين للصهيونية والذين يكرهون معاداة السامية، والذين لهم ميول معادية للعرب، من اجل تجنيدهم للعمل في صفوفها. إن (الموساد) تختار عملاءها بشكل عام في الخارج من بين أشخاص من ذوي اصل يهودي. - الجاليات اليهودية في العالم: إن ضباط الموساد يعملون بشكل عام بصورة سرية في أوساط الجاليات اليهودية، وقد تلقوا تعليمات بالعمل في منتهى الحذر، كي يمنعوا أي إحراج وارتباك لإسرائيل من قبل جهات معادية، للصهيونية، وهناك حوالي 500 منظمة في العالم تغذي الموساد الصلات بها باستمرار وتستخدم كقنوات لانسياب المعلومات والمواد المضللة والدعاية. - يهود العالم: يتم استقطاب يهود العالم خاصة اليهود الأمريكيين والشباب منهم من خلال تنظيم رحلات إلى إسرائيل بتذاكر مخفضة وانضمامهم إلى معسكرات (الجدناع) ، وهذه المعسكرات تم تدريب بعض "الفلاشا" فيها تمهيدا لإرسالهم في ( مهمات ) إلى أفريقيا. كما تقوم الموساد باختراق المنظمات اليهودية (غير الصهيونية)، على نطاق البلد الواحد، أو الدولية كما تقوم الموساد أيضا ( بالتسلل ) إلى العناصر اليهودية المعادية للصهيونية بهدف تحييدها، ورغم كل الاحتياطات التي اتخذتها الموساد، إلا إنها عانت الفشل في – كثير من المحاولات - وروى بعض اليهود الأمريكيين محاولات تجنيدهم من قبل الموساد وابلغوا السلطات الأمريكية حيث أن هناك مخاطر أمنية من انقسام ولاء الشخص (توزع الولاء) لإسرائيل وللدولة التي يحمل جنسيتها، وبالرغم من ادعاءات الموساد إنها تبتعد في عملية التجنيد عن (الكنيس) والمنظمات المحلية اليهودية لأن هذه الأماكن حسب وجهة نظر الموساد هي محط أنظار عملاء الوكالات الآمنة، لكن هناك اكثر من مثال يوضح زيف ادعاءات (الموساد) هذه حيث استخدمت الموساد يهود من النرويج والدنمارك والسويد في عملية ( ليلياهمر) الفاشلة عام 1973 واتضح ذلك من اعتقال ومحاكمة فريق الاغتيال الذي قتل (احمد بوشيكي) المغربي الأصل .. وقد جند هؤلاء اليهود المحليون لتنفيذ عمليات القتل .. لقد ذكرت (ماريان) في المحكمة في أوسلو " لقد طلب مني أن أقوم بخدمة ( لدولة إسرائيل) ، فشعرت بأنني مضطرة للقيام بذلك لأنني لم أقم بتأدية الخدمة العسكرية " كما أن تجنيد (بولارد) اليهودي محلل المعلومات في المخابرات البحرية الأمريكية لهو دليل آخر .. وهناك سلسلة طويلة من الأمثلة. إن أغلبية مجندي الموساد في الساحات الخارجية، هم من بين يهود تلك الدول، أو من الذين هم من اصل يهودي، وبذلك تعمل الموساد على زعزعة ولاء – مواطني – تلك الدولة – لبلدانهم – وتحاول الموساد باستمرار الادعاء بأنها لا تقو م بتجنيد عملاء يهود. ونشير في هذا المجال ... ، أيضا أن هناك جهازا استخباريا إسرائيليا لتجنيد اليهود (وتقديمهم كمجندين للموساد)، إن هناك دائرة سرية أخرى عرفت باسم (هيئة الخدمة السرية) ، وهناك اسم آخر لها – الشائع – في معظم المصادر (مصلحة يهود العالم)، هدفها التنسيق بين كافة الوكالات اليهودية في العالم بهدف نشر الأيديولوجيا العنصرية الصهيونية تحت سواتر النوادي الرياضية (المكابي) والنوادي الاجتماعية ومعسكرات الشباب بهدف تجنيد الصالحين منهم للعمل في الموساد. إن تجنيد اليهود لصالح الموساد - غالبا ما يتم عبر - المنظمات والوكالات اليهودية - التي تضع في خدمة الموساد عددا من المتعاونين والعملاء والذين يخدم بعضهم داخل أجهزة المخابرات الأجنبية، وتستغل الموساد وجودهم – هناك – من اجل الحصول على الوثائق السرية (كما حدث مع بولارد .. وغيره). - انتقاء وتصنيف العملاء اليهود: وحتى تنتقي الموساد عملاءها من بين اليهود فهناك (ذاتية) لكل يهودي يعيش خارج إسرائيل وكل هذه المنظمات اليهودية والصهيونية بالإضافة إلى الذاتيات تساعد جهاز الموساد في انتقاء عملائه من هؤلاء اليهود المنتشرين في العالم .. ويصنف هؤلاء العملاء اليهود إلى ما يلي: أ- علماء، وخبراء، رجال سياسة، أساتذة جامعات، باحثون .. الخ. أي رجالات ذوي مراكز مهمة وحساسة، وهذا العميل من هذا الصنف لا يمر بمراحل اختبار وتجارب، إنما يقوم بالتشاور معه في كثير من الأمور التي من الممكن أن تخدم إسرائيل والحركة الصهيونية من خلال موقعه (الوظيفي والأكاديمي)، كما تقوم الموساد بتزويده بما يلزم من معلومات لتقوية مركزه أو (تنويره) بما يحتاج إليه. ب- عملاء يهود مهمتهم جمع المعلومات، سواء كانت عن العرب، أو بعض التنظيمات اليسارية في تلك الدولة .. لتستطيع الموساد استغلال تلك المعلومات وأحيانا تقدمها إلى الجهات الحاكمة للحصول على (ثمن مقابل ذلك). ج- عملاء يهود للقيام بتنفيذ المهمات الخاصة وهؤلاء لابد أن يمروا بمراحل تدريبية وتجارب خاصة. د- عملاء يهود يزرعون في المؤسسات الحكومية والخاصة في الدول الأجنبية وأحزابها. ه- عملاء يهود من دول أجنبية يزرعون في الوطن العربي من خلال تسهيل ازدواجية الجنسية ومن خلال شركات بلدانهم في الوطن العربي. - تشغيل العملاء اليهود: كما تقوم الموساد باستغلال عملائها من اليهود مواطني البلاد الأجنبية للقيام (بعمليات الاختيار وتنمية العلاقات مع الأفراد المطلوب تجنيدهم) كذلك القيام ببعض المقابلات السرية لتوصيل تعليمات المركز إلى العملاء أو القيام بمراقبة هؤلاء العملاء لمعرفة نشاطهم واتصالاتهم، بل والأخطر من ذلك تستغلهم في شبكاتها التخريبية. ألم تستعمل (اليهود المصريين) للتخريب في مصر، وعملية سوزانا وغيرها من العمليات لخير دليل على ذلك؟ ألم تستعمل الاستخبارات الإسرائيلية اليهود العراقيين في عملياتها التخريبية مع بداية تأسيس الموساد عام 1951 ؟ - يهود البلدان العربية: أما فيما يتعلق باليهود الذين هاجروا من بلدان عربية إلى "إسرائيل" حيث ولدوا وتعلموا في البلدان العربية، ويبدو عليهم انهم عرب اكثر منهم إسرائيليين في حديثهم وتصرفاتهم، فانه يتم تجنيد عملاء إسرائيليين من هؤلاء، ويزودون بوثائق تحقيق شخصية – بجوازات سفر – عربية أو غربية ويرسل هؤلاء - كعملاء - يتم زرعهم في الدول العربية – خاصة دول الطوق – أو يرسلون كمواطنين من دول أوروبية ، ليزرعوا في الوطن العربي. لقد نجحت ( إسرائيل ) في قصة واحدة في عملية زرع يهودي ممن كانوا في البلاد العربية وهو ( ايلي كوهين ) حيث تم زرعه في سوريا وكشف أمره واعدم، وبالرغم من ادعاءات الموساد المتكررة أنها زرعت ( يهودا عربا ممن كانوا في البلاد العربية ) - يهودي عراقي – في منظمة التحرير الفلسطينية، أو في بلدان عربية، لكننا نعتقد أن ذلك كان من ضمن ( الحرب النفسية ) .. ، لقد رويت قصص كثيرة عن أن ذلك الشخص والذي كان يعيش في تلك الخيمة في منطقة كذا في الضفة الغربية ظهر بعد حرب 1967 ضابطا .. هذه قصص وشائعات لم تثبت كحقائق، ولكن قد يستعمل هؤلاء في مهمات محددة مقيدة الأجل، لقد حاولت الموساد اكثر من مرة إرسال يهود ممن كانوا في البلاد العربية من الذين يعيشون في فلسطين المحتلة حاليا إلى دول أوروبية للالتقاء بمناضلين عرب وفلسطينيين على أساس انهم مسيحيون فلسطينيون ولكنهم كانوا يكشفون بسهولة لان مسيحي فلسطين معروفون جيدا ومن السهل التعرف على كل من يدعي انه مسيحي من قرية كذا في الجليل .. وذلك لتواجد مناضلين مسلمين ومسيحيين من مختلف القرى في منظمة التحرير الفلسطينية، ولوجود ارشيفات إحصائية ومعلوماتية لدى الأجهزة الفلسطينية والعربية. لقد اكتشفت التنظيمات الوطنية اللبنانية حالات تجسس للموساد من بين يهود لبنان القاطنين في لبنان، وتم إعدام ( د. ايلي حلاق ) اللبناني – اليهودي – والذي يحمل الجنسية الفرنسية، ويقيم في بيروت، والذي كان يدير شبكة للموساد في بيروت، وتحاول الموساد بكثافة إيجاد شبكة لها من بين اليهود المقيمين في سوريا والعراق. إن تلك المحاولات لم تصادف نجاحات باهرة، وان كانت قد فأوجدت لها شبكة في المغرب مثلا وعبرها يتم انتقال هؤلاء اليهود العملاء من اليهود المغاربة أعضاء شبكة الموساد إلى شمال إفريقيا .. مثلا، ولكننا نعتقد أن اليهود ممن كانوا في البلاد العربية – المهاجرين إلى إسرائيل – يتم نقلهم بوساطة الموساد إلى دول عربية، ليس بوساطة جوازات سفر عربية، أو غطاء انهم كمواطنين عرب في تلك الدول أو في دول عربية أخرى بل بجوازات سفر أوروبية غربية وأمريكية وكندية، وفي شركات متعددة الجنسيات، وبشكل خاص امريكية، أي يصل عملاء الموساد كأمريكان وكأوروبيين وفي شركات أجنبية وهذا يتطلب من أجهزة الأمن العربية التحقق من هؤلاء ومن نشاطاتهم، ويتطلب أيضا التحقق من كل الشركات الأجنبية المنتشرة في عواصم البلدان العربية. الحلقة الثالثة · عندما يكون العميل / المجند أجنبيا ( أو ) فلسطينيا ( أو ) عربيا. أولا :- عندما يكون العميل / المجند أجنبيا : - تقوم ( الموساد ) بتجنيد ( نوعيات ) من الأجانب الذين يزورون ( إسرائيل ) ، أو بوساطة ضباط محطاتها في دول متعددة ، ويتم التجنيد بشكل مباشر لصالح ( الموساد ) ، أو في حالات عديدة تستخدم ( الموساد ) – هويات مزورة – أو ما نطلق علية ( إعلانات زائفة ) كأن يتظاهر ضابط الموساد – بأنة يعمل لحساب حلف شمال الأطلسي ، ويقوم بتجنيد هذا الأوروبي – أو – ذاك لصالح – استخبارات الحلف – ويستخدمون هذا الاسلوب بشكل خاص ، لتجنيد أوروبيين يعملون – أو للعمل كعملاء في البلدان العربية . وفي أثناء محاكمة العميل الإسرائيلي " لوتست " في القاهرة … صرحت زوجته " فالتراود " المتهمة بمشاركته في التجسس " أن زوجها ابلغها أنة يعمل لصالح حلف الناتو فإنها ساعدته على هذا الأساس .. " وقد حكمت حكما خفيفا ( 3 سنوات ) على هذه التهمة بينما حكم على زوجها بالسجن المؤبد. ويستخدم موظفو ( الموساد ) في هذا المجال وبشكل واسع ، التشهير والرشوة والمشاعر القومية أو الدينية ويقع في شباكهم عادة خدم المطاعم والبارات والفنادق والمحطات التلفونية ، وسكرتيرو مختلف الدوائر والسواقون وخدم ابرز رجالات الدولة ، والعناصر الملفوفة طبقيا وتشترك أل CIA بتجنيد عناصر أجنبية وترسلهم في ( تدريب عملي ) إلى الدول العربية ، ثم تقوم بتسليم متابعتهم وتشغيلهم بعد ذلك للموساد ليمارسوا – أي هؤلاء العملاء – أعمالهم في بلدانهم حيث يقدمون هناك خدمات نشطة ( للموساد ) – ومن أمثلة ذلك ( فرسان العباءة والخنجر ) في أمريكا اللاتينية . إن أل CIA تشترك مع الموساد في تجنيد أجانب ، لصالح ( الموساد ) خاصة في الدول العربية ويعتبر العميل / جون تاكر – الأسترالي – مثالا على ذلك.. فقد قاتل هذا العميل في صفوف القوات الأمريكية في فيتنام ، وبعد عودته إلى استراليا جند لصالح ( الموساد ) في استراليا ، ( واصبح من كبار تجار المخدرات في استراليا ) وارسلتة ( الموساد ) – إلى بيروت – وقتل هناك وهو يقاتل مع الكتائب عام 1976 ضد الحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية . وتقوم ( الموساد ) بدراسة كل شخص ، تقع علية عيون ( الموساد ) ، من جميع النواحي العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، ... الخ قبل تجنيده ، وتركز الموساد في تجنيدها للعملاء على : I- الخبراء والمهنيون ورجال ذوو مراكز حساسة : 1- مد الموساد بالمعلومات عن بلادهم ومراكزهم في جميع النواحي . 2- القيام بسرقة التكنولوجيا المتقدمة والحديثة . 3- الزرع داخل البلدان العربية تحت أسماء مختلفة . 4- إبداء التعاطف مع الدول العربية وبناء مؤسسات موالية لها . 5- إبداء تعاطف وتعاون مع المقاومة الفلسطينية والدخول في جميع مجالاتها . 6- خبراء عسكريين وشركات بناء يزورون الدول العربية لمساعدتها في بناء المعسكرات والمطارات وتقديم الخبرة لهم في المجال العسكري … الخ . ب- ضباط الارتباط ورجال هيئة الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي … الخ من هيئات دولية وعالمية واستغلال أوضاعهم . ج- الدبلوماسيون الأجانب في الدول العربية والاشتراكية وخاصة الملحقين العسكريين . د- المراسلون والصحفيون الأجانب حيث أن لهؤلاء تسهيلات في تحركاتهم ومقابلاتهم وخاصة مع الشعب الفلسطيني بالإضافة إلى المعلومات العسكرية والسياسية المتميزة التي يحصلون عليها خاصة من المقابلات والمشاهدات . ه- مهربو السلاح وخاصة من لهم علاقة مع الفلسطينيين لمعرفة ما يحتاجونه من سلاح وطرق التهريب … الخ ، وعند الحاجة تقوم إسرائيل بتزويدهم بالسلاح الخفيف لتوصيله للحكومات الدكتاتورية في العالم لقمع حركات التحرر أو مساندة حركات مناهضة للحكومات الثورية ، ومقابل ذلك يكون للموساد اليد الطولى داخل تلك البلاد والحركات . و- الأحزاب والحركات والمنظمات والعصابات والمافيا العالمية لا يهم الاتجاه إن كان يمينيا أو يساريا ، المهم إنها تخترقه لتجمع المعلومات واستغلالها لحين الحاجة وخاصة ممن لهم علاقة مع الفلسطينيين . ومن بين هؤلاء تحاول ( الموساد) تجنيد عملاء لها. * عندما يكون العميل/ المجند فلسطينيا (أو) عربيا . يتم تجنيد عملاء فلسطينيين – وعرب - لصالح (الموساد) إما: I- داخل الأرض المحتلة - حيث تحتل إسرائيل كل الأرض الفلسطينية - وهضبة الجولان السورية والتي يعيش فيها ( اكثر من 25 ألف مواطن سوري) ، بالإضافة إلى مزارع شبعا في الجنوب اللبناني. المعروف أن ثلث ضباط الموساد يعملون داخل الأرض المحتلة بالتنسيق مع (الشين بت) ، وذلك لتدريبهم أولا على( الاختلاط الفلسطيني ) وفهم عقليتهم ، ولتجنيد العملاء من بين صفوفهم ، ولتعليمهم اللغة العربية (واللهجة الفلسطينية) ، وتقضية فترة (تدريب عملي). ويطلق على ضباط الموساد هؤلاء- في الأرض المحتلة اسم (المخابرات الخارجية) ، وبشكل خاص يتابعون بالإضافة إلى تجنيد واختيار عملاء - شبكات وعملاء في " دول الطوق " ودول الخليج العربية ، حيث تشترك الموساد - والاستخبارات العسكرية في العمل في هذه الساحات المفتوحة لكلا الجهازين ، أو ما يطلقون عليه (عمليات عبر الحدود) ، ضمن تنسيق بينهما ، عبر لجنة رؤساء الأجهزة (فاعادات) ، وتساعد "الشين بت" (الموساد) في اختيار وتجنيد العملاء من الذين يترددون على تلك الساحات والذين لهم عائلات في الداخل وغالبا ما يتم تهديدهم بعائلاتهم ومن الذين يزورون الأرض المحتلة . أو من الطلبة العرب الذين يقيمون في الأرض المحتلة ويدرسون في الجامعات العربية أو الأجنبية أو من المقيمين في الأرض المحتلة ، وكذلك الإشراف على (العملاء المزدوجين) ، كما يتم التجنيد من بين المهربين- بعد إلقاء القبض عليهم أو مقابل تسهيل أعمالهم ، وبعض هؤلاء المهربين هم من أوساط البدو ، أومن المقيمين في القرى الحدودية. II- خارج الأرض المحتلة : حيث يتواجد الفلسطينيون والعرب بهدف الإقامة أو الدراسة أو العمل ، ويتم الاختيار والتجنيد بواسطة ضباط " الموساد " العاملين في المحطات الخارجية ، وأحيانا تساعد أجهزة الأمن الأجنبية في تجنيد فلسطينيين وعرب لصالح الموساد كما يحدث في ألمانيا مثلا ، من بين المتقدمين لطلب اللجوء السياسي"في برلين" كما تساعد ال CIA في ذلك أيضا ، ويتم تشغيل هؤلاء العملاء في الساحات التي تم تجنيدهم فيها ، أو يتم إعدادهم وتحضيرهم للعودة إلى أوطانهم ، حيث تكون هناك مهماتهم التجسسية لصالح (الموساد) أو إلى دول عربية أخرى ( ويقوم جيش عملاء لحد الفارين من الجنوب اللبناني إلى إسرائيل بدور كبير في هذا المجال ، لقد استطاعت الموساد تجنيد عرب بشكل مباشر أو غير مباشر، وبشكل خاص بواسطة الاغراءات المالية (مرتبات ، مكافآت ، أو سلف مالية) أو للإفراج عن حساباتهم المجمدة في البنوك منذ عام 1948 أو مقابل جمع شمل العائلة المشتتة بسبب الاحتلال أو مقابل تخفيض فترة أحكامهم بالسجن ، أو" الغيرة والتنافس والخوف والخلافات والصراعات العشائرية ، أو خلق نقاط ضعف فيهم – كالشذوذ الجنسي- أو الاغتصاب أو التهديد بالفضيحة. وبشكل عام … فان " الموساد " تستغل كل الدوافع والتي تتركز بشكل أساسي- في الاغراءات المالية .. وبالرغم من ذلك ، فان المخابرات الإسرائيلية لم تستطيع أن تنشر شبكة واسعة وكثيفة من العملاء رغم محاولاتها ذلك ، ورغم ادعاءاتها المتكررة ، وحتى أن رجال المخابرات الإسرائيلية السريين جدا ، وذوي المستوى الاستراتيجي … |
|
| |
| | رقم المشاركة : 13 (permalink) |
|
| في كتاب السادات والجاسوس أغرب قضية جاسوسية أبطالها رئيس مصري وألمانيان وراقصة في أحد ملاهي النمسا الليلية تمكنت المخابرات الألمانية من نسج خيوطها حول الراقصة المصرية حكمت فهمي، بعد أن دفعت إليها بالجاسوس الألماني ابلر حسين جعفر، ولكنها عندما عادت إلى القاهرة اكتشفت أنه الجاسوس الألماني إبلر ليربط بينهما كراهيتهما للإنكليز، ومن جانبه حبه لبلاده، وحينما تعطل جهاز اللاسلكي تمكنت حكمت فهمي من استدعاء الضابط أنور السادات الوطني الثائر لإصلاح الجهاز ، ليرتبط السادات مع حكمت فهمي والجاسوس الألماني إبلر بأكبر قضية تجسس في ذلك الوقت.الكاتب الصحفي محمود صلاح يكشف لنا من خلال كتابه السادات والجاسوس العلاقات المتشابكة ما بين حكمت فهمي والمخابرات الألمانية، وكيف اشتعلت ثورية الضابط أنور السادات لتجنيده لخدمة الألمان، بعد أن جمعهما كراهيتهما للإنكليز .. كما يكشف عمليات الاعتقال المتكررة، والحوادث والمغامرات المثيرة لحياة الرئيس الراحل أنور السادات، وعلاقته بجماعة الإخوان، والكثير من الأحداث المثيرة منذ الحرب العالمية الثانية حتى هروبه من المعتقل..ويتناول الكتاب قصة حياة الضابط المصري أنور السادات منذ بداية الحرب العالمية الثانية بين دول المحور، والحلفاء وفي مقدمتهم بريطانيا التي كانت تحتل مصر.كما يتناول النشأة الأولى للسادات في قريته ميت أبو الكوم منذ عام 1918 وانتقاله فيما بعد إلى حي كوبري القبة بالقاهرة والحياة الفقيرة التي عاشها، ويرصد الكاتب وطنية السادات المبكرة بكراهيته لمشهد الكونستابل الإنكليزي وهو يجوب شوارع القاهرة. ومن المتناقضات أنه رغم كراهية السادات للإنجليز، فقد أتاحت له وساطة أحد الأطباء الإنكليز دخول الكلية الحربية وبعد عامين تخرج السادات من الكلية الحربية وهو يراوده الحلم بالثورة ضد الإنكليز. وفي منقباد التقى السادات مع الضابط جمال عبد الناصر لأول مرة، ،كان عبد الناصر ينصت له ولا يتكلم إلا القليل، لأنه كان لا يميل إلى المزاح، ولأنه يقيم حاجزاً بينه وبين الآخرين، وهو الأمر الذي دفع السادات للإعجاب بشخصيته. السادات والإخوان ويكشف الكاتب عن قوة علاقة الضابط أنور السادات بجماعة الإخوان المسلمين، وذلك من خلال التزامه الشديد بحضور درس الثلاثاء، الذي كان يلقيه الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين، وأثار التزامه بحضور الدرس الأسبوعي انتباه الشيخ حسن البنا، مما دفعه إلى التحفظ في الحديث معه في البداية، حتى صارحه السادات ذات يوم بأنه يسعى إلى عمل تنظيم عسكري لقلب الأوضاع في البلد!! إلا أن الشيخ البنا التزم الصمت رغم دهشته من تلك الصراحة المذهلة، فقد خشي البنا أن يكون السادات مدسوساً عليهم من المخابرات!! إلا أنه عندما كاشفه السادات بمخططات الجيش في التحرك للثورة هنا تخلى الشيخ حسن البنا عن حذره تجاه السادات، وبدأ التنسيق بينهما للثورة على نظام الحكم الملكي. عزيز المصري ولما كان السادات مفتوناً بشخصية عزيز المصري، فقد سعى لدي الشيخ حسن البنا لتقديمه إلى الفريق عزيز المصري، وشجعه عزيز على المضي قدماً في تنظيمه السري، وانضم إليه زملاؤه ، حتى اضطرت إدارة الجيش الإنكليزي إلى انسحابهم بأسلحتهم، وعقب ذلك تورط السادات في عملية تهريب عزيز المصري لحساب الألمان، لمساندة رشيد الكيلاني بالعراق في ثورته ضد الإنكليز، إلا أن المخابرات اكتشفت محاولته، وتم القبض علي السادات، وراوغ وكيل النيابة حتى أفرج عنه ليواصل نشاطه السياسي السري. الإنكليز والنحاس وعندما تقدمت جيوش القائد الألماني روميل إلى ليبيا في عام 1942 شعر الإنكليز بأن الرأي العام المصري ضدهم، وفي محاولة منهم لإرضاء الشعب المصري، حاصروا قصر الملك فاروق بعد رفضه تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الوزارة واجبروا الملك على تكليف النحاس بتشكيل الوزارة ، ورغم ذلك خرجت المظاهرات تهتف في شوارع القاهرة إلى الأمام يا روميل! وعندما سقطت العلمين في يد الألمان، أرسل السادات ضابطاً مصرياً إلى القائد الألماني روميل، ليخبره بأن التنظيم السري للضباط المصريين، على استعداد للمشاركة في الحرب إلي جانب الألمان ضد الإنكليز، مقابل أن تنال مصر استقلالها، وأقلعت طائرة بالضابط المصري إلا أن الألمان أسقطوها.. وكان السادات في ذلك الوقت يعمل بسلاح الإشارة في الجبل الأصفر، وذات يوم جاءه زميله حسن عزت وأخبره بمفاجأة، أن ضابطين من الجيش الألماني يطلبان مساعدته، لتبدأ علاقة السادات مع أغرب قصة جاسوسية أبطالها ضابطان ألمانيا وراقصة مصرية.. الراقصة والجاسوس ويكشف الكاتب بداية علاقة الراقصة حكمت فهمي بالجاسوس الألماني حسين جعفر أبلر والتي بدأت داخل أحد النوادي الليلية بالنمسا التي كانت ترقص فيها حكمت فهمي، عندما قدم لها حسين جعفر نفسه علي أنه طالب مصري، واستطاع أن ينسج خيوط شباكه حولها بحكمة، حتى وقعت في غرامه، ليختفي من حياتها فجأة ودون مقدمات. وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية عادت حكمت فهمي إلى مصر، لترقص في ملهي الكونتيننتال، دون أن تعلم أنه قد تم تجنيدها ضمن جهاز المخابرات الألماني من خلال العلاقة التي نسجها حولها حسين جعفر، وكان رئيس المخابرات الألمانية قد شاهد حكمت فهمي وهي ترقص في النمسا، فدعاها للرقص أمام هتلر ووزير دعايته جوبلز في ألمانيا، وعندما شاهدها جوبلز أعطى تعليماته بتجنيدها لصالح الألمان، الذين كانوا يعرفون حجم شعبيتها لدى كبار الضباط الإنكليز في مصر. ولم تكن حكمت فهمي تعلم أن علاقتها مع حسين جعفر أو الضابط الألماني أبلر سوف تجمعها مع السادات في أكبر قضية تجسس في ذلك الوقت، ويكشف الكاتب حقيقة حسين جعفر، فهو من أب وأم ألمانيين، انفصل كلاهما عن الآخر، وكانت الأم تعمل بمدينة بور سعيد، والتقت بمحام مصري تزوجها وتبنى الطفل، وأطلق عليه حسين جعفر، ولكنه عندما سافر إلى ألمانيا التقطته المخابرات الألمانية وتم تجنيده لإتقانه العربية، وكانت أول المهام التي أوكلت إليه هي نسج علاقة غرامية مع الراقصة حكمت فهمي تمهيداً لتجنيدها وعندما حاولت المخابرات الألمانية زرع جاسوس ألماني في قلب القاهرة لم يكن أمامها سوى حسين جعفر أو إبلر وكانت مهمته تتلخص في الحصول على الخطة البريطانية، وأين سيركزون دفاعاتهم، وعدد القوات البريطانية ونوعها، ومدى تعاون الجيش المصري معهم إذا بدأت المعركة؟ وتمكن إبلر من دخول القاهرة عبر عملية اختراق للصحراء، في الملابس العسكرية للجنود البريطانيين، وعلى مشارف أسيوط استبدل ملابسه هو وزميله مونكاسترن واستكملوا الرحلة بعد عدة مغامرات، حتى وصلا إلى القاهرة لتنفيذ مهمتهما، بينما كانت قوات روميل تقف على أعتاب العلمين بعد عدة انتصارات حققها على جيش الحلفاء.. وعند وصولهما إلي مشارف أسيوط تنكر إبلر في صورة ضابط بريطاني، ومونكاستر في شخصية سائح أميركي ، وتحت هاتين الشخصيتين تمكن إبلر وزميله من دخول أحد المعسكرات البريطانية، بل إن قائد المعسكرات أخذهما بسيارة عسكرية لتوصيلهما إلى أسيوط. وعندما وصلا إلى القاهرة نزلا في فندق شبرد، ليبدأ أول اتصال بينهما والمخابرات الألمانية، ليعلنا الاستعداد لبدء العملية ، وفي ملهي الكيت كات يلتقي إبلر مع حكمت فهمي مرة ثانية، لتؤكد له حكمت فهمي كراهيتها للإنكليز ، ليكشف لها عن شخصيته، وعن مهمة التجسس التي كلفه بها قائده روميل ، وأبدت حكمت فهمي استعدادها للتعاون مع الألمان، واستأجرت له عوامة قريبة من عوامتها، وعندما صعد إبلر لتركيب إريال اللاسلكي، هنا لاحظ وجود جندي بريطاني على سطح عوامة الميجور البريطاني المجاور لهما، فباغته بطلب المساعدة قبل أن يفكر في أي شيء. السادات والألمان وخلال أيام قليلة استطاع إبلر أن يوثق علاقته بالميجور البريطاني، دون أن يتسلل إليه الشك بأن هذا الشاب المصري حسين جعفر هو نفسه الجاسوس الألماني إبلر. وعندما تم القبض على الجاسوسين الألمانيين اللذين يستقبلان الرسائل من القاهرة، قررت المخابرات الألمانية عدم الرد علي إبلر وصديقه مونكاستر، حتى اعتقد إبلر أن جهاز اللاسلكي أصابه عطل مفاجئ، وطلب المساعدة من حكمت فهمي مساعدته عبر شخص تثق به، لإصلاح الجهاز، حتى يتمكن من إتمام عملية التجسس. وتمكنت حكمت فهمي من الوصول إلى الضابط المصري أنور السادات، عبر صديقه حسن عزت، فوافق على الفور علي إصلاح الجهاز والتعاون مع الألمان، نظراً لكراهيته للإنكليز، وبلا تردد ذهب معها إلى عوامة إبلر لإصلاح الجهاز المعطل، وتأكد السادات أن الجهاز معطل ولا يمكن إصلاحه، إلا أن إبلر قدم له جهازاً أميركياً آخر، كان قد حصل عليه من سفارة سويسرا التي كانت ترعى شئون الألمان في مصر، إلا أنه لا يعرف كيفية تشغيله، واكتشف السادات أن الجهاز بدون مفاتيح، واقترح السادات أن يشغله بمفاتيح مصرية الصنع يقوم هو بتركيبها. وحمل السادات الجهاز في حقيبته متجهاً إلي بيته في كوبري القبة، بينما استمر إبلر في نشاطه بجمع المعلومات من داخل النوادي الليلية التي يسهر فيها الضباط والجنود الإنكليز، حتى تسرب الشك إلى أحدهم ولكنه عندما قام للإبلاغ عنه، وهو يرتدي الملابس العسكرية الإنكليزية شعر إبلر بالخطروفر هارباً، إلا أن المخابرات الإنكليزية بدأت منذ تلك الليلة تتبع أثره وفي نفس الليلة التقى إبلر بالراقصة الفرنسية ايفيت وهي في حقيقة الأمر جاسوسة كانت تعمل لحساب الوكالة اليهودية في مصر، وفور قضاء ليلتها معه في العوامة أبلغت عنه في تقرير تفصيلي وكشفت عن حقيقة شخصيته الألمانية، عندما سمعته يتحدث مع زميله مونكاستر بالألمانية، وفي ذات الوقت كان جهاز المخابرات البريطاني يبحث عن إبلر وصديقه. في ملهي الكيت كات وداخل ملهى الكيت كات التقت حكمت فهمي بالميجور سميث المتيم بها، وفي تلك الليلة تمكنت حكمت فهمي من الحصول منه علي معلومات ثمينة، عندما صارحها أنه مسافر إلي ميدان الحرب علي الخطوط الأمامية، وعلي الفور ألغت حكمت فهمي رقصتها لتقضي السهرة معه في عوامتها، وهناك دست له المخدر في كأس الويسكي لتحصل منه علي أخطر تقرير، يتضمن كافة المعلومات التي يبحث عنها إبلر، فهرولت إليه ومنحته التقرير الذي يحتوي على كافة المعلومات عن القوات النيوزيلندية، ووحدات من جنوب أفريقيا، وأستراليا، بالإضافة إلي وحدة أخرى قوامها 5 آلاف جندي كانت سترسل إلى الإسكندرية، و2500 لغم لتعزيز الخط الدفاعي، وتركيز الدفاع في العلمين نفسها وليس على بعد عدة أميال كما كان يعتقد روميل. ولكن عند عودة إبلر إلى زميله مونكاستر فوجئ به في حالة اضطراب شديد، وهو يخبره أن صديقيهما الجاسوسين اللذين يتلقيان إشارتهما تم القبض عليهما في السجون البريطانية، وطلبت منهما المخابرات الألمانية في تلك الليلة عدم إرسال سوى المعلومات الهامة وفي الثانية عشرة مساءً تحديداً. وفي تلك الليلة خرج إبلر وصديقه إلى ملهى الكيت كات، ليلتقيا هناك بالميجور ألفريد وليامز سانوم أخطر رجال المخابرات العاملين في قوات الحلفاء في الشرق الأوسط!! والذي قدَّم نفسه لهما على أنه عمر بك الرجل الثري الوجيه، ولم يخطر في بال رجل المخابرات في ذات الوقت أنه يجلس إلى جوار أخطر جاسوس ألماني تبحث عنه المخابرات البريطانية ومخابرات قوات الحلفاء، وفي تلك الليلة علمت الراقصة إيفيت الجاسوسة اليهودية: أن المخابرات الإنكليزية تبحث عن جاسوس ألماني في القاهرة، فأبلغت قادتها ورجحت لهم أن يكون هو ذاته حسين جعفر، وعندما ذهبت إلي عوامته عثرت عليه في حالة غير طبيعية داخل عوامته وعندما دخل إبلر إلى إحدى الغرف الجانبية من العوامة، تنامي إلى سمع إيفيت حواراً باللغة الألمانية بين إبلر وصديقه مونكاستر، حول استخدام جهاز الإرسال، وكذا المعلومات الخطيرة التي بحوزتهم، وهنا تأكد لها أنه الجاسوس الذي تبحث عنه المخابرات البريطانية. وحاول إبلر خنقها وهو يحدثها بالألمانية، ليعرف ما إذا كانت تفهم ما يقوله أم لا، وتظاهرت إيفيت بأنها لا تفهم حديثه لها، وعندما تأكد أنها لا تفهم الألمانية، استدار إلى صديقه مونكاستر مؤكداً له أنها لا تفهم ما دار بينهما في الداخل، ثم وضع إبلر يده في جيبه ومنحها رزمة من الجنيهات الإسترلينية وقضي معها ليلته. وعندما عادت إيفيت بتلك المعلومات إلي قادتها، ثم إخطار المخابرات البريطانية، ومكاشفتهم بأنهم يبحثون عن جاسوس ألماني، وأن الوكالة لديها كافة المعلومات عنه، وقدم له الدليل من الجنيهات المزيفة التي قدمها إبلر إلي إيفيت ، وأرسلت وكالة المخابرات اليهودية بإيفيت إلي قائد المخابرات البريطانية، لتدلي بما لديها من معلومات حول الجاسوس الألماني، ومن تلك اللحظات بدأت المخابرات البريطانية تحركاتها للقبض على إبلر وصديقه، داخل العوامة الخاصة بهما. وعندما دق جرس الباب أدرك إبلر بحاسة الجاسوس أن ساعة النهاية قد اقتربت، وحاول مونكاستر إغراق العوامة ، وتم القبض علي إبلر ومونكاستر، وحكمت فهمي فيما بعد ، وحاولت المخابرات البريطانية التوصل إلى شفرة الاتصال بين الجاسوس الألماني وقيادته، وعندما عثروا معه على رواية ريبكا والتي سبق تحريزها مع الجاسوسين الألمانيين اللذين كانا يستقبلان رسالتهما.. تأكد للمخابرات البريطانية أن بين طيات هذه الرواية الشفرة المستخدمة بينهما، إلا أن المخابرات البريطانية فشلت في العثور على الشفرة. أما حكمت فهمي فلم تكن تعرف بأمر القبض على إبلر وصديقه، وكاشفت المخابرات البريطانية بأن جميع المعلومات والتقارير التي حصلت عليها بحوزة الميجور المخمور سميث تم إرسالها إلى روميل عبر صديقها إبلر، ولم تعد خططهم سرية ورغم القبض على إبلر وصديقه، إلا أن محطة التجسس الألمانية في القاهرة استقبلت رسالة مشفرة، ولم تكن سوى تلك الرسالة سوى خدعة أرسلتها المخابرات البريطانية إلى روميل لتضليله، وعندما وصلته تلك الرسالة جعلته يغير خططه الميدانية. القبض على السادات وعندما علم السادات بالقبض على الجاسوس الألماني وصديقه، حاول إخفاء جهاز اللاسلكي -دليل الاتصال بالجواسيس الألمان، وذهب إلى صديقه حسن عزت بحي شبرا إلا أنه لم يجده، وعاد ليخفيه في حجرته، وفي فجر ذات اليوم داهمت قوة من الضباط الإنكليز والمصريين منزله، وتم تفتيشه، إلا أن السادات تمكن من تهريب جهاز اللاسلكي بواسطة شقيقه الأكبر طلعت، وتم إيداع السادات في سجن الأجانب ، كما تم القبض على صديقه حسن عزت، وتمكن السادات من إطلاع زميله حسن عزت على تفاصيل القضية، حتى لا تتناقض أقوالهما في التحقيقات. وتعرف إبلر ومونكاستر على السادات داخل طابور طويل من الضباط، وأنكر السادات معرفته بإبلر، أو حسين جعفر، وزعم في التحقيقات أنه تعرف عليه باعتباره (ميجور) بريطاني يدعي إبراهام، وهو الأمر الذي أربك مجلس التحقيق، وأكد في التحقيقات أنه قَّدم نفسه وصديقه على أنهما من ضباط الإشارة الإنكليزي، وباغت السادات إبلر بعدة أسئلة هجومية للدفاع عن نفسه، زاعماً أنه لو كان يعلم بأنه ضابط ألماني لأبلغ عنه، واستمر في مراوغته حتى تمكن من تضليل مجلس التحقيق، وإرباك الجاسوس إبلر أيضاً، ولم يتمكن المحققون من إدانة السادات وصديقه حسن عزت في القضية ، مما دفع رجال المخابرات البريطانية ممارسة ضغوطهم على والده حتى يعترف، وفشلت محاولتهم تلك في إثناء السادات عن أقواله أو الاعتراف بالتعاون مع الجاسوس الألماني. وعندما عادت إدارة الجيش المصري لممارسة ضغوطها على والد السادات قال لهم: إذا كان ابني مخطئ فأطلقوا عليه الرصاص وتم الاستغناء عن خدمات السادات بقرار ملكي -كضابط في الجيش المصري- وتم خلع الرتب العسكرية من على كتفه ، وداخل سجن الأجانب التقى جميع أطراف قضية التجسس، إبلر وصديقه مونكاستر وحكمت فهمي والسادات، ورفيقه حسن عزت. ويكشف الكاتب عن سر خداع البريطانيين لروميل، وذلك عندما وصل وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا إلى مصر، وطلب رؤية الجواسيس الألمان، ووعدهما بألا يحكم عليهما بالإعدام إذا اعترفا وباحا للمخابرات البريطانية بسر الشفرة، وهو الأمر الذي أدى إلى خداع روميل ثعلب الصحراء. السادات في المعتقل وفي معتقل فاقوس بالمنيا جنوب مصر التقى السادات بالأخ غير الشقيق لحسين جعفر داخل السجن، وتعلم منه الألمانية خلال تسعة أشهر، حتى أتقنها تماماً ، وانتقل السادات مرة أخرى إلى معتقل الزيتون في عام 1943، والتقى هناك بالضباط المناهضين للإنكليز، كما التقى بأعضاء الأحزاب المنشقة عن الوفد، والنحاس باشا، ومن أغرب الحالات التي التقى بها السادات أحد المطبعجية، والذي كلما أفرجت السلطات عنه يطبع منشوراً جديداً ضد الحكومة ليعود مرة أخرى للمعتقل ، فقط لأنه يفضل عيشة المعتقل عن الحرية، لأنه يتقاضى راتباً شهرياً قدره 7 جنيهات!! ، بينما كان السادات وصديقه حسن عزت يرفضانه، باعتباره مسألة مهينة للكرامة. وداخل معتقل الزيتون قاد السادات حركة تمرد ضد قومندان المعتقل العنيف الطباع، ليحضر له القومندان إلى زنزانته فيما بعد مهدداً إياه بالقتل بمسدسه وقرر السادات أن يؤدبه، وتمكن فيما بعد من الوصول إلى غرفة القومندان عبر النافذة، رغم الحراسة المشددة حوله وهدده السادات بالقتل، وكان يريد أن يعطيه درساً، ولم يمسسه بأذى وعاد السادات مرة أخرى إلى غرفته.وفي تلك الأيام أضربت حكمت فهمي عن الطعام، حتى ساءت حالتها النفسية، وتمكنت من الخروج من السجن بعد أن دفعت رشوة مالية قدرها 200 جنيهاً. بينما عاد إبلر وصديقه مونكاستر إلي ألمانيا.. أما السادات فقد أثار الرأي العام داخل معتقل الزيتون، حتى يتم الإفراج عنه وصديقه حسن عزت، وقاد السادات حركة عصيان داخل المعتقل وأطلق عليهم الجنود الرصاص، وقرر السادات وحسن عزت الهروب مع ستة من المعتقلين، لتأديب القومندان، وتمكنوا جميعاً من الهروب ، وفي اليوم التالي لهروبهما، توجها إلى قصر عابدين -السادات وحسن عزت- ليسجلا احتجاجهما على المعاملة في المعتقل، وطالبا الملك بألا يخضع للسلطة البريطانية، ووقعا على مطالبهما باعتبارهما معتقلين في معتقل الزيتون وأكدا أنهما سيعودان للمعتقل مرة أخرى بمحض إرادتهما لتتحسن معاملة المعتقلين بعد نقل القومندان. محاولة أخرى ولم تكن تلك المحاولة الأخيرة للهروب التي قام بها السادات، بل كانت هناك محاولة هروب حقيقية، عاش خلالها السادات حياة مثيرة مليئة بالمغامرات، وذلك عقب إفراج حكومة أحمد ماهر عن معظم المعتقلين دون أن يشملهم الإفراج، فأضرب عن الطعام، وتم نقله إلى مستشفي قصر العيني، وكان حسن عزت قد تمكن من الهرب من معتقل المنيا، وحضر لزيارته، فأخبره السادات بأنه يعد خطة للهروب، وعاونه حسن عزت بإحضار سيارته ودسها بين سيارات الأطباء، وترك موتور السيارة دائراً، وتمكن السادات من الهروب واستقلاله سيارة حسن عزت، وانطلق بها ليختبئ لدى حسن عزت، ليعيش لمدة عام حياة مليئة بالأحداث المثيرة، فعمل حمالاً علي عربة لوري لدي زميله حسن عزت، ونقل الخضراوات والفاكهة إلى معسكرات الإنكليز، كما عمل في نقل الأحجار في المراكب النيلية القادمة من أسوان، وانتقل السادات خلال فترة هروبه بين عدة مدن وقرى ، متنكراً في شخصيات مختلفة، وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية سقطت الأحكام العرفية، لتنتهي فترة هروب الضابط الشاب أنور السادات، والتي وصلت إلي ثلاث سنوات، ليعود إلي بيته، ليُكوِّن فيما بعد جمعية سرية، قامت باغتيال أمين عثمان، الصديق المقرب للإنكليز ليتم القبض على السادات مرة أخرى. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 14 (permalink) |
|
| الجاسوس ابراهيم شاهين نشرت هذه العملية من جانب المخابرات الإسرائيلية (الموساد) كمحاولة للرد على نشر القاهرة لعملية رفعت الجمال، فقد واجهت المخابرات الإسرائيلية حملات صحفية عنيفة داخل إسرائيل وخارجها تقلل من شأنها. بدأ نشر العملية عندما نشرت الصحف الإسرائيلية موضوعا موسعا في 26 نوفمبر 1989 تقول فيه أن المخابرات الإسرائيلية تلقت قبل حواليي شهر من حرب أكتوبر من أحد جواسيسها في مصر تحذيرات واضحة بأن مصر تنوى شن حرب ضد إسرائيل.وأن هذا الجاسوس بعث بمعلومات في غاية الدقة عن تحركات الجيش المصري في منطقة قناة السويس إضافة إلى تأكيده بأن المصريين قاموا بتحريك الجسور الخشبية العائمة الحاملة للجنود إلى ضفة القناة. وأكد الموضوع أن هذا الجاسوس مواطن مصري مسلم عمل جاسوسا في مصر لصالح إسرائيل طوال سبع سنوات .. وأن اسمه هو إبراهيم شاهين. وتبدأ القصة بنجاح المخابرات الإسرائيلية في تجنيد إبراهيم شاهين إبن مدينة العريش والذي كان يعمل موظفا بمديرية العمل بسيناء بعد أن لاحظت حاجته للمال. وعرض علية ضابط المخابرات الإسرائيلي "نعيم ليشع" إعطاءه تصريح للسفر إلى القاهرة ،وكانت كل مهمته كما كلفه "نعيم" هي السفر إلى القاهرة وإرسال أسعار الخضراوات والفواكه في القاهرة إلى شقيقة الذي كان يمتلك مكتب للتصدير والاستيراد في لندن ، واصطحبه "نعيم" إلى رئيسه المقدم "أبو يعقوب" المختص بتدريب الجواسيس المستجدين. واتقن إبراهيم التدريب واصبح يستطيع التمييز بين أنواع الأسلحة والطائرات والكتابة بالحبر السري ، كما نجح إبراهيم في أن يجند زوجته انشراح للعمل معه وحمل معه إلى القاهرة العناوين التي سيرسل إليها رسائله من القاهرة وكانت كلها عناوين في مدن اوربية. وبعد وصوله إلى القاهرة تقدم إبراهيم إلى إدارة المهجرين المصريين وحصل على منزل في منطقة المطرية ومعاش شهري تدفعه الحكومة للمهجرين من مدن المواجهة. وواصل ابراهيم وزوجتة إرسال المعلومات المطلوبة ، إلى أن طلب منهما السفر إلى روما وهناك تم منحهما جوازي سفر باسم موسى عمر وزوجته دينا عمر، وسافرا من روما على طائرة شركة العال الإسرائيلية إلى اللد ومنها إلى بئر سبع وكان المغزى من هذه الرحلة هو عرض ابراهيم على جهاز كشف الكذب تحسبا وخوفا من أن يكون مدسوسا من المخابرات المصرية، واثبت الجهاز مصداقيته وتم تكليفه بموجب ذلك بمتابعة وتقصى وقياس الحالة المعنوية للشعب المصري إضافة إلى النواحي العسكرية، وبعد أن عادا من روما قاموا بتجنيد جميع أولادهم للعمل معهم. وحقق ابراهيم وزوجته نجاحا كبيرا خاصة في النواحي المعنوية بسبب احتكاكهم بالمناطق الشعبية، وعاود الاثنين السفر إلى بئر سبع مرة أخرى لتلقى دورة تدريبية متقدمة في أعمال التصوير وحصلوا على كاميرات صغيرة تعمل تلقائيا في التقاط الصور ، كما تم زيادة أجرهم الشهري إلى ما يعادل 300 دولار، ومنح ابراهيم رتبه مقدم في جيش الدفاع الإسرائيلي وزوجتة رتبة ملازم أول، وعادا إلى مصر على أن يتلقوا التعليمات بشفرة خاصة من خلال الراديو. وبرغم هذا النجاح إلا انهما فشلا في توقع نشوب حرب السادس من أكتوبر والتي كانت المخابرات الإسرائيلية قد وعدتهم بمبلغ مليون دولار كمكافأة في حالة توقعهما لميعاد الحرب وكان كل المطلوب منهما في هذه الحالة هو رسالة شفرية من كلمتين "يوم ......". وتصادف أن سافرت انشراح وحدها إلى روما يوم 5 أكتوبر وقابلها "أبو يعقوب" يوم 7 أكتوبر وأمطرها بسيل من الأسئلة عن الحرب وأتضح أنها لا تعرف شيئا. واخبرها أبو يعقوب إن الجيش المصري والسوري هجما على إسرائيل وان المصريون عبروا القناة وحطموا خط بارليف ، وأمرها بالعودة فورا إلى مصر . ابراهيم شاهين وفى بداية عام 1974 سافر ابراهيم إلى تركيا ومنها إلى اليونان ثم إلى تل أبيب وحضر اجتماعا خاصا على مستوى عال مع قيادات المخابرات الإسرائيلية الجديدة بعد أن أطاحت حرب أكتوبر بالقيادات السابقة. وخضع ابراهيم للاستجواب حول عدم تمكنه من معرفة ميعاد الحرب وأجاب ابراهيم انه لم يلحظ شيئا غير عادي بل أن قريبا له بالجيش المصري كان يستعد للسفر للحج ، وانه حتى لو كان يعلم بالميعاد فليس لدية أجهزة حديثة لإرسال مثل تلك المعلومات الهامة. واستضاف نائب مدير المخابرات الإسرائيلية ابراهيم وابلغه بأنه سيتم منحه جهاز إرسال متطور ثمنه 200 ألف دولار وهو احدث جهاز إرسال في العالم ملحق به كمبيوتر صغير في حجم اليد له أزرار إرسال على موجه محددة واخبره كذلك أن راتبه الشهري قد تم رفعة إلى ألف دولار إضافة إلى مكافأة مليون دولار في حالة أخبارهم عن موعد الحرب القادمة آلتي ستشنها مصر بواسطة الفريق سعد الشاذلي!. وقامت المخابرات الإسرائيلية بتوصيل الجهاز المتطور بنفسها إلى مصر خشية تعرض ابراهيم للتفتيش، وقامت زوجته بالحصول على الجهاز من المكان المتفق علية عند الكيلو 108 طريق السويس وهى المنطقة التي تعرضت لثغرة الدفرسوار. وبمجرد وصول انشراح للقاهرة اعدوا رسالة تجريبية ولكنهم اكتشفوا عطلا في مفتاح الجهاز وبعد فشل ابراهيم في إصلاحه توجهت انشراح إلى تل أبيب للحصول على مفتاح جديد. لم يدر بخلد انشراح أن المخابرات المصرية التقطت رسالة لها عبر جهاز روسي حديث يسمى "صائد الموجات" وذلك أثناء تدريبها وتجربتها للجهاز الجديد. وأيقن رجال المخابرات المصرية انهم بصدد الإمساك بصيد جديد ، وتم وضع منزل ابراهيم تحت المراقبة وتم اعتقاله صباح 5 أغسطس 1974 مع ولديه وانتظارا لوصول انشراح من تل أبيب أقام رجال المخابرات المصرية بمنزل ابراهيم لثلاثة أسابيع كاملة ، وبمجرد وصولها استقبلها رجال المخابرات المصرية وزج بهم جميعا إلى السجن. وكانت المخابرات الإسرائيلية قد بثت رسائل بعد عودة انشراح من إسرائيل واستقبلها رجال المخابرات المصرية على الجهاز الإسرائيلي بعد أن ركبوا المفاتيح ، ووصل الرد من مصر. " أن المقدم ابراهيم شاهين والملازم أول انشراح سقطا بين أيدينا .. ونشكركم على ارسال المفاتيح الخاصة بالجهاز .. كنا فى انتظار وصولها منذ تسلم ابراهيم جهازكم المتطور" تحياتنا إلى السيد "ايلي زئيرا" مدير مخابراتكم. وتمت محاكمة الخونة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وأصدرت المحكمة حكمها بإعدام إبراهيم وانشراح بينما حكم على ابنهما الأكبر نبيل بالأشغال الشاقة وأودع الولدان محمد وعادل باصلاحية الأحداث نظرا لصغر سنهما، ونفذ حكم الإعدام في إبراهيم شاهين شنقا، بينما تم الإفراج عن انشراح وابنها بعد ثلاث سنوات من السجن في عملية تبادل للأسرى مع بعض أبطال حرب أكتوبر. وقد نشرت صحيفة يدعوت احرونوت عام 1989موضوعا عن انشراح وأولادها قالت فيه : أن انشراح شاهين (دينا بن دافييد) تقيم الآن مع اثنين من أبنائها بوسط إسرائيل وهما محمد وعادل بعد أن اتخذت لهما أسماء عبرية هي حاييم ورافي أما الابن الأكبر نبيل فقد غير اسمه إلى يوشي. وتقول الصحيفة أن دينا بن دافيد تعمل عاملة في دورة مياه للسيدات في مدينة حيفا وفى أوقات الفراغ تحلم بالعودة للعمل كجاسوسة لإسرائيل في مصر !، بينما يعمل ابنها حاييم كحارس ليلي بأحد المصانع ، أما الابن الأكبر فلم يحتمل الحياة في إسرائيل وهاجر هو وزوجتة اليهودية إلى كندا حيث يعمل هو وزوجته بمحل لغسل وتنظيف الملابس. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 15 (permalink) |
|
| جواسيس إسرائيل في المصيدة إسرائيل لاتكف عن التجسس على مصر.. رغم اتفاقية السلام! يخطي من يظن إن اتفاقية السلام، وانتهاء الحرب بين مصر وإسرائيل، وضعت حدأ لأعمال التجسس الإسرائيلية علي مصر.. أو حتى خففت منها، فطبيعة إسرائيل العدوانية والمتسلطة وتركيبتها السياسية والنفسية، وخلفيتها التاريخية لا تعطيها أية فرصة للشعور بالأمان والاستقرار وهذا بالإضافة إلى تأكد إسرائيل ووثوقها.. إن مصر هي القضية الكبرى أمام طموحاتها غير المشروعة بالمنطقة وأطماعها في السيطرة والهيمنة.. لذلك لم تتوقف محاولات إسرائيل في زرع عملاء لها في مصر أو اصطياد بعض الثمار المعطوبة لتجنيدها لخيانة وطنها. ولكن عملاء الموساد، تساقطوا تباعا في مصيدة المخابرات. 1.عامر سليمان ارميلات 2.سمير عثمان احمد علي 3.عبد الملك عبد المنعم علي حامد 4.عماد عبد الحميد إسماعيل 5.شريف احمد الفيلالي. تلك هي أسماء الخونة يضيعون خلف الأسوار الآن يقضون السنوات الطويلة، تنفيذ لحكم العدالة في الخونة وأمثالهم.. الذين دفعتهم، أوهام الثروة فهانت عليهم بلدهم وسقطوا في بئر سحيق من الخيانة، وغرقوا في ظلمات بحور الجاسوسية وعندما حاولوا أن يطفوا مرة ثانية كان في انتظارهم رجال المخابرات المصرية.. تلقفوهم إلى حيث القصاص العادل.. وسبق الخونة إلى دهاليز المحاكم يجرون أذيال العار وتلاحقهم لعنات شعبهم وأهلهم أرميلات. كان العشرات من أبناء قبائل سيناء يتجمعون داخل محكمة العريش وحولها.. الزحام شديد، إجراءات الأمن أشد، همسات تدور بين أبناء سيناء الذين سقط منهم العشرات دفاعا عن الأرض.. إلا عامر سلمان أرميلات.. ذلك الامي الذي لا يجيد القراءة والكتابة.. ولكنه كان احد أخطر جواسيس الموساد. الأحد 14 أبريل، المستشار حافظ مشهور رئيس محكمة أمن الدولة وزميلاه المستشارين محمود سمير وصبحي الحلاج، في غرفة المداولة، ينظرون وصول الجاسوس من السجن واستعداد الحراسات وأعداد قاعة المحكمة، وبعد دقائق من وصولهم دخل عليهم قائد الجرس وأبلغهم بتمام تنفيذ اجراءات بدء الجلسة.. القضاة الثلاثة أتموا مداولاتهم في الحكم.. وفجأة دوي صوت الحاجب في القاعة.. محكمة.. ليخرج رئيسها وزملائه.. يتخذون مواقعهم علي كراسي العدالة.. وعم الصمت المكان.. الأنفاس تكاد تعدها، فالآن ستنطق المحكمة بحكمها ضد عامر سلمان أرميلات.. وجاء صوت القاضي قويا جمهوريا يشق الصمت وقال: حكمت المحكمة حضوريا علي المتهم عامر سلمان ارميلات بالأشغال الشاقة المؤبدة وغرامة قدرها عشرة آلاف جنيه.. رفعت الجلسة. ذلك كان المشهد الأخير في حكاية عشرين عاما من الخيانة.. كان بطلها الجاسوس الأمي، الغريب أنه بدأ خيانته مع النسمات الأولي لرياح السلام ففي عام 1977، ألقت القوات الإسرائيلية التي تحتل العريش القبض علي عامر سلمان ارميلات، بتهمة السرقة، وبعد عدة أشهر في السجن غادره.. ويبدو أنه احترف السرقة حتى سقط مرة أخري في أيدي القوات الإسرائيلية أثناء قيامه بسرقة 'ثلاجة' من 'مستوطنة ياميت'، وهذه المرة تم احتجازه في بئر سبع.. وهناك وأثناء قيام ضابط المخابرات بعمله، وصله أن هناك شخص يناسب أسلوبه في العمل، ويبيع نفسه مقابل حفنة نقود.. فهو لص، وتاجر مخدرات، ولا يتردد في أن يكون خائن.. سمع 'أبو شريف' رئيس مكتب الموساد في بئر سبع محدثه.. ثم أرسل من يحضرون ذلك الشيطان.. وبعد دقائق وقف عامر يلهث أمامه، ينتظر ما يلقيه له من كسرة خبز' وبعد فترة صمت تحدث ضابط الموساد بشكل مباشر، فشخص كهذا لا يستحق عناء تحسس وطنيته، فهي بالتأكيد مفقودة.. وطنه هو المال ودينه هو الخيانة.. قال أبو شريف.. لدي عرض يا عامر.. أنت مدان بالسرقة وتم ضبطك وأنت تحمل الثلاجة المسروقة.. لكن أستطيع أن أجعلك تخرج من هنا إلي منزلك دون أن يعترضك أحد.. صيد سهل زاد لهاث عامر، الذي فرح بالعرض، ورد عليه أعمل أي شيء تريده، فهي كان صعبا.. رد أب وشريف لابل سهل، هو أن تكون علي إتصال بي ونكون أصدقاء احتاج معاونتك في شيء.. فقط تساعدني.. ولو كانت المساعدة مخلصة وصادقة، ستكون هناك هدايا في انتظارك وستتحول عن حياة التشرد والسرقة..؟ سريعا تم الاتفاق.. وكان عامر أرميلات في مركز للموساد بئر سبع يتلقي تدريبا بسيطا.. فهو لن يستعمل الشفرة أو أجهزة اللاسلكي.. فقط كل ما هو مطلوب منه.. أن يشاهد عدة صور، يحفظ الأشكال الموجودة بها فمثلا تلك دبابة تي 55 وذلك مدافع هادتزر، واستمر عدة أيام عاد بعدها إلي العريش وهو يميز جيدا بين أنواع الأسلحة الثقيلة.. ولأنه بدوي فطبيعة حركته في الصحراء والوديان وربما فوق الجبال.. وكل المطلوب منه إبلاغ أبو شريف بما يراه المكان فقط.. ولان أرميلات هذا رمزا للأمية، فهو يكره التعليم والقراءة والناس.. يكره كل شيء ولا يحب سوي المال أو الكيف.. وبدأت المكافآت تنهال علي أرميلات، ولكن من نوع آخر.. شحنات المخدرات تنهال علي أرميلات.. وكان هو الثمن.. وسعد كثيرا الجاسوس بالمقابل.. وكان أبو شريف قد أقنعه أن المخدرات هي خير وسيلة للتمويه علي نشاطه.. ولن يتخيل أحد أن تاجر المخدرات، ما هو إلا جاسوس مراقبة انتشار القوات المسلحة المصرية في سيناء.. مقابل صفقات المخدرات، وكان هدف الموساد مزدوج من هذا الخائن، التجسس علي جيش بلده، ونشر المخدرات بين الشباب.. ولكن الطريف في قضية الخيانة هي وسيلة الاتصال بين العميل والضابط.. وقرر الضابط اختيار وسيلة مناسبة.. وكلف الجاسوس بأن يقوم بوضع حجر أمام أيه سيارة تابعة لحرس الحدود أثناء الدوريات.. ويطلب من ركابها.. نقله إلي مكتب مخابرات بئر سبع.. الذي أعجب كثيرا بنشاط وحماس الخائن.. حتى أنه كلفه بإنشاء شبكة من الجواسيس في العريش وشمال سيناء.. وبالفعل بدأ عامر في الاتصال باثنين من السائقين اختارهما بعناية ووافق عليهما 'أبو شريف' وكانا سائقان، وحسب عملهما يستطيعان الحركة بحركة علي جميع طرق سيناء.. وفي عام 1982 بدأ يتحدث إلى قاعود سليمان وعرض عليه أن يدخل شريك في العمل مع الصهاينة، فعائد المخدرات كبير، وهو يحتاج من يوزع معه.. ولأن قاعود كانت له شقيقة مطلقة في الأراضي المحتلة ويريد إعادتها لسيناء، وفرش له عامر الطريق بالوعود.. يستطيع إعادة أخته في أي وقت، أيضا يمكنه الذهاب إلي هناك.. أبو شريف يستطيع أن يفعل له ما يريد.. وفي عام 1983 قدمت الشرطة عامر سليمان للمحاكمة بتهمة القيام بانشطة تجسيسه ولكن لضعف الأدلة، كان الحكم ضعيفا.. وقضي أرميلات عام ونصف خلف الأسوار.. ليعود في عام 1987 وبكل أصرار علي الخيانة علي استعاده نشاطه التجسسي.. وفي عام 1992 عاود تنفيذ فكرته الأولي فقرر الاتصال بأحد أصدقائه وهو سائق ليساعدٌه في ترويج كميات المخدرات.. وبعد أن اطمأن إليه اعترف له أنه يعمل لحساب الموساد.. وأنه يربح مبالغ كبيرة.. وأنه يستطيع أن يكون شريكا له.. ولم يعرف أرميلات أن للخيانة عملاء ولكن هناك الشرفاء.. ووجد نفسه في مواجهة من عرض عليه العمالة في قاعة المحكمة ليشهد ضده، ويؤكد أن أرميلات طلب منه التجسس وصحبه إلي عدة أماكن كان مكلفا بمراقبتها.. وبعد توافر أدلة الإدانة.. تصدر المحكمة حكمها بالسجن المؤبد علي جاسوس المخدرات وغرامة عشرة آلاف جنيه. متطوع للخيانة ..! نموذج آخر علي الخيانة سقط بعد فترة من تطوعه في فرق الخيانة.. هو سمير عثمان احمد علي، وهو الذي أنهي عمله في أحد الجهات الهامة، وأراد أن يبحث عن فرصة عمل، فسافر إلي العراق أثناء الحرب مع إيران والتحق بالجيش الشعبي العراقي، وتدرج في التنظيم السري لحزب البعث حصل علي درجة رفيق، وحصل علي مرتبه ملازم أول وتم نقله للعمل بالمخابرات العراقية وتبدلت الأحوال، فالسيارة والسائق الخاص والراتب الكبير. ويبدو أن سمير لم يجد ما يريده في العراق، فقرر الانتقال إلي تركيا في أجازة، وقرر عرض نفسه للبيع وأختار أن يتطوع في صفوف الموساد.. وفور وصوله أنقره، سأل عن مكان السفارة الإسرائيلية.. ومنذ تلك اللحظة دخل عالم الخيانة من أوسع أبوابه.. وعاد إلى مصر لينفذ التكليفات المطلوبة منه.. ولأنه مدرب جيدا علي الغوص، فاختار، وله طريقة جديدة للاتصال بالموساد.. وكان سمير يذهب إلي طابا المصرية ويقيم في فندق هيلتون، وبعد فترة، يقرر الذهاب إلي للغوص، يرتدي الملابس، ويغوض تحت الماء، وبين ملابسه جواز سفره، ويستمر سمير في الغوص تحت الماء ولا يخرج إلى سطحها إلي في إيلات وهناك يكون ضباط الموساد في إنتظاره.. ويعود بنفس الطريقة.. وكان يمكن أن يستمر سمير في خيانة لوقت أطول.. حتى وصلت معلومات إلي المخابرات العامة المصرية عن الشبهات التي تحيط به.. فهو كثيرا ما يسافر إلي خارج البلاد وجنوب سيناء.. ووضع سمير تحت المراقبة الدقيقة في مصر وخارجها.. وبعد تحريات، وصلت معلومات تفيد بتورطه مع الموساد.. وهنا تولي فريق من المتخصصين مراقبته ومتابعة القضية.. وبعد فترة أصبحت كل أسرار شريف معروفه.. حتى أن هناك من كان يتابعه في البحر.. وبعد تجميع أدلة قوية لا يستطيع سمير التخلص منها.. صدر قرار بالقبض عليه.. وتوجهت قوة من المخابرات العامة يرافقها رئيس نيابة أمن الدولة حيث شريف في منطقة الدرب الأحمر.. قامت بتفتيش المنزل وعثرت علي جوازات السفر، وأوراق السفر وأدلة أخري تؤكد علاقاته بالموساد.. وبعيدا من القاهرة، كان هناك في طابا، فريق أخر في مياه طابا، ينتظر عودة سمير من إيلات.. لكن مفاجأة حدثت.. سمير ضل طريقه هذه المرة.. ولكن العيون التي تراقبه، لم تخطأ هدفها.. إشارة تلقتها قبل قليل بالقبض عليه.. وبعد ساعات كان سمير في سيارة تقترب من حدود القاهرة.. ليمثل أمام رئيس نيابة أمن الدولة، تتوالي الاعترافات.. ونظر لخطورة القضية، وحجم العمليات الضخمة الذي رافقها وتعلقها بأسرار دول عربية أخري.. فاستمرت المحاكمات بعيدا عن المتابعات الإعلامية.. ليسقط سمير عثمان جزاء ما مثله ويصدر ضده حكم مشدد.. بعدما أعترف بعمالة للموساد، أنه استحق عدة جوازات سفر للتمويه علي أجهزة الأمن ومقابلة ضباط الموساد.. وكشف تحليل جوازات السفر عن تشبعها بمياه البحر نتيجة حمله لها أثناء الغوص تحسبا لأي طارئ. العامل الجاسوس..! رغم أنه عمل تطوعي في صفوف القوات البحرية لمدة 12 عاما.. بداية في عام 1966 حتى عام 1978، قرر أن ينهي فترة تطوعه، وقرر مد التجنيد لفترة أخري.. رغبة منه في الحصول علي مكافأة نهاية الخدمة إضافة إلي المعاش الشهري.. يستطيع أن يبدأ مشروعا جديدا.. ولكنه سمع عن زملاء سابقين له عملوا علي البواخر التجارية وبرواتب مغرية.. بدأ عبد الملك عبد المنعم، رحلة البحث، وعثر علي فرصة جيدة، لكنه لم يعد قانعا بدخله.. وفي إحدى إجازاته في قرية نوسا الغيط.. سمع عن سفر شباب القرية للعمل في إسرائيل، والأرباح الكبيرة التي يحققوها.. فقرر أن يذهب هو الآخر.. ولكن عمله السابق وقف في طريقه وتم رفض سفره.. وتعهد بموجب إقرار كتابي بعدم السفر، ولكنه أعتقد أنه سيفلت من هذا الإقرار باستبدال جواز سفره بمهنة موظف بالمعاش.. وبالفعل تمكن من مغادرة البلاد.. وفور وصوله إلي إيلات وحسب الاجراءات المعتادة لمنافذ إسرائيل مع المصريين.. استجواب أمني طويل.. روي فيه عبد الملك تاريخ عمله السابق في القوات البحرية.. وكان ضروريا إخطار الموساد.. وطوال رحلة عمله كانت عيون الموساد ترقبه.. ولأنه دخل ايلات بتأشيرة سياحية، فقد انتهت فترة الأسبوعين وفي اليوم التالي، بدأت الشرطة الإسرائيلية في مطاردته، بناء علي تعليمات مدير مكتب الموساد في ايلات والمدعو 'أبو يوسف' وبعد عدة مطاردات أنهكت عبد الملك.. فكلما ذهب إلي مكان، وجد الشرطة في إنتظاره.. وفجأة وبعدما أصاب عبد الملك التعب، وجد أبو يوسف في طريقه.. قدم له الحماية اللازمة وأصبح ممنوعا علي الشرطة الإقتراب منه بل وفر له أبو يوسف فرصة عمل عندما كلفه بطلاء فيللا خاصة.. ولأن الطمع سيطر علي كل حواس عبد الله، فلم يقاوم عرض أبو يوسف وتحول عبد الملك من عامل، إلي جاسوس.. وتم نقله إلي بئر سبع للتدريب هناك علي أعمال التجسس ونبغ سريعا في الخيانة، وعاد إلي مصر ومعه أرقام تليفونات في فرنسا وايطاليا واليونان.. وكان التكليف لعبد الملك بمتابعة أنشطة إحدى القواعد الجوية القريبة من محل إقامته وإحدى قواعد الدفاع الجوي وطلب ضباط الموساد من عبد الملك أن يبحث عن فرصة عمل في ميناء الإسكندرية.. وعندما داهمت أجهزة الأمن منزل المتهم في قرية نوسا الغيط، حاول المراوغة وقال أنه كان ينوي إبلاغ المخابرات.. ولكن مرض أسنان زوجته، آخره.. لعدة أشهر.. وبدأ يعترف بخط يده، 80 ورقة كاملة.. حوت اعترافات الجاسوس..، وأمام المحكمة اعترف عبد الملك بتقاضي مبالغ من الموساد، وساعة يد هدية.. حاول المتهم الادعاء أنه خشي إبلاغ الأمن، خوفا من أن يكون داخلها أجهزة تتبع.. وكان قرار المحكمة بإدانة المتهم.. وصدر الحكم عليه بالسجن 15 عاما.. عماد وعزام..! تخرج من كلية الاقتصاد المنزلي، والتحق بالعمل مدرسا بإحدى المدارس الإعدادية في شبين الكوم وكان عماد عبد الحميد، غير قانع بالعمل.. فحصل علي إجازة وإلتحق بالعمل في إحدى الشركات بالعاشر من رمضان، وكانت سعادته بالغة عندما علم أنه سيسافر مع زملائه إلي إسرائيل للتدريب هناك علي صناعة الملابس.. وأقلعت به الطائرة ومعه زملائه وكانت سعادته بالغة، فهناك سوف يبرز انحرافه الخلقي.. وكان في استقبالهم في المطار.. وفي متعب عزام مندوبا عن المصنع، وبسرعة انتهت الإجراءات.. لكن عيون عماد كانت تتعلق بالنساء في كل اتجاه.. وفور وصولهم الفندق كان هناك في انتظارهم عزام متعب عزم، وفورا اكتشف الانحراف الجنسي لعماد.. وهمس إليه.. وبالفعل أحضر له عزام فتاتين روسيتين، لكن عماد خشي من رؤسائه في العمل والمقيمين معه في نفس الفندق.. وأراد عزام الانفراد به فقام بنقله إلي أحد المصانع الأخرى للتدريب بها.. المهم.. كان القرار بتجنيد عماد وفجأة ظهرت زهرة جريس وهما من عملاء الموساد.. أفهمه عزام أنها ثرية وتصلح زوجة له، وكان عماد طلب من عزام مساعدة في الزواج بإسرائيلية. .. وبعد عمليات السيطرة الجنسية علي عماد عبد المجيد وزهرة جريس، وتم إلتقاط صور جنسية له معها في سيارتها عندما دعته لجولة خلوية.. .. وبدأت التلميحات من عزام وزهرة عناصر الموساد، وكانت الاستجابة التامة من عماد عبد الحميد.. وكانت هناك قصة رواها عماد عن قرب موعد تجنيده، فصدر قرار بتحديد إقامة الوفد أسبوع آخر إكراما للجاسوس حتى تتم السيطرة التامة عليه وحمل قائمة طويلة معه من التكليفات، وأربع قطع ملابس نسائية مشبعة بالحبر السري.. لاستخدامه في إرسال التقارير.. وبالفعل والجاسوس أقام باستخلاص الحبر السري.. وحسب تحريات شعبة الأمن القومي، واعترافات المتهم، أنه في اليوم السابق علي وصوله إلى مصر التقي مع المدعو 'ميكي باغوث' وهو ضابط بالموساد اسمه الحقيقي 'ميخائيل بيركو'. وتعرف المتهم علي الصورة الذي قدمتها المخابرات لضابط الموساد.. وتوالت الاعترافات.. وتم القبض علي عزام متعب عزام ووجهت إليه نيابة أمن الدولة بتهمة الاتفاق الجنائي مع الجاسوس.. وإعترف عزام بصلات زهرة بالموساد. وتوالت الجلسات والاعترافات.. وكان في النهاية الحكم الرادع بالسجن المؤبد علي عماد عبد الحميد والسجن 15 عاما علي عزام متعب عزام. وأخيرا.. سقط شريف الفيلالي... ولكن لن يكون الجاسوس الأخير..! أفرج لاحقاً عن الجاسوس الإسرائيلي الدرزي عزام عزام بصفقة قامت بها مصر مقابل الإفراد عن ستة طلاب ضلوا الطريق في الصحراء ودخلوا إسرائيل بالخطأ ، إسرائيل أدعت أنهم دخلوا إسرائيل للإستيلاء على دبابة إسرائيلية لمهاجمة إحدى المصارف لسلبها وتسلم الأموال للفلسطينيين، عزام عزام أمضي ثماني سنوات في سجنه. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 16 (permalink) |
|
| خان عشيقته اليهودية فاوشت به للشرطة العراقية عيزرا خزام ـ وهدم المعبد كيف طوع الدكتور عيزرا جسد حبيبته لخدمة الجاسوسية؟ توقف ذات نهار بسيارته في إحدى إشارات المرور ... وبينما ينتظر الإشارة الخضراء... لمح فتاة ساحرة تفوق الآلهة عشتروت جمالاً... فطاردها بإصرار صياد لا يهمد ... ولو أنه كان يعلم وقتها أن حياته مرهونة بنبضات المشاعر... لما سمح لقلبه أن يهوى .. أو تخفق جوانحه. ذلك أن الصدفة العابرة – أحياناً – قد ترسم مصير إنسان... فتقوده ربما إلى حياة هانئة منعشة... أو تقذف به إلى حالك الظلام والنهاية المفجعة... !! قراءة الأبعاد قديماً قالوا "الحب يصنع المعجزات"، وفي هذا القول حقيقة تنطبق على أبطال هذه القصة. ففي حي الكاظمية ببغداد ولد عيزرا خزام عام 1924 لأسرة ثرية تعمل بتجارة الذهب والمشغولات الثمينة. ونشأ منذ طفولته نشأة يهودية تقليدية، منكباً على كتبه الدراسية بعيداً عن مهاترات الشباب وطيشهم، إلى أن التحق بكلية الطب في بغداد وتخرج منها عام 1953، ليعمل طبيباً بالمستشفى المركزي، مرتقياً السلم الوظيفي والمهني سريعاً نظراً لمهارته الفائقة في عمله. وفي المستشفى تقابل مع إحدى الممرضات اليهوديات وتدعى "جنة" التي تسلمت عملها حديثاً، فانبهر بجمالها الفتان وأنوثتها الفتاكة، وغرق في حبها دون أن يدري... أو يقاوم. ففي ذلك الوقت، كانت ضغوط أسرته ليتزوج تزداد يوماً بعد يوم... واختار له والده ابنة تاجر يهودي ثري، رآها عيزرا عدة مرات في المناسبات الدينية والعائلية، لكنها لم تترك لديه أثراً يدعوه ليقترب اليها. فصارح والده بمشاعره تجاه ابنة صديقه، وانشغل بعمله وبحبه لممرضته الحسناء. وحدث ذات مرة أن تجرأ وأعلمها بحبه، فاستنكرت ذلك منه للفروق الشاسعة بينهما، فهي ابنة يهودي فقير، يمتهن النحت والنقش على النحاس، ولا قبل لأسرتها به. لكنه تناسى كل الفروق غير عابئ بفقرها، فهي غنية بالجمال الوفير... وهذا يكفيه. استجابت جنة لعواطفه، وانقادت هي الأخرى تجاهه، مانحة إياه مشاعرها وقلبها عن قناعة. لكنه حبه لها كان أضعاف ما تكنه هي من حب. لذلك كان شديد الغيرة، يطاردها في ردهات المستشفى، وفي كل مكان. ولما صارحته بأنها لم تعد تطيق تصرفاته، عرض عليها الزواج في أسرع وقت، فرفضت بإصرار دون أن توضح لذلك سبباً. تحير الدكتور عيزرا في أمر حبيبته، وساورته الشكوك والريب، لكنها قطعت عليه الطريق، واعترفت له بأنها قررت ألا تتزوج في بغداد مهما امتد بها العمر، إذ هي تحلم بالحياة في إسرائيل، والزواج هناك بمن يحبها، ويريدها. أسقط في يده، ولم يسعفه عقله ليقول أي شيء. فلما طال صمته، همت بالانصراف، لكنه جذبها بشدة وبعينيه شعاعات من تحد، وقال إنه يوافق على زواجها في بغداد ثم يسعيان معاً بعد ذلك للهرب إلى إسرائيل. رفضت جنة ما أبداه من رأي .. ذلك لأن أسرته لن توافق على زواجهما، وبالتالي سيخسر الكثير وهو الذي اعتاد الحياة الناعمة بما يغدقه عليه والده من أموال. وتمر الأيام وحبيبته في تبدل مستمر تجاهه، فيفطر قلبه، ويسير كطفل رضيع يسعى لحضن أمه الدافئ، يتلمس بين أحضانها الأمن والحنان. فكانت ترقب حبه الطاغي لها في تدلل، حريصة على ألا تمنحه ولو جرعة قليلة من أمل في زواجهما ببغداد. لقد بدد إصرارها على الهجرة أمنه، وأحال ليله إلى كابوس مقيم خوفاً من صدمة اختفائها المفاجئ. لذلك أسرع بتأجير شقة جديدة بشارع السعدون كعيادة، ورجاها أن تقبل العمل معه لتكون بقربه طوال اليوم، فوافقت واثقة من شدة تعلقه بها، وكانت تمضر له أمراً. لقد تحينت الوقت المناسب، وصارحته بأنها تعمل لصالح الموساد الإسرائيلي منذ مضي العام، وتنتظر انتهاء المهام المكلفة بها ليتحقق حلمها بالهجرة. هزه الأمر وبعثر عقله، واضطربت له قسمات وجهه وحياته كلها، ولأنه يحبها لدرجة الجنون، لم يشأ أن يرفض مسلكها فيخسرها. لحظتئذ.. عانقته في امتنان، وأذاقته قبلة كالبركان أذهبت بإرادته، فكبلته معها بسلاسل من إثارة أنثوية فضحت ضعفه وخضوعه. وبعد مرور عدة أيام – كانت أثناءها تختلي به كثيراً لتمنحه المزيد – طلبت منه أن يستقبل رئيسها في "العمل". ومثله ... مغيب العقل والإرادة، لم يستطيع أن يرفض هذا الأمر. وفي اللقاء الأول بينهما، شرح له العميل الإسرائيلي الكثير عن معاناة السواد الأعظم من اليهود في العراق، ورغبة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في العمل على تهجير أكبر عدد منهم، إشفاقاً لحالهم أولاً، ولحاجة الدولة اليهودية إليهم ثانياً. هكذا تم اللقاء بينهما في هدوء... ولم يغادر "الرئيس" العيادة إلا وأقنع الدكتور عيزرا، بضرورة الانضمام للمنظمة السرية الصهيونية، التي تنتشر فروعها في كل العراق. لقد كان للحب أثره العجيب... إذ رحب الدكتور عيزرا بالعمل مع المنظمة، واتخاذ عيادته مقراً للقاءات السرية، بعيداً عن أعين رجال المخابرات، الذين ينقبون عن الخونة في كل مكان. يا الهي ... ماذا فعل العراق بهؤلاء لينتقموا منه هكذا؟ جيوش من الخونة تفتك بأمنه، ويعملون فيه مباضعهم بلا رحمة، كأنهم رضعوا الخيانة متوارثة في جذورهم البعيدة المتوغلة في التاريخ السحيق. باع الدكتور عيزرا وطنه بخساً للصهيونية، وكأنه ما ولد وعاش وتعلم على أرضه، وشرب من مائه، وتنسم هواءه. وأخضع لدورة تدريبية على أعمال التجسس، بواسطة ضابط إسرائيلي تسلل خصيصاً عبر شط العرب لتدريبه، ثم سافر إلى البصرة للحصول على دورة أخرى في استعمال جهاز اللاسلكي، ورجع إلى بغداد يحمل حقيبته الطبية، بداخلها الجهاز الثمين. لقد اشتد إيمانه – كيهودي – بمهمته، وتعاظم حبه لإسرائيل متوازياً مع حب جنة، قانعاً بضرورة الهجرة اليهودية لتشتد الدولة، وتقوى أمام الجبروت العربي والجيوش التي تتسلح سراً لتدميرها. ثم انقلب اهتمامه بقضية التهجير، إلى البحث في خبايا القوة العسكرية العراقية. هذا الأمر شغله تماماً واستحوذ على تفكيره. فقد كان يرى أن لديه قدرات هائلة، للعمل في مجال الأسرار العسكرية، التي تتنامى في الخفاء. أما مسألة التهجير فبإمكان آخرين أقل حرفية منه القيام بها. كانت حبيبته وعشيقته جنة توافقه في رأيه، وتؤيده، وتدفعه دفعاً بغريزة الخيانة التي ولد بها اليهود، فأقنعته بضرورة استخدام جسدها معبراً للوصول إلى معرفة نوايا العراقيين، وخطط التسليح التي يضعونها للجيش، بالسيطرة على أعصاب عدد من الضباط، يتم الإيقاع بهم في حبائلها. إن تعدد الانقلابات العسكرية للوصول إلى الحكم، منذ الإطاحة بالملكية عام 1958، جعل من الجيش العراقي لغزاً يصعب التكهن به. فكل رئيس جديد – وهو عسكري بالطبع – له بعده السياسي وقراءته الخاصة لخريطة الجيش وتضاريسها. ولقصر مدد الحكم، أصبح من العسير وضع رؤية محددة تترجم السياسات والنوايا. فالعراق يأتي في المرتبة الثانية بعد سوريا، في عدد مرات الانقلابات التي وقعت منذ استقلاله، حتى وصول صدام حسين إلى الحكم. من هنا، ولهذه الأسباب، انشغل الدكتور عيزرا بأسرار السياسة والجيش في العراق، بعدما تبين له أن هناك دلائل قوية، تشير إلى مساع جادة لتسليح الجيش بأحدث الأسلحة السوفييتية، لمساندة دول المواجهة في صراعها ضد إسرائيل من جهة، وللوقوف ضد أطماع إيران من جهة أخرى. فسياسة التخويف التي اتبعها الشاهنشاه محمد رضا بهلوي في المنطقة، كانت سبباً مهماً للبحث عن مصادر السلاح، وتدريب الجيش، ورفع درجة كفاءته واستعداده وتأهبه. فكيف طوع الدكتور عيزرا جسد حبيبته لخدمة الجاسوسية؟. ثور آشور البداية كانت بطريق الصدفة البحتة، عندما لاحظت جنة نظرات ذات مغزى تفهمها الأنثى، لأحد المترددين على مكتب المحامي المواجه للعيادة. فلم تعر الأمر انتباهاً في البداية، لكن بعدما شاهدت الشخص نفسه بعد عدة أيام، وهو يرتدي البزة العسكرية برتبة عقيد، رمقته بسهم من لحاظها فأردته قتيلاً، وفوجئت به يدلف إلى العيادة كالمنوم التائه، يطلب منها مستأذناً استعمال التليفون. كانت حجة واهية تفضحها نبرات صوته ونظراته العطشى، زادتها ثقة في مواهبها، وطغيان أنوثتها. ولأنه صيد ثمين لا يقاوم، تعاملت معه برقة متناهية، مبدية إعجابها بزيه العسكري المهندم. فأذكت غروره، وأيقظت لديه روح المغامرة، والشوق إلى العشق واندفاعات الشباب، فداوم على الاتصال بها تليفونياً يسمعها كلمات الإطراء، بينما هي تصده في دلال جاذب ساحر. أطلعت عيزرا على ما تنويه للإيقاع بالعقيد عبد الجبار، فوافقها معرباً عن سعادته بإخلاصها للعمل، ورسما معاً خطة اصطياده المحكمة. أعدت إحدى حجرات العيادة إعداداً جيداً، حيث زودت بأحدث كاميرات التصوير والأجهزة اللاقطة للصوت، ولما اتصل بها عبد الجبار ذات مساء أنبأته أنها بمفردها بالعيادة لسفر الطبيب. ابتلع الضابط الطعم، وعرض عليها أن يتناولا العشاء سوياً فأجابته باستحالة ذلك لأنها تنتظر مكالمة هامة من الدكتور عيزرا ... حينئذ عرض عليها أن يحمل العشاء إلى العيادة ليتناولاه معاً، فرحبت بعد تمنع خبيث، وهكذا ذهب برجليه إلى النهاية. فبعد العشاء سحبته إلى الحجرة "الملغمة"، واكتشفت أن العقيد الفارع الطول، ذو الوجه العسكري الصارم والشارب الكث، يعاني ضعف رجولته، إلا أن العميلة المحنكة، أشعرته بأنه فحل من فحول "نينوى" ، وثور من ثيران "آشور" القديمة. فأقبل عليها نهماً كالجائع المجوع، لا يمل مذاقها أبداً ولا يشبع. ولأنه يعرف "قدر" نفسه جيداً، أراد تعويض هشاشة رجولته بالظهور بمظهر الضابط الكفء، لذلك استجاب لتساؤلاتها، متباهياً بأهميته وعلمه بأمور الجيش وأسراره، تندفع منه المعلومات العسكرية كالشلال المحبوس، لا شيء يصده، أو يمنعه، للدرجة التي جعلت عيزرا يستغيث برؤسائه في "عبادان"، أن يبعثوا بمن يتسلم عشرات التقارير الغاية في الأهمية، والتي لا يستطيع اختزالها وبثها لاسلكياً. لقد تحول العقيد عبد الجبار لكلب طيع أليف، أوهمته جنة بفحولته فعوضها بأدق الأسرار العسكرية، وحمل إليها خرائط تفصيلية لقواعد الصواريخ، والدفاع الجوي والمطارات، ليستعين بها في شروحه. فكانت تبدو متغابية أمامه ليسترسل أكثر في فضح ما برأسه من خبايا الجيش، وتتضاعف بذلك أشرطة التسجيل والأفلام التي تحمل إلى إيران، ثم تنقل فوراً إسرائيل. . اتسعت عضوية شبكة الدكتور عيزرا، بفضل جسد الحبيبة المثير، لتشمل فئات أخرى عديدة في المجتمع الراقي ببغداد. خمس سنوات كاملة اكتسب خلالها الطبيب اليهودي خبرات واسعة في فنون التجسس، وكيفية تجنيد العملاء والسيطرة عليهم، ملتزماً بالحس الأمني العالي، والسرية المطلقة لتحركاته. فتعدى نشاطه التجسسي نطاق الجيش، والتسليح، وانشغل بكل ما يخدم مصالح إلى في العراق. وبفضل علاقاته وتشعب مهامه، أمكن له تهريب أكثر من مائتي يهودي عبر "الفاو" و "شط العرب" ميناء عبادان، وتسريب تقارير اقتصادية وعسكرية لإلى لا تقدر بثمن، فأغدقت عليه مخابراتها بالمال الوفير الذي ينفق منه بسخاء على أعوانه، ويتشري به ذمم الضعفاء في كل موقع يريد اقتحام أسراره. هكذا استمر عيزرا يعمل في الخفاء، ملتزماً بمبادئه كيهودي يعمل لصالح وطنه الجديد، مشجعاً لحبيبته في استدراج ضعاف النفوس إلى فراشها، حيث تنزف الرجولة وتنسل مع غياب العقل كافة الأسرار سهلة بلا ضوابط. لقد سخر نفسه ووقته وحياته للجاسوسية، ونسى في خضم التزاحم أمر الحب والغرام، على العكس من "جنة" التي التصقت به، ولم تنسى للحظة أن هناك اتفاقاً بينهما على الزواج في تل أبيب. كانت تحس أحياناً كثيرة بأن آمالها مجرد سراب كاذب. فبعد سنوات في الجاسوسية، لا شيء يتحقق، ولا أحد يحس بمعاناة خوفها. فالعمر يجري وتذبل فيه أوراق الشباب، وتنطفئ رويداً .. رويداً... أغاريد الجمال وروعة الأنوثة. تساءلت كثيراً: ما النهاية... ؟ ما المصير ... ؟ وهل تحدث معجزة ويتحول الوهم إلى واقع؟ الشهور والسنوات الطويلة في انتظار الأمل أرهقتها، ودمرت بداخلها البهجة، وقطعت حبال الصبر والثقة، وزعزعت إيمانها بالعمل الذي "كان" مقدساً، إذ تملكها إحساس مقيت بأنها مجردة داعرة حقيرة، تخلع ثيابها تلقائياً لكل عابر في سبيل ماذا؟ إلى ؟ وهل يحس من تعمل لصالحهم بمعاناتها.. ؟ بامتهانها لذاتها...؟ بجسدها الرخيص المنهك... ؟ بالقرف الذي يصيبها بالغثيان وهي تشم رائحة الأفواه النتنة، والعرق اللزج المتعفن الذي يزيد التصاق الأجساد العارية كل ليلة؟... أعداد من البشر لا تستطيع حصرها، من كل لون وحجم، هتكوا ستر أنوثتها، وذبحوها ضحية لأمزجتهم الشاذة. كل ذلك من أجل من؟ الأمل المنتظر بعيد المنال؟ عيزرا الحبيب ابتعد هو الآخر. لم تعد تشغله أو تثيره كما كانت من قبل... فقد فترت غيرته ورغبته فيها، ولم تعد تمثل لديه أي شيء. فقط .. تحولت في حياته إلى مجرد "معاونة" تساعده في خدمة الموساد، وامرأة تستجيب له بلا تمنع كلما أرادها... ونادراً ما كان يفكر بذلك طوال الفترة الأخيرة. ... قتامة بشعة عششت بأفقها، وطحنتها رحى الفكر بعدما أضحت هشيم امرأة تتعذب، تتشقق ألماً، لكنها آمنت بألا تخسره. حساباتها المعقدة أوصلتها إلى تلك النتيجة، فتمنت أن يرجع لها الحبيب، العاشق، الغيور، وأن يعاود عرض رغبته بالزواج لو فعلها ونطق... لوافقت في الحال، لقبلت يديه ورأسه وقدميه فرحة مطمئنة. لكن ... هل ينطقها بعد سنوات من الصمت؟ إذن .. فلتحاول هي، فلا زالت تملك قدراً من جاذبية، وسحر، بل هي تملك ينابيع من حنان... كان عليها أن تهدأ قليلاً لكي تستعيد توازنها، وتتكلم معه، فتستريح. لكن .. يا لسخرية القدر، فعندما تتعارض الرغبات وتتصادم الأماني، فالخسائر عندئذ بالقطع فادحة، والنتائج، قد تكون مهلكة ... !! هدم المعبد حوادث بسيطة قد تمر بحياتنا، لكن لا أحد يتصور أنها قد تجرفنا إلى طريق آخر، ربما نجد فيه سعادتنا، أو ينتهي بنا إلى كارثة لا نتوقعها. بديهيات فشل الفيلسوف فردريك نيتشه في تعرية مشاعره والتسليم بها، إذ أضاع عمره كله مؤمناً بفلسفة "القوة"، والدعوة لمجتمع "السوبر مان"، بمعنى أن تعمل الحكومات على التخلص من الضعفاء والمرضى، وتبقى فقط على الأقوياء الأصحاء لكي ترتقي وتزدهر. فالضعفاء يستهلكون جهد الأقوياء، ووقتهم، وفي هذا استنزاف لثروات المجتمع. وعندما كان في زيارة لشمال إيطاليا، رأى حوذياً يضرب حصانه بلا هوادة لأنه عجز عن جر العربة في طريق صاعد. فأشفق نيتشه على الحصان، وأسرع بدفع العربة مع المارة، صاباً جام غضبه على الحوذى غليظ القلب، ثم اكتشف فجأة فداحة خطئه، فندم ندماً شديداً، وتراجع عن فلسفته التي أذهبت بعقله.. وقتلته. أما الدكتور عيزرا خزام، فلم يكن يشك للحظة أن "جنة" التي تعشقه لدرجة العبادة قد تسعى لتدميره، وقتله. لذلك .. استعذب تلهفها عليه وتذللها له.. وفي أعماقه كان يغمره انتشاء محبب كلما رآها خاضعة مستسلمة ... خائرة أمام حبها... وخوفها من ذلك المجهول المتوثب المنذر بالخطر. كان طوال خمس سنوات قد مل مذاقها، وأصبح هاجسه الأكبر هو السعي بإخلاص لخدمة إسرائيل. لهذا .. نبذ حبه القديم منذ اقتحم عالم الجاسوسية، وخطا فيه خطوات تفوق ما كان يعتقد في نفسه، وقدراته. إلا أن حادثاً عابراً بدل فجأة كل شيء، وعجل بالنهاية. لقد توقف ذات نهار بسيارته في إحدى إشارات المرور ببغداد، وبينما ينتظر الإشارة الخضراء، لمح فتاة ساحرة تعبر الشارع، كانت قسماتها تفوق الآلهة "عشتروت" جمالاً، خطواتها الرشيقة كظبي، يحجل طرباً فيزداد حسناً. فتسمر مكانه يتابعها بنظريه منجذباً، وطاردها من بعدها بإصرار صياد لا يهمد. كانت الفتاة قبطية تدعى "زهيرة"، صبية في ريعان شبابها، غضة بضة، تسلب العقل والفؤاد. تقدم الدكتور عيزرا لخطبتها باذلاً أمواله لاسترضاء أهلها، مستعداً للتخلي عن يهوديته فور إعلان الموافقة. أحست جنة بنفوره منها، برغم مشاعر الحب الفياضة التي تغدقها عليه، وبحاستها الأنثوية أدركت بأن هناك امرأة. وبدأت رحلة البحث عنها حتى وقفت على الحقيقة المرة، فصعقتها الصدمة، وزلزلت ما بقي عندها من أمل ضعيف. ولما طالبته بأن يقطع علاقته بزهيرة ويتزوجها، سخر منها قائلاً: المرأة التي اعتادت كل الرجال يشق عليها أن تكتفي برجل واحد. صرخت في حدة: عيزرا ... ماذا تقول؟ أنت تعرف بالقطع أنه "عملي"... وليس حباً في الرجال. قال فيما يشبه التهكم: نعم ... أعرف ذلك... وأعرف أيضاً أن "عملك" انقلب إلى "هوس" ما له من علاج. صارخة وقد تحشرج صوتها: هوس؟ أتسمي ما يحدث بيننا هوساً.. ؟ جنة... تقاطعه: خمس سنوات وأنا أمنحك نفسي... أتظنني "مريضة" لا حل لي؟ ... ماذا. قال في حدة: جنة ... أرجوكي ... ألأني أحبك أكثر من نفسي ... وأعمل كل ما يرضيك ويسعدك توصمني بالشذوذ؟ إذن ... ماذا كنت تظنني أفعل مع طوابير أتباعك وزبائنك؟ أأكون الداعرة المهذبة؟ هم يرونني مهووسة .. فكنت أفتعل ولا أنفعل ... كنت أمنح ولا أُمنح... أنت بنفسك طلبت مني مرات ومرات أن "أُمثل" جميع الأدوار .. أنسيت ذلك ... ؟ أم أنك زهدت فيّ؟ حببتك يوماً ما وطلبتك للزواج فتمنعت. "يوماً ما" ؟ أكنت تكرهني طوال السنوات الفائتة؟ لماذا إذن كنت تعاشرني حتى شهر مضى؟ كفى ... كفى ... جنة ... لا ... أريد أن أعرف يا عيزرا .. أرجوك، لا تخجل من مصارحتي .. أرجوك قلها لأستريح. لا وقت للحديث الآن .. وراءنا عمل ينتظرنا... عيزرا ... سأنسى كل ما قلته الآن .. لكن، عاهدني أن تكون لي .. ستجدني خادمة لك ... أنا أحبك فلا تذبحني بسكين بارد أكثر من ذلك... جنة . قلت لك كفى الآن . فما عساك تريدين؟ نعم يا عيزرا ... هذا يكفي، لكن عليك أن تعلم أنني متعبة وبحاجة للراحة بالمنزل، فلا تطالبني بأي عمل الآن على الأقل. ومصدومة، محطمة، منكسرة، لملمت بقاياها، وذهبت إلى السلطات تطلب السماح لها بالسفر إلى إيران للعلاج ، وبعرضها على القومسيون الطبي، تبين أنها سليمة من الأمراض التي تستدعي السفر إلى الخارج. لزمت جنة بيتها في محاولة "لتجميع" ذاتها المهرئة، إلى أن حدثت كارثة يناير 1966، عندما ألقي القبض على "زالة" العميلة اليهودية، أثناء اقتحامها مقر شركة الإنشاءات ليلاً. لقد اعترفت "زالة" بحداثتها في عالم الجاسوسية، وبأن شريكها الذي مات بالسكتة القلبية في الشارع لحظة القبض عليه، هو رئيسها المسؤول عنها "ضابط الحالة". وأن التكليفات تجيء من عبادان لباقي أعضاء الشبكة الذين لا تعرفهم. ومع إعادة التحقيق معها عدة مرات، أوضحت بأن هناك طبيباً يهودياً لا تعرف اسمه الحقيقي كان يأوي رئيسها الذي مات. قامت أجهزة الأمن باعتقال عدد كبير من الأطباء اليهود المشكوك في تصرفاتهم وولائهم، ووضعتهم رهن التحقيق والاستجواب. وكان من بينهم الدكتور عيزرا خزام. ولما علمت جنة بأمر اعتقال عيزرا، سيطر عليها الرعب والهلع، وفكرت في نهايتها إذا ما اعترف، وباتت تنتظر كل لحظة طرقات رجال الأمن على بابها. فانضوت هلوعة، ذابلة، زائغة البصر. وبينما تقلب الصحف بحثاً عن أخبار تهمها، قرأت تصريحاً لمسؤول كبير تعهد بمكافأة سخية لكل من يدلي بأية معلومات، تؤدي للقبض على جاسوس، وحماية أي عراقي يبلغ عن تورطه في أعمال جاسوسية، مهما كان حجمها. قامت جنة على الفور وبدلت ملابسها، ثم غادرت منزلها إلى وزارة الداخلية، وطلبت مقابلة المسؤول الكبير لأمر هام فسمح لها ... وأحست بصدق نبرته وهو يعيد تأكيد ما صرح به للصحف، فاعترفت تفصيلياً بأمر الدكتور عيزرا، وقصتها مع الخيانة. هكذا كشفت كل الأسرار والخبايا، وهدمت المعبد على من فيه، إذ ألقي القبض على اثنى عشر جاسوساً في شبكة عيزرا وتكشفت حقائق مذهلة عن تورط العديد من اليهود العراقيين، وانخراطهم في عمليات تجسس ليس بنية العمل على تهجير اليهود فحسب، إنما طالت الأسرار العسكرية وكل نواحي الجيش في العراق. وكانت وقائع المحاكمة عجيبة... والأحكام التي صدرت أعجب... فقد صدر الحكم بإعدام الدكتور عيزرا وعبد الجبار رمياً بالرصاص، والشنق والحبس للباقين الأحد عشر... أما جنة المصدومة ، فقد حكم عليها رأفة بالسجن خمسة أعوام. أما زهيرة، فقد عادت من جديد تجوب شوارع بغداد كغزال شارد، تطاردها الأعين الجائعة، فلا تلتفت أو تنصت، خوفاً من الوقوع في غرام جاسوس... آخر .. !! |
|
| |
| | رقم المشاركة : 17 (permalink) |
|
| سمير باسيلي ... سمير وليم باسيلي ـ أول جاسوس يجند أباه للموساد "عندما تخمد نبضات الحب صريعة الكبت .. والمعاناة .. والشجن، وتحترق الأعصاب فيرتجف الجسد رجفة الجوع... ينهار الجبان ويصير شبحاً بلا معالم.. فيسترخص الثمين بلا ندم .. وعندها ... فهو لا يتورع أن يبيع الجذور بدريهمات . ويهون عليه بيع الأهل .. والأبناء .. والوطن ... !!" السر العظيم عندما ورط إبراهيم شاهين زوجته انشراح وأولاده الثلاثة... ودفعهم بحماس للتجسس لصالح الموساد.. لم يكن دافعه الانتقام منهم. كذلك هبة سليم... التي جرجرت خطيبها المقدم فاروق الفقي للخيانة العظمى.. بالرغم من علمها أنه يحبها لدرجة الجنون.. لم يكن دافعها الانتقام منه. أما جاسوس الإسكندرية... السيد محمود... الذي احتال على شقيقه أمين المجند بالقوات المسلحة... وأغرقه في أموال الموساد... فهو أيضاً لم يكن يقصد الانتقام منه. لكن سمير وليم فريد باسيلي... كان يختلف كثيراً عن هؤلاء وغيرهم... إذ دفع بوالده – عن عمد – إلى وكر الجاسوسية ... للانتقام منه... وتشفياً به... وورطه في عمليات تجسس لحساب إسرائيل ... انتهت بمصير مهلك لكليهما. كيف حدث ذلك... ؟ علماء النفس تحيروا... ووقفوا عاجزين أمام أحداث القصة المؤسفة.. وفشلوا تماماً في تحليل شخصية الابن المجرم... كما فشلوا من قبل مع إبراهيم وانشراح ...الذين قال عنهما أستاذ علم النفس النمساوي "فردريش يوجان": "أعتقد أنهما مصابان بمرض "الجنون ذي الوجهين Folie a double forme "..وهو مجموعة أعراض إكلينيكية قوامها خفض نغمة المزاج الوقتي LOWERING OF MOOD – TONE وصعوبة التفكير الذي يغلفه القلق وتسلط الأفكار ... وتهيج بعض الأحزان والهموم ... ولأن حالة سمير باسيلي حالة فريدة من نوعها... خضعت للعديد من التحليلات النفسية ... وضعته في النهاية في مصاف المرضى .. وصنفه "يوجان" على أنه "الدوني السيكوباتي التكوين CONSTITUTIONAL PSYCHOPATHIC INFERIOR " ... والسيكوباتي هو دائماً في حالة توتر... لا يستفيد إلا قليلاً جداً بالخبرة أو العقاب... ولا يدين بأي ولاء حقيقي لأي مبدأ أو جماعة. فلنقرأ معاً تفاصيل قصة سقوط سمير باسيلي... ولا نتعجب لتحورات النفس البشرية وتقلباتها... فتلك قضية شائكة معقدة .. ذلك لأن النفس البشرية سر لا يعلمه إلا خالقها سبحانه وتعإلى. على مقهى برنسيس حصل سمير على الثانوية العامة بصعوبة شديدة عام 1960 وتوقف عن إكمال دراسته بأحد المعاهد. فالأب ... كان بخيلاً شديد البخل... شرس الطباع في معاملته لأبنائه... لا يترك قط مساحة ضئيلة من التفاهم تقربهم منه، وكره سمير في أبيه سلوكه فأدمن الخروج من المنزل والسهر مع أصحابه... ولم تنطفئ برغم ذلك حرائق الصدام مع والده. لذلك فكر في السفر إلى ألمانيا بعدما ضاقت به الحياة وعضه الجوع. وعندما عرض الأمر على أبيه لم يسلم من تهكمه وسخريته اللاذعة... وذكره بالفشل الذي أصبح سمة من سمات شخصيته.. رافضاً بشدة إمداده بنفقات السفر رغم توسط بعض أفراد الأسرة. استدان سمير من أصدقائه ووجد نفسه فجأة على مقعده بالطائرة في طريقه إلى ألمانيا، يتنفس الصعداء ويلعن الفقر... ويسب والده الذي حطم كل الآمال لديه فأشعره باحتقاره لنفسه.. ودونيته.. وبث بأعماقه شعوراً مخجلاً بالضعف والحقارة. لقد كان يبخل عليه بأبسط بوادر الحنان والأبوة... وحرمه الحب... فعاش معه مزوياً بلا هدف أو كيان. وأخذ سمير يجتر ذكرياته المرة مع والده البخيل .. الذي دأب على تسميم بدنه ليل نهار بالسباب والحط من شأنه... وتحريض أمه على طرده من المنزل كلما عاد متأخراً وحرمانه من العشاء والهدوء... مما أثار شجن الشاب الممزق.. وكثيراً ما كان يسأل نفسه أهو ابن شرعي لهذا الرجل أم لقيط وجدوه على الرصيف. تحركت به الطائرة على الممر.. وقبل أن ترتفع مقدمتها عن أرض المطار... أخرج سمير منديله وبصق على معاناته وآلامه وحظه، وكأنه يبصق على كل ما يذكره بأيامه الكئيبة. وظل يسرح طوال رحلته في خيال جميل أفاق منه على صراخ عجلات الطائرة وهي تنزلق على أرض مطار ميونيخ. وشرع من فوره في محاولة تحقيق الحلم... فاتصل بمعارفه هناك لمساعدته.. وسريعاً حصل على وظيفة معقولة بشركة سيمونز الشهيرة فعاش حياة رائعة لم يكن خياله يقوى على وصفها أو يتخيلها. مرت الأسابيع والشهور وفتانا منهمك في عمله لا يبغي سوى جمع المال... وبدأ رويداً رويداً في استطلاع الحياة الجديدة... التحرر الصاخب الذي يغش المجتمع من حوله... وساعده المال الذي ادخره على المغامرة... فانغمس في عالم آخر بعدما ضعف أمام إغراء المدينة الساحرة.. بحر هائج من اللذات لا ينتهي مد موجه أو يخمد.. أفرغ بين ضفتيه حياته السابقة لا يكاد يفيق من نشوته وسكرته إلا ويعود أكثر شراهة وطلباً. ضمن له مرتبه الكبير التكيف مع حياته الجديدة... ولأنه فقد هويته – أراد أن يرسم لنفسه هوية جديدة ابتدعها هو ... وهيأت له الظروف خطوطها لخدمة أحلامه وطموحاته. وتبلورت شخصيته الجديدة على مقهى برنسيس حيث الخمر والرقص والنساء. وذات مساء وكان الزحام على أشده جلس بجواره رجل أنيق ودار حديث بينهما وفهم سمير أن نديمه ينتظر صديقته التي جاءت تخطر كظبي رشيق نفر الجمود والوخم .. وصاح "هاتز مولار" ينادي على صديقته "جينفيف يارد" في ترحاب زائد .. وعرفها على سمير باسيلي الذي غاص في الذهول والمفاجأة. كانت أنوثتها الطاغية تقتل، وصدرها العاري ترتج لمرآة الخلايا، وسيقانها المرمرية المثيرة تُطيّر العقل. وعندما قامت للرقص معه .. حرقته نيران الجسد... وألهبته أنفاسها وهي ترسل تنهداً تسلل إلى عقله فأوقفه ودمر مقاومته.. وكانت يداها كالقيد تطوقان رقبته تماماً كالقيد الذي كبل به مصيره ومشواره المقبل. وعندما صحبها هانز وخرجا لم يستطع سمير صبراً.. فلاحقهما بسيل من الاتصالات التليفونية تعمدا ألا يردا عليها لبعض الوقت... إلى أن أوشك الشاب العاشق على الجنون... فدعاه "هانز" إلى شقته وجاءت "جين" كفتنة تتحرك فتتحرك معها الرغبات وتثور معلنة عن نفسها. ترك هانز الشقة إثر مكالمة تليفونية وتمنى سمير لحظتئذ لو منحها كل غال لديه للفوز بقطرة واحدة من شهد أنوثتها.. ولكن عندما أفاضت عليه بكئوس من النشوة خارت إرادته... وود لو لم يفق من سكرته إلى الأبد. وكانت خطة السقوط التي رسمتها الموساد أغرب من الغرابة... فبينما كان عارياً في الفراش المستعر قالت له جين وهي تمرر المنشفة على وجهه : أنت مصري رائع، أشعرتني بأن "للحب" مذاقات لذيذة أخرى. أجابها في ثقة: هذا ما تعلمته منكم. سألته في دلال: ألم تكن لديك صديقة في مصر؟ قطب حاجبيه وأجاب بسرعة: لا ... لا ... الجنس في مصر يمارس بشكل متحرر في الخيال... وفي السر فقط. والصداقة بين الجنسين لا تعرف الجنس ولكنها تضج بالكبت وتفوح منها أبخرة الرغبة. في نعومة زائدة سألته وهي تفرك أذنه: وماذا تقول عني أيها المصري الشقي؟ قال وهو يقبلها: أفردويت ابنة زيوس وهيرا التي ولدت من زبد الماء في بحر إيجه ، وهي الآن بأحضاني. ردت وهي تحتضنه في تدلل: لا تبالغ كثيراً!!. ضغطها بين ذراعيه متولهاً وهو يقول: أنت أروع فتاة عرفتها... ولن أتركك أبداً. تنهدت في حزن: للأسف يا سمير ... سأتركك مضطرة خلال أيام. لن أعيش وحيداً انتفض منزعجاً وهو يبعد وجهها عن صدره ليتأمله: جين ؟ ماذا تقولين؟ عندما عثرت عليك امتلكت الحياة وسأموت بدونك. عانقته وهي تقبله في حنان بالغ: فضلت أن أصارحك الآن قبل أن أغادر ميونيخ فجأة. تشبث بذراعيها فتألمت وقال: سأجيء معك حتى آخر الدنيا فلا دنيا لي سواك. مستحيل... تنهد في زفرة طويلة وأردف: ;سأثبت لك يا جين أن لا شيء مستحيل... وفي نعومة الحية قالت: أرجوك ... أنت لا تعرف شيئاً... فلا تضغط على أعصابي أكثر من ذلك. هزها بين أحضانه وهو يردد: أحبك لدرجة الجنون منذ رأيتك في البرنسيس يا أجمل برنسيس في الدنيا. أحبك أيها المصري الأسمر "قالتها وهي تداعب شعره في ابتسامة عريضة". مرت فترة صمت قبل أن يضيف: تركت مصر وعندما رأيتك أحسست أنك وطن آخر... نعم أنت الآن لي وطن وأهل وحياة ... ولن أتركك ترحلين فأغترب وأحترق. تبدلت نبرتها إلى نبرة حزن وهي تقول: ;أنا أيضاً أعيش معذبة بعدما مات والدي منذ سنوات. إن الوحدة تقتلني وترهقني معاناة القتامة، لذلك فأنا أموت كل ليلة من التفكير والقلق. وبي حاجة إلى صديق وحبيب يؤازرني. تساءل: أليس هانز صديقا؟ أجابت مفتعلة الصدق والألم: لا .. إنه رئيسي في العمل وفي ذات الوقت ملكه. إنني مثل سلعة تافهة يروجونها مجاناً. تجهم وجهه وقطب حاجبيه وهو يسألها: من ؟ من هؤلاء الذين تقصدين؟ تلتصق به كالخائف الذي يلوذ بمن يحميه.. ... ... ... ... ... ... ... ... ؟ في لهجة جادة يعاود سؤالها: أجيبيني من فضلك جين .. تزداد جين التصاقاً به ويرتعش جسدها بين يديه وتهمس بصوت متهدج: لا أستطيع ... لا أستطيع ... مستحيل أن تثق بي بعد ذلك. في إلحاح مشوب بالعطف: ;أرجوك جين .. أنا أحبك ولن أتركك أبداً... من هؤلاء الذين تعملين معهم؟ ركزت نظراتها على عينيه موحية له بالأسف: الموساد .. موساد ؟ !! ردد الاسم ويبدو أنه لم يفهم... إذ اعتقد أنهم جماعة من جماعات الهيبز التي كانت قد بدأت تنتشر في أوروبا وتطوف بالميادين هناك والشوارع. نعم الموساد .. ألا تعرف الموساد؟ نظرت في عينيه بعمق تستقرئ ما طرأ على فكره .. واقتربت بشفتيها منه وأذاقته رحيق قبلة ملتهبة أنهتها فجأة وقالت له: إنها المخابرات الإسرائيلية. وأكملت مص شفتيه لتستشف من حرارته رد فعله. ولما رأت جين أن حرارة تجاوبه لم تفتر بل إن امتزاج الشفاه كان على أشده.. تعمدت ألا تحاول استقراء أفكاره، وهيأت رائعات اللذائذ، وأسبغت عليه أوصاف الفحولة والرجولة فأنسته اسمه ووطنه الذي هجره.. والذي خط بالقلم أول مواثيق خيانته. وبعد أن هدأت ثورة التدفق قالت له بخبث: هل ستتركني أرحل؟ بيدك أن أظل بجانبك أو أعود إلى تل أبيب. أجاب كالمنوم: بيدي أنا.. ؟ كيف ؟ لا أفهم شيئاً.. عانقته في ود مصطنع وبكت في براعة وهي تقول: لقد كلفوني بالتعرف على الشباب العربي الوافد إلى ميونيخ، خاصة المصريين منهم وكتابة تقارير عما أعرفه من خلال حوارنا في السياسة والاقتصاد .. لكنني فشلت فشلاً ذريعاً بسبب اللغة. فالمصري أولاً ضعيف في الإنكليزية لأنه يهتم بالدويتش، وهم أمهلوني لمدة قصيرة وعلى ذلك لا مكان لي هنا. وكان الأمر ثانوياً بالنسبة له: ماذا بيدي لأقدمه لك؟ بتوسل شديد يغمسه الحنان قالت: تترجم لي بعض التقارير الاقتصادية من الصحف المصرية والعربية وليس هذا بأمر صعب عليك. أفاق قليلاً وقال: وهل المخابرات الإسرائيلية تجهل ما بصحفنا لكي أقوم بالترجمة لها؟ أجابت في رقة: يا حبيبي أريد فقط أن أؤكد لهم أنني ألتقي بمصريين وأقوم بعملي معهم.. ولا يهمني إن كانوا يترجمون صحفكم أو لا يترجمونها. أريد أن أظل بجانبك هنا في ميونيخ... وطال الحوار بينهما وعندما خافت جين من الفشل في تجنيده.. أجهشت بالبكاء وهي تردد: لا حظ لي في الحب... ويبدو أن صقيع الحياة سيظل يلازمني الى الأبد. أخذتها نوبة بكاء هستيرية وهي تنعي حظها في الحب وافتقادها للدفء والحبيب... فما كان منه إلا أنه جذبها الى صدره بقوة وهو يقول: ;مهما كنت ... لن أتركك ترحلين. وأمام رغبته الجامحة وخدعة المشاعر... أسلم مصيره لها تفعل به ما تشاء... فجاءته بأوراق وكتب بخطه سيرة حياته... ومعلومات عن معارفه وأقاربه ووظائفهم وعناوينهم في مصر. وطلبت منه بتدلل أن يمدها بأخبار مصر من خلال المصريين الوافدين إلى ميونيخ. فلم يعترض بل كان شرطه الوحيد أن تظل بجانبه. هكذا سقط سمير في براثن الموساد. وبعد أن غرق لأذنيه في مهامه التجسسية واستسهل المال الحرام... تركته جين لتبحث عن غيره... وانشغل هو باصطياد المصريين والتقاط الأخبار... وقبع في مطار ميونيخ ينتظر الطائرات القادمة من مصر عارضاً خدماته على الوافدين للمرة الأولى.. الذين يسعدون بوجود مصري مثلهم يرافقهم إلى حيث جاءوا ... ويقوم بتسهيل أعمالهم في المدينة. أشهر قليلة ... واستطاع أن يقيم شبكة واسعة من العلاقات... خاصة مع بعض موظفي مصر للطيران وبعض المضيفين والمضيفات... ويعود إلى مسكنه في المساء ليكتب تقريره اليومي المفصل ... الذي يتسلمه منه مندوب من الموساد كل صباح... ويقبض آلاف الماركات مكافأة له. الطماع والمغامر وبعد أن استقرت أموره المالية كثيراً عرف أبوه طريقه.. فزاره في ميونيخ عدة مرات زاعماً أن المشاكل الاقتصادية في مصر تضخمت... وأنه يطلب مساعدته في الإنفاق على أسرته. كان سمير يتلذذ كثيراً بتوسلات والده. بل يرسل في طلبه خصيصاً ليستمع إلى كلمات الرجاء تتردد على لسانه... وليرى نظرات التودد تملأ وجهه. وتضخم الإحساس بالشماتة عند الابن تجاه أبيه حتى وصل إلى درجة الانتقام.. وكان الانتقام بشعاً ويفوق كثيراً حجم الترسبات التي قبعت برأس الابن تجاه أبيه. لقد دبر سمير كميناً محكماً لأبيه أوقعه في شراكه عندما صحبه إلى مكتب هانز مولار ضابط المخابرات الإسرائيلية في ميونيخ... والذي يبدو في ظاهره مكتباً للمقاولات. ولأن وليم فريد باسيلي يعشق النقود .. أوضح له هانز أنه سبب الرفاهية التي يعيش فيها ابنه سمير. وأنه على استعداد أيضاً لبدء علاقة عمل بينهما وتأسيس شركة تجارية كبرى في القاهرة تدر عليهما ربحاً وفيراً... عندها . تخيل وليم شركته الجديدة والأموال التي ستغدق عليه... تخيل أيضاً مقعده الوثير ومكتبه الفخم وسكرتيرته الجميلة وسيارته الحديثة.. وسافر بخياله يجوب شوارع القاهرة يختار موقع المكتب. فأيقظه هانز قائلاً إنه بحاجة إلى معلومات اقتصادية عن السوق المصرية... يستطيع من خلالها أن يحدد خطوطاً عريضة لنشاط الشركة. ولبى وليم الدعوة وجلس عدة ساعات يكتب تقريراً مفصلاً عن احتياجات السوق، وأحوال الاقتصاد في مصر. دهش هانز لدقة المعلومات التي سردها وليم ومنحه فوراً 1000 مارك، ووعده بمبلغ أكبر مقابل كل تقرير يرسله من القاهرة. نشط الجاسوس الجديد في كتابة التقارير وإرسالها إلى ألمانيا وفي الزيارة التالية لميونيخ فوجئ وليم بثورة هانز بسبب سطحية تقاريره المرسلة إليه. وقال له إن المكتب الرئيسي على استعداد لدفع خمسة آلاف مارك للتقارير المهمة وأنه على استعداد لتدريبه على كيفية جمع المعلومات وكتابتها بعد تصنيفها. وعندما سأله وليم عن المكتب الرئيسي أجابه بأنه في تل أبيب، وهو مكتب مختص بالشؤون الاقتصادية في دول العالم الثالث. ارتبك وليم فناوله هانز خمسة آلاف مارك في مظروف مغلق قائلاً إنه هدية من إسرائيل من أجل التعاون المخلص. أما التقارير فلها مقابل أيضاً... وتسلم وليم خمسة آلاف أخرى فانكمش في مقعهده بعدما أدرك حقيقة موقفه ووضعه. طمأنه هانز بأن علاقتهما لن تكشفها المخابرات المصرية، لأن هذه التقارير ليست مادة سرية فهي موجودة في الصحف القاهرية. وشيئاً فشيئاً... تطورت العلاقة بين هانز ووليم إلى علاقة بين ضابط مخابرات وجاسوس خائن، تحددت بدورات تدريبية خاضها الأب على يد ضباط فنيين، وانتفخت جيوبه بآلاف من الماركات بعدما كثرت تقاريره التي كان يجيد كتابتها بعد تحليلها... وتعمده مصادقة ضباط القوات المسلحة والعسكريين المسرحين من المحيطين به. وفي كل زيارة لميونيخ كان هانز يحذره من قراءة قضايا التجسس في الصحف المصرية حتى لا يرتبك ويقع في قبضة المخابرات المصرية التي لا ترحم الخونة. وطمأنه على أسلوب عملهم الذي لا تستطيع المخابرات العربية كشفه. وحتى وإن حدث... فهم سيتولون رعاية أبنائه والإنفاق عليهم من بعده "وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل تتنصل من الخونة بعد سقوطهم وأنها تأخذ فقط وتمنح قبل السقوط" . أما الابن سمير ... فقد اتسعت دائرة نشاطه في التعرف على المصريين الوافدين وتصيد الأخبار منهم من خلال الدردشة العادية.. وهؤلاء الذين فشلوا في الحصول على عمل... وشرع بالفعل في تجنيد ثلاثة من المصريين. استطاعوا الرجوع إلى مصر وأخبروا جهاز المخابرات المصرية بتصرفات سمير .. ودوره في محاولات الإيقاع بهم لصالح المخابرات الإسرائيلية.. بواسطة فتيات جميلات يجدن استعمال لغة الجسد. لقد جاءت البلاغات الثلاثة في فترة قصيرة ومن أشخاص لا يعرفون بعضهم، وكانت خطة المخابرات المصرية لاصطياد سمير وأبيه محسوبة بدقة بالغة ... وإحكام. الحكم العادل كان وليم قد افتتح مكتباً كبيراً للمقاولات في القاهرة استطاع من خلاله أن يمارس عمله في التجسس ... وجعل منه مقراً للقاءاته بالأشخاص الذين يستمد منهم معلوماته.. خاصة من العسكريين الذين أنهوا خدمتهم . حيث إنهم في الغالب يتفاخرون دائماً بدورهم وبعملهم السابق بصراحة مطلقة... أمام الأشخاص الذين يبدون انبهاراً بما يقولونه ويسردونه من أسرار عسكرية وتفاصيل دقيقة. وفي أحد الأيام ... فوجئ وليم برجل ثري عائد من الخليج.. يريد الاستفسار عن إمكانية فتح مشاريع استثمارية وعمرانية كبيرة. كان الرجل قد أمضى في الخليج سنوات طويلة ويجهل حاجة السوق المصرية للمشروعات... وتباهى وليم في سرد خبراته مستعيناً بإحصائيات تؤكد صدق حديثه.. واستطاع إقناع المصري الثري بقدرته على اكتشاف حاجات السوق وإدارة المشاريع. وبدا أن الرجل قد استشعر ذلك بالفعل إلا أن حجم ثروته ورغبته في عمل مشاريع عملاقة... استدعى من وليم الاستعانة بخبرة سمير فكتب له يطلب مجيئه وألح عليه في ذلك... وجاءه الرد من ابنه يخبره بميعاد قدومه. وما هي إلا أيام حتى جاء الابن إلى القاهرة.. بصحبته شاب ألماني وصديقته أرادا التعرف على الآثار الفرعونية ... فصحبهما سمير إلى الأقصر حيث نزلوا بفندق سافوي الشهير على النيل .. ثم مكثوا يومين في أسوان وعادوا إلى القاهرة. كان سمير طوال رحلته مع صديقيه يقوم باستعمال كاميرا حديثة ذات عدسة زووم في تصوير المصانع والمنشآت العسكرية طوال رحلة الذهاب والعودة... وفي محطة باب الحديد حيث الزحام وامتزاج البشر من جميع الجنسيات ... وقف سمير امام كشك الصحف واشترى عدة جرائد. وبعدما هموا بالانصراف... استوقفه شاب انيق يرتدي نظارة سوداء برفقته أربعة آخرين وطلب منه أن يسير بجانبه في هدوء. ارتسمت على وجه سمير علامات الرعب .. وحاول أن يغلفها ببعض علامات الدهشة والاستفهام لكنه كان بالفعل يرتجف. اعتذر الرجل الأنيق للضيف الألماني وصديقته... وودعهما سمير بلطف ومشى باتجاه البوابة إلى ميدان رمسيس يجر ساقيه جراً محاولاً أن يتماسك... لكن هيهات فالموقف صعب وعسير. وعندما دلف إلى داخل السيارة سأله الرجل الأنيق ذو النظارة: أتريد أن تعرف إلى أين تذهب؟ أجاب بصوت مخنوق: ;أعرف !! وعندما فكر في مصيره المحتوم ... أجهش بالبكاء... ثم أغمى عليه بعدما تملكه الرعب وأصابه الهلع... وحملوه منهاراً إلى مبنى المخابرات العامة ليجد والده هناك... نظراته أكثر هلعاً وصراخه لا يتوقف وهو يردد: سمير هو السبب !! واكتشف وليم أن الثري القادم من الخليج ما هو إلا ضابط مخابرات ... واكتشف أيضاً أن تقاريره التي كان يرسلها إلى الخارج تملأ ملفاً كبيراً. ولم يستغرق الأمر كثيراً. فالأدلة دامغة والاعتراف صريح. وكان الحكم في مايو 1971 عادلاً لكليهما. الإعدام للإبن و15 عاماً أشغال شاقة للأب... وعار أبدي للأسرة حتى الجيل المائة .. وكانت النهاية الطبيعية لكل خائن باع ا لنفس والوطن. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 18 (permalink) |
|
| خميس بيومي ـ العميل اللبناني الخطير عندما تريد أجهزة المخابرات أن "تصنع" عميلاً متخصصاً في الاغتيالات والتخريب، فهي تنزع من قلبه خلايا الحب والشفقة والندم، وتزرع مكانها الغلظة والقسوة والجفاف. إلا أن نداء الطبيعة يظل يقاوم التطبع، فتنمو لدى بعض العملاء خلايا الحب وتتشكل من جديد، وحينما ينضج ذلك الإحساس الرائع المنزوع قسراً، يكون العميل تحت تأثيرث هشاً، ضعيفاً... لا يملك زمام أموره. حينئذ ... إما أن يعترف لحبيبته نادماً، أو قد يستسلم لتفاعلات صراعاته فينتحر. إنه صراع آخر بين الضلوع ... صراع مرير ... لا يحسه إلا الخونة والجواسيس... جواسيس بلا قلب عرفنا كيف اتبعت الموساد شتى الأساليب لاقتفاء حركات المقاومة الفلسطينية، وقتلها في المهد، كذلك شرحنا بالتفصيل كيفية عمل الجاسوس المنفرد، وأخيراً نظام الشبكات التي يوجهها خبراء محترفون في الموساد. وفي هذه القصة نتطرق معاً لملف آخر أكثر سخونة، وشديد الخطورة ... لعمليات الموساد القذرة في لبنان، وهو ما يعرف بشبكات "التخري – destruction" التي ينحصر نشاطها في بث الشقاق والعداوة، وزعزعة الاستقرار الداخلي بإشعال الفتن والضغائن بين العشائر. وشبكات التخريب عمل مخابراتي مهم، نما وتعملق في القرن العشرين مع تطور استخدام المتفجرات، وبروز التنافس بين الأمم والإمبراطوريات. إنها شبكات خاصة جداً تظهر وتختفي وفقاً للمصالح والظروف السياسية، يقوم على إدارتها وتوجيهها نخبة من الخبراء على أعلى درجات الكفاءة والخبرة والذكاء ، تعمل بمباركة القيادة العليا – عسكرية أو سياسية – وتخضع لها مباشرة. ولأن المهمة جد خطية، فجاسوس شبكات التخريب ينتقي بعناية فائقة... وفق شروط صعبة معقدة .. حيث يتم إخضاعه لدورات تدريبية أشد تعقيداً عن تلك التي ينالها الجاسوس المكلف بجلب الأخبار .. فهو "يغسل" تماماً لتنسلخ عنه مشاعر الانسانية .. وتخنق فيه عواطفه الفطرية .. وتجز إرادته فيتحول بعد "غسله" إلى "روبوت" بلا قلب، يتحرك الوحش الكامن فيه بالأمر، ويسكن بداخله بالأمر. لذا، فالسيطرة عليه تحتاج إلى عقل خارق لتطويعه، وتغييب طبيعته، فالجاسوس قبل أي شيء بشر، يقسو ويحنو، ويتألم ضميره أحياناً، أو قد يصحو محاولاً التمرد على وحشيته، لكن، هذا لا يحدث كثيراً. معنى ذلك أن هناك حالات حدثت، بالطبع هي حالات استثنائية جداً ونادرة، ولأنها كذلك، فهي مثار تحليلات ودراسات مطولة يعكف عليها المحللون. وقد ظهر رأي يقول بأن أجهزة المخابرات عندما تريد أن "تصنع" عميلاً متخصصاً في الاغتيالات والتخريب، تنزع خلايا الحب والشفقة والندم من قلبه، وتزرع مكانها الغلظة والقسوة والجفاف، إلا أن نداء الطبيعة يظل يقاوم التطبع فتنمو لدى بعض العملاء خلايا الحب وتتشكل من جديد. وحينما ينضج هذا الإحساس الرائع – المنزوع قسراً – معلناً عن نفسه صراحة وبعنف، يكون الجاسوس تحت تأثيره هشاً، ضعيفاً، معرضاً لإفشاء سره، أو قد يستسلم تماماً لتفاعلات صراعاته، فينتحر. !! إن ملفات المخابرات والجاسوسية تحفظ لنا قصصاً عجيبة لا يصدقها عقل، تصف معاناة بعض هؤلاء القتلة الذين وهنوا وصرعهم التوتر والخوف والندم، فعاشوا أسوأ لحظات حياتهم إلى أن كتبوا نهاياتهم بأيديهم. وتذكرني الآن قصة "بوجداني ستاسنسكي" رجل الاغتيالات الأول في جهاز المخابرات السوفييتية – الذي علموه في أكاديمية الجواسيس بموسكو كيف يكون آلة تسمع فتطيع، فلم يكن ليشعر قط بالأسف أو الندم، بعدما يقتل معارضي دولته بالسم الزعاف، حتى أنه كان ينام هادئاً دون أن تطارده أشباح ضحاياه، وانقضت سنوات وسنوات ويداه تقطر منهما دماء الأبرياء،إلى أن تجف فجأة أمام دفقة الحب الأول في حياته، فتملكه ندم شديد، وبكى كطفل على صدر حبيبته الألمانية وهو يفشي لها بسره ومعاناته، واختفيا عن الأنظار منذ عام 1965، حيث لم يظهر لهما أثر حتى اليوم. لقد تفوقت المخابرات السوفييتية عن سائر أجهزة المخابرات في هذا المجال، واحتفظت بالصدارة دائماً منذ بداية القرن الماضي وتليها المخابرات البريطانية فالفرنسية، إلى أن ظهر الجستابو الرهيب في ألمانيا ... وأخيراً كانت المخابرات الأمريكية فالسافاك الإيراني .. لكن على حين فجأة ظهرت المخابرات الإسرائيلية، فتفوقت على جميع الأجهزة واحتلت رأس القائمة ولا زالت، واشتهرت بعبقريتها الفذة في ابتكار أعجب الوسائل الإجرامية في الإرهاب والمذابح والتصفيات الجسدية والتفجيرات. للدرجة التي دعت العديد من الدول الأجنبية للاستعانة بخبراتها في هذا المجال. فمنذ قامت المنظمات الإرهابية في فلسطين، توسلت العنف الدموي مع المدنيين العزل، واستعانت بعلم نفس الإجرام في التعامل معهم لقمع إرادتهم وإصابتهم بما يشبه الذهول المصحوب برجفات الرعب، والهلع. بين الشرق والمغرب في عام 1965 عقد مؤتمر القمة العربي في القاهرة، الذي تقرر فيه تحويل روافد نهر الأردن، وبحثت فيه الإجراءات العسكرية الواجب اتخاذها من أجل مواجهة أي رد فعل إسرائيلي ضد عمليات التحويل ... فقدمت القيادة العربية المشتركة خطة موحدة ... تشرح الإمكانيات العسكرية التي يجب أن تتوافر لدى كل دولة من الدول العربية المتاخمة لإسرائيل، حتى إذالا ما وقع أي هجوم إسرائيلي يتصدى له رد جماعي عربي. كان نصيب لبنان من هذه الخطة سرباً من الطائرات، وراداراً... على اعتبار أنه يملك مناطق استراتيجية عسكرية مهمة على رؤوس قمم الجبال. وخوفاً من وقوع هجوم على لبنان يدمر طائراته وراداره، تقرر إعطاؤه أيضاً بطاريات صواريخ أرض / جو . وبعد أن وزعت الخطة انتقل البحث إلى التكاليف ... وتحديد الجهات العربية التي ستتولى التمويل. ولأسباب سياسية رفض لبنان شراء الأسلحة السوفييتية .. وطالب بإعطائه الثمن على أساس سعر السلاح السوفييتي ليشتري السلاح من فرنسا. وبالفعل، سارت الأمور بعد ذلك بشكل طبيعي، وبدأ لبنان مفاوضاته مع فرنسا لشراء الميراج والرادار وصواريخ الكروتال، إلى أن وقعت حرب 1967 فانقلبت كل المقاييس... وتبدلت الظروف... فألغيت القيادة العربية الموحدة من جهة، ومن جهة أخرى نسف مشروع تمويل الروافد بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية، وبالتالي، تخلت الدول العربية عن التزاماتها بدفع ثمن السلاح اللبناني. ذلك أنه بعد تبدل الظروف عقب النكسة، وتبدل الاستراتيجية العسكرية العربية، بدأ التفكير اللبناني يتجه بالتشاور مع الدول العربية نحو إبدال السلاح الفرنسي بآخر سوفييتي يتوافق مع ظروف مرحلة ما بعد يونيو 1967، ومع أوضاع لبنان وظروفه، بحيث تكون لديه صواريخ نقالة وغير ثابتة تكون عرضة لعمليات نسف إسرائيلية. وقوبل هذا التبدل في السياسة والتسليح بغضب أمريكي ... فقد رفض سيسكو مساعد وزير الخارجية الأمريكية مقابلة السفير اللبناني ثلاث مرات، ودفع الدكتور إلياس سابا وزير الدفاع الوطني اللبناني ثمن مغامرته بشراء أسلحة سوفييتية بأن أبعد عن منصبه. وخلال عامي 1971، 1972، عاش لبنان مأساة خلافه مع الفلسطينيين، ووقعت حوادث مايو 1973 وتدهورت علاقاته مع الدول العربية، لكن هذه السياسة ما لبثت أن تبدلت بعد ذلك، وتساقطت نظرية الاعتماد على الحماية الأمريكية، وعاد لبنان بعد حرب أكتوبر إلى اعتماد سياسته الأولى وهي سياسة الانفتاح على العرب، وعلى المقاومة الفلسطينية، واعتبار ما يتعرض له لبنان إنما هو قدره، وأن لابد من التنسيق مع العرب والمقاومة للذود عن أجوائه وسيادته. وتجلت هذه السياسة الجديدة بذهاب الرئيس سليمان فرنجية إلى الأمم المتحدة ليقول كلمة العرب في القضية الفلسطينية، وتجلت أكثر بتخلي لبنان عن فكرة إخلاء المخيمات الفلسطينية من الأسلحة الثقيلة، وساد شعور ضمني بأن هذا السلام في المخيمات هو قوة للبنان، واللبنانيين. لم تقف إسرائيل ساكنة أمام تلك التبدلات، فقد استشعرت بأن لبنان بدأ يسير بخطى ثابتة للانتقال من مرحلة الدولة "المساندة" إلى مرحلة الدولة "المواجهة"، وبالتالي فإن هذا يسقط اتفاقية الهدنة التي وقعت بينهما عام 1949، وهذا التحول على أهميته البالغة جاء صريحاً في كلمة فيليب تقلا وزير الخارجية اللبناني أمام لجنتي الدفاع والخارجية بالبرلمان، حيث أكد على ضرورة أن يتسلح لبنان ويدافع ، ويحارب، إذ لم يعد له خيار سوى ذلك، لأن لإسرائيل أطماعها في لبنان سواء أكانت هناك مقاومة فلسطينية أو لم تكن. السفير الأمريكي المذلول وبينما خطوط السياسة اللبنانية الجديدة تتشكل .. كانت إسرائيل تراقب في قلق وحذر، فمعنى أن يلجأ لبنان إلى "الشرق" تلاحماً مع دول المواجهة أن تفتح جبهة عربية خامسة ضد إسرائيل، تضطرها إلى تغيير استراتيجيتها العسكرية كلها، ويحل بذلك السخط الإسرائيلي والأمريكي على لبنان. لقد كان الرئيس اللبناني سليمان فرنجية يعلم جيداً أن أسلحة جيشه قديمة ومهترئة، يعود عهد صناعتها إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية... (!!) .. ويعلم ايضاً ان لا قبل للبنان بمحاربة إسرائيل، أو مواجهتها، أو صد هجماتها الاستعراضية. كان لا يزال يذكر ما قاله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لمسؤول لبناني كبير، طلب منه احترام وضع لبنان الخاص... وإبقائه خارج دائرة الصراع العربي الإسرائيلي. لقد استرسل عبد الناصر في عرض وجهة نظره وأجاب: " لا أريد أن أسأل إلى متى يستطيع لبنان أن يتحمل عبء هذا الوضع الخاص. ؟ في مؤتمر الاسكندرية طلبتم مني أن أساند موقفكم يوم هاجمكم الرئيس العراقي عبد السلام عارف... واتهمكم بأنكم تعيشون تحت حماية المظلة الدولية... ولقد نجحت في عزلكم عن التزامات الدافع بحجة العودة إلى برلمانكم. لقد دفعت مصر كثيراً ثمن الالتزام بالمادة الأولى من الدستور ... والتي تقول بأن مصر جزء من الأمة العربية. والدستور اللبناني يقول "لبنان ذو وجه عربي"، والالتزام بشعارات هذه العبارة لا يعني أن لبنان عربي في السلم، وعربي أثناء المطالبة بودائع البترول، وعربي لتأمين الخدمات التجارية والسياحية والسوق الحر، بل هو عربي أيضاً في أوقات الحرب". مقولة عبد الناصر تلك كانت تهز فرنجية من أعماقه، لذلك، دفع بلبنان للحضن العربي بكل قوته، متحدياً التهديدات الغربية بخنقه اقتصادياً، بل ومتحدياً مطالبة الأمريكيين له بعدم الاتجاه "شرقاً" وإلا فسيطلقون عليه وحش إسرائيل وثعابينها. وفي أول رد فعل له، ثأر فرنجية لسفيره بأمريكا الذي أهانه سيسكو "مساعد" وزير الخارجية ثلاث مرات، ورفض هو الآخر مقابلة السفير الأمريكي "جودلي" مرات ومرات، برغم أنه يحمل رسالة هامة من الرئيس جيرالد فورد، يعرض فيها رغبته في زيارة لبنان، فأذل بذلك السفير الأمريكي، وأوقع فورد في حرج دولي بالغ، بل وحطم العنجهية الأمريكية التي احتلت بورتوريكو مائة سنة لأن ضابطاً من البحرية الأمريكية قد ضُرب في الشارع هناك. لكل ذلك، أعطت أمريكا الضوء الأخضر لإسرائيل لتعربد في لبنان، وتضرب النبطية ضربات مستمرة متلاحقة، ويتسع نطاق ضرباتها لتشمل مخيمات اللاجئين حتى في بيروت نفسها. وبدأ دور المخابرات الإسرائيلية في عرقلة التبدلات اللبنانية، وقطع خطوط التوافق والتمازج بين لبنان والعرب، مستغلة أزمة إحراج الرئيس الأمريكي ومذلة سفيره باللجوء لأسلوب شبكات "التخريب" حيث رأت أنه الحل الأسرع، والأصوب، والأسهل، ذلك لأنها جربته كثيراً، ونجحت، ولها عشرات السوابق في ذلك أهمها فضيحة "لافون" في مصر، وفضيحة تهديد وقتل علماء الصواريخ الألمان في مصر أيضاً. وكان أن جندت اللبناني خميس أحمد بيومي – 34 عاماً – ودربته على أن يكون جاسوساً بلا قلب، منزوع المشاعر وحشياً في إجرامه، لتنفيذ سياستها التخريبية في لبنان والضرب بلا رحمة في الصميم. ضد لبنان نفسه بالقرب من جامع الزعتري على المدخل الشمالي لمدينة صيدا، ارتفعت البنايات الرائعة التي تقع على البحر مباشرة بطريق بوليفار، المتفرع من الطريق السريع صيدا – بيروت. بإحدى هذه البنايات ولد خميس بيومي لأسرة ميسورة جداً كثيرة العدد، فوالده مقاول كبير يملك مكتباً فخماً يموج بعشرات الإداريين. وفي محيط هذا الثراء عاش خميس مدللاً، مرفهاً ، منعماً، لا يعلم من أمر الدنيا سوى اللهو والسهر في حانات بيروت ومواخير صيدا برفقة من يماثلونه ثراء، وخواء، فنزف عمره بحثاً عن المتعة ومطاردة الحسان، متجاهلاً نصائح والده الذي فشل في الاعتماد عليه في إدارة أعماله، فتركه لحاله يائساً، غاضباً، على أمل أن يوماً سيأتي ويفيق الى نفسه. لكن أمله لم يتحقق في حياته، إذ مات فجأة في حادث سيارة، وانخسفت الأرض بأسرته لما تبين لها أنه مدين بمبالغ طائلة للبنوك، وأفاق المُغيّب على واقعه المؤلم وقد صفعته الصدمة وزلزلته الكارثة، خاصة وقد تهرب منه أصقداء الطيش وليالي النزق. هكذا وجد نفسه العائل الوحيد لأمه ولإخوته الستة، وكان عليه، وهو الخاوي، أن ينبذ ماضيه ليعبر بهم خضم الفقر، والعوز، والمعاناة. فعمل كأخصائي للعلاج الطبيعي بأحد مراكز تأهيل المعوقين بصيدا، وبعد مرور أربعة سنوات في العمل، اكتشف أنه كثور يجر صخرة يصعد بها الى الجبل، وفي منتصف المسافة تنزلق الصخرة، فيعاود الكرة من جديد دون أن يجني سوى الشقاء. لذلك كره نفسه وكره واقعه، وفكر بالهجرة الى كندا وبذل جهداً مضنياً لكن محاولاته فشلت، فخيمت عليه سحابات الغضب واليأس، وانقلب الى إنسان قائط، عصبي، عدواني، مكروه في محيط عمله. كانت كل هي حاله، الى أن سقط وهو في قمة ضعفه في مصيدة الموساد بلا مقاومة، وكانت قصة سقوطه سهلة للغاية، وجاءت بدون ترتيب أو تخطيط طويل. فذات صباح التقى بسيدة أرمينية مسنة، جاءت لتسأله عن إمكانية عمل علاج طبيعي لابنتها المعاقة بالمنزل، وأعطته العنوان لكي يزورها بعدما أطلعته على التقارير الصحية التي تشخص حالتها. قرأ خميس في حديثها وملبسها علامات الثراء، فزار منزلها حيث كانت ترقد "جريس" بلا حركة، طفلة في التاسعة من عمرها بعينيها شعاعات الأسى والبراءة. لعدة أسابيع ... داوم على زيارتها للعلاج الى أن تصادف والتقى بخالها "كوبليان" تاجر المجوهرات ببيروت، فتجاذبا معاً أطراف الحديث، وقص خميس حكايته مع الثراء وليالي بيروت، وصراعه المرير مع الفقر لينفق على أسرته، وسأله كوبليان سؤالاً واحداً محدداً، عن مدى قدرته الإقدام على عمل صعب، بمقابل مادي كبير، فأكد خميس استعداده لعمل أي شيء في سبيل المال. سافر كوبليان الى بيروت وقد خلف وراءه صيداً سهلاً، ضعيفاً، يأكله قلق انتظار استدعائه... وما هي إلا أيام حتى فوجئ كوبليان بخميس جاء يسعى اليه في بيروت، يرجوه أن يمنحه الفرصة ليؤكد إخلاصه، فهو قد ضاق ذرعاً بالديون والحرمان ومتاعب الحياة. رحب به عميل الموساد واحتفى به على طريقته، فقد أراد الشاب الحانق أن يجدد ذكرياته في حانات بيروت، ولم يكن الأمر سهلاً بالطبع فسرعان ما انجذب خميس لماضيه، وترسخت لديه فكرة العمل مع كوبليان كي لا يحرم من متع افتقدها. كانت آلاف الليرات التي تنفق عليه في البارات دافعاً لأن تزيد من ضعفه وهشاشته، ونتيجة لحرمانه، ورغبته، لم يعارض مضيفه فيما عرضه عليه، وكان المطلوب منه حسب ما قاله، تهديد المصالح الأمريكية لموقفها مع إسرائيل ضد لبنان، وضدالعرب، ولما أنقده خمسة آلاف ليرة – دفعة أولى – قال له خميس إنه مع النقود ولو كان ضد لبنان نفسه. ترويض القتلة في إحدى الشقق ببيروت، أقام خميس أحمد بيومي ينفق من أموال الموساد على ملذاته، وتعهد به ضابط مخابرات إسرائيلي ينتحل شخصية رجل أعمال برتغالي اسمه "روبرتو"، يجيد التحدث بالعربية، فدربه على كيفية تفخيخ المتفجرات وضبط ميقاتها، وكذلك التفجير عن بعد، وأساليب التخفي والتمويه وعدم إثارة الشبهات. كانت عملية إعداد العبوات الناسفة من مادة t.n.t شديدة الانفجار صعبة ومعقدة، تستلزم تدريباً طويلاً، خاصة وخميس لم يسبق له الالتحاق بالجيش، ولا يملك أية خبرات عسكرية تختصر دروس التدريب. وفي أولى عملياته التخريبية، صدرت اليه الأوامر بتفجير السفارة العراقية ببيروت. سكت خميس ولم يعلق، فقد تحسس جيبه المتخم بالنقود، وحمل حقيبة المتفجرات بعدما ضبط ميقاتها، وتوجه الى مبنى السفارة في هدوء وثقة، وغافل الجميع عندما خرج من المبنى بدون حقيبته التي تركها بالصالة الرئيسية خلف فازة ضخمة، ووقف عن بعد ينتظر اللحظة الحاسمة. نصف الساعة وملأ الحي دوي الانفجار، وقتل تسعة بينهم خمسة لبنانيين ، ولاهثاً خائفاً عاد الى شقته، ولحق به روبرتو ليجده على هذا الحال، فيصفعه بعنف قائلاً انه يعرض نفسه بذلك للخطر. وقف خميس مكانه ساكناً شاحباً، بينما تنهال عليه كلمات اللوم والتقريع والسباب، ومعنى سكونه ما هو إلا خضوع والشعور بندم، فالسيطرة عليه كانت مطلوبة عنفاً وليناً، ترهيباً وترغيباً، منحاً ومنعاً،فتلك أمور يجيدها خبراء السيطرة والالتفاف في أجهزة المخابرات، وهم أدرى الناس بكيفية التعامل مع الخونة والجواسيس. ذلك أنهم يخضعون تصرفاتهم وردود أفعالهم وفقاً لنظريات علمية مدروسة ومحسوبة بدقة، وليس لمجرد هوى في النفس .. فترويض الخونة في شبكات التخريب أمر بالغ التعقيد والصعوبة بمكان ... !! وعندما أذاع التليفزيون حادث التفجير، وملأت صور الضحايا والمصابين الشاشة، كان روبرتو يرقب خميس عن قرب، ويدرس تفاعلاته وانفعالاته، وكانت المسألة مجرد تدريب على وأد مشاعره، وقتل أية محاولة للرفض، أو التمرد، أو الندم. كانت إسرائيل تقصد من تفجير السفارة العراقية ببيروت إشعال الشقاق بين الدولتين، وتأجيج الخلاف بينهما، فالعراق كان يسعى وبشدة لتقوية أواصر العلاقة بين لبنان، والاتحاد السوفييتي، ويويد لبنان في خطواتها نحو الاتجاه الى "الشرق"، وكانت إسرائيل تقصد أيضاً توجيه الاتهام الى المقاومة، مما يفقدها التأييد اللبناني والمساندة. ونظراً لظروفه السيئة... أغدقت الأموال على خميس بيومي فكفر بعروبته، وتحول بعد مدة ليست بالطويلة الى دموي يعشق القتل والدم، بل إنه استطاع تجنيد لبناني آخر اسمه "جميل القرح" كان يعمل مدرساً وطرد من عمله لشذوذه مع تلاميذه الأطفال. فتصيده خميس وجره الى نشاطه التخريبي، وبارك روبرتو انضامه للشبكة، ولم يستغرق تدريبه هو الآخر وقتاً طويلاً، فلسابق خدمته في الجيش كان أكثر تفهماً لخطوات التدريب... وأعمته الموساد بالأموال أيضاً فغاص لأذنيه في التفجير والتخريب وقتل الأبرياء. هكذا انضم قاتل الى قاتل، وشكلا معاً في النهاية شبكة من الإرهاب هزت أعمالها بيروت. صواريخ السيارات وفي التاسعة صباح الثلاثاء 10 ديسمبر 1974 بينما عدد كبير من موظفي مكتب منظمة التحرير بمنطقة كورنيش المزرعة، يقومون بأعمالهم اليومية الاعتيادية، هزهم انفجار قوي، تبين أنه حدث في الطابق الأول من المبنى حيث يوجد معرض "ذبيان وأيوب" للمفروشات. وعثر رجال الأمن على سيارة فيات "132" بيضاء اللون تقف على الرصيف المواجه... ووجدوا على سطحها قاعدة لإطلاق أربعة صواريخ – آر . بي . جي – بلجيكية الصنع عيار "3" بوصة ونصف، مركزة على لوح خشبي متصل بأسلاك كهربائية منها انطلقت الصواريخ. ووسع رجال الأمن دائرة التفتيش، فعثروا على بعد 65 متراً من السيارة الأولى، على سيارة ثانية فيات أيضاً... وعلى سطحها صندوق خشبي آخر تخرج منه أسلاك كهربائية متصلة ببطارية السيارة. أخليت مكاتب المنظمة وسكان البناية، وقبيل مجيء خبير المفرقعات، شوهد الصندوق الخشبي يفتح أتوماتيكياً لتنطلق منه ستة صواريخ آر . بي . جي، فتصيب مباشرة مكاتب المنظمة وتحطم واجهاتها ومحتوياتها. في الوقت نفسه تقريباً، تعرض مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير، والكائن بالطابق الثاني من بناية الجكتور راجي نصر، في شارع كولومباني المتفرع من شارع أنور السادات، لهجوم صاروخي مماثل، إذ انفجرت أربعة صواريخ دفعة واحدة، انطلقت من على سطح سيارة "أودي 180"، وعثر الى جانبها على غليون خشبي، وأسفرت العملية عن تدمير القسم الأكبر من مكتبة المركز التي تضم أكثر من 15 ألف كتاب وإصابة العديد من المواطنين والسيارات. وبعد مرور عدة دقائق من هذه الانفجارات، تعرض مكتب شؤون الأرض المحتلة في الدور الأول من بناية الإيمان لصاحبها جعيفل البنا، والكائنة بشارع كرم الزيتون الى هجوم رابع مماثل بأربعة صواريخ. لقد كان خميس أحمد بيومي ذا دور فعال في التفجيرات الأربعة، يشاركه جميل القرح وثلاثة جواسيس آخرين استطاع القرح تجنيدهم وضمهم الى الشبكة الارهابية، وكان أسلوب منصات صواريخ السيارات أسلوباً جديداً لم تعرفه بيروت من قبل، أو أية عاصمة عربية أخرى. ولم يقف الأمر عند تفجير سفارة العراق ومكاتب المنظمات الفلسطينية، بل تعداه الى ما هو أبعد بكثير، إذ طالت الانفجارات الكنائس والمساجد لإثارة الفتن بين الطوائف، وإظهار عجز رجال الأمن اللبناني عن اكتشاف الجناة، أو إحباط المؤامرات التي تحاك فوق الأرض اللبنانية. ولأسباب كثيرة، أولها أن الأجهزة اللبنانية ترى أن التعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية أمر معيب ومسيئ لسمعتها، وثانيها، أن الدولة اللبنانية لا تزال تفضل السياحة على الأمن، والسبب الثالث، التأرجح ما بين دولة المساندة ودولة المواجهة، لتلك الأسباب، كانت شبكة خميس بيومي والعديد من الشبكات التخريبية الأخرى، تعمل في لبنان بحرية مطلقة، وينسل أفرادها من بين رجال الأمن كالرمال الناعمة. هكذا أوقعت شبكات التخريب لبنان في مستنقع عميق، وتأزمت العلاقة مع الفلسطينيين بسبب اللامبالاة اللبنانية في مطاردة العملاء ومحاكمتهم. وحدث أن ألقت قوات الأمن الفلسطينية على بلجيكي قبل أيام من التفجيرات الأخيرة، بعدما تأكد لديها أنه جاسوس إسرائيلي، وأثناء التحقيق معه قامت القيامة، واشتد الضغط اللبناني لإطلاق سراحه، فسلموه للسلطات الأمنية مع ملف يحتوي اعترافاته، ليطلقوا سراحه بعد 24 ساعة. أما الذين سمح للفلسطينيين بالتحقيق معهم، فقد اعترفوا اعترافات كاملة بأنهم عملاء للموساد، وثار الشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخلية اللبناني للملاحقة الفلسطينية الدءوبة للجواسيس الأجانب، واشتدت الأزمة واستحكمت حلقاتها بعد موجة التفجيرات التي هزت لبنان كله، لدرجة توجيه نداء في الصحف يوم الجمعة 27 ديسمبر 1974 للذين يزرعون القنابل والصواريخ، أن يعلنوا "الهدنة" لمدة 48 ساعة تبدأ قبل رأس السنة بيوم واحد، تماماً كما حدث في بريطانيا من قبل مع ثوار إيرلندا، وكتبت الصحف في لبنان أنه: أمام عجز الدولة عن إلقاء القبض على أي متهم بزرع القنابل، لا مفر لديها من أن تلجأ الى عاطفته الإنسانية، و "ترجوه" أن يتوقف ليومين أما إذا لم يستجيب زارعو القنابل لرجاء الحكومة، فلا مانع من إعلان بيروت مدينة مفتوحة لمدة يومين، وليتحمل زارعو القنابل مسؤوليتهم أمام الضمير الإنساني، والتاريخ. "!!!". إنه أغرب نداء، ورجاء، لكن، هذه هي الحقيقة المؤلمة، هذا ما حدث بالفعل في لبنان عام 1974. وفي التاسع من يناير 1975، وبينما الندف الثلجية البيضاء تتطاير في الهواء، ثم تتهادى كالرزاز لتستقر فوق الأرض، وعلى أسطح المنازل وأغصان الشجر، ألقى رجال الأمن الفلسطينيون القبض على خميس بيومي بشارع كورنيش المزرعة، عندما كان يرسم لوحة كروكية لأحد مباني المنظمة الفلسطينية. وأثناء التحقيق معه استخدم كل أساليب المراوغة والدهاء... واحتاط لعدة أيام كي لا يقع في المحظور، لكن الاستجواب المطول معه أصاب مقاومته في الصميم، وتلاشت رويداً رويداً خطط دفاعاته وهم يلوحون له باستخدام طرق التعذيب معه لانتزاع الحقيقة... وبوعد منهم بعدم إيذائه اعترف بكل شيء، فألقى القبض على جميل القرح الذي مات بالسكتة القلبية قبلما يعترف بأسماء أعوانه الثلاثة الآخرين، هكذا كتبت لهم النجاة حيث لا يعرف خميس إلا أسماءهم الحركية، أما روبرتو فقد اختفى ولم يقبض عليه أبداً، وتسلمت السلطة اللبنانية خميس بيومي وقدمته للمحاكمة وعوقب بعشر سنوات في السجن، "!!". تلك كانت محصلة إحدى شبكات التخريب في لبنان، زرعتها إسرائيل لزعزعة استقراره، واستنفار العرب منه، وجره بعيداً عن "المواجهة"، و "الشرق". فهل نجحت إسرائيل؟ ، عليكم أنت الإجابة.!!. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 19 (permalink) |
|
| بهجت حمدان ... الهارب من الإعدام بعد نكسة يونيو 1967 .. وبينما الطائرات الاسرائيلية كانت تمرح آمنة كيفما تشاء في سماء مصر ... كان بهجت حمدان ينقل إلى العدو أولاً بأول خرائط وصور القواعد العسكرية المصرية ... ويشعر بنشوة غامرة لنجاحه في "العمل"... ولثقة الموساد في معلوماته. وأمام تدفق الأموال عليه... كوّن شبكة جاسوسية خطيرة في القاهرة ... لكي يزداد ثراءاً ورونقاً .. وتوحشاً. ولحظة سقوطه في قبضة المخابرات المصرية.. صرخ غير مصدق: مستحيل ... مستحيل ... كيف توصلتم إليّ.. ؟ لقد دربوني جيداً في أوروبا... بحيث لا أسقط أبداً... !!! لغة الجسد أصيبت المخابرات الإسرائيلية بصدمة قاسية عندما انكشف جاسوسها المدرب بهجت حمدان ...وزلزل النبأ كبار ضباطها الذين أعمتهم الثقة وغلفهم الغرور ... ذلك لأن الجاسوس مدرب جيداً في أوروبا بواسطة أمهر الخبراء... وحصل على دورات تؤهله لكل المهام التجسسية الصعبة... دون أن يثير شكوك المخابرات المصرية، وظل العميل المدرب "نائما" لسنوات في أوروبا انتظاراً للحظة الانطلاق... لقد أجاد فنون التجسس دراسة. عكس غالبية الخونة الذين يُدفع بهم عقب تجنيدهم مباشرة لممارسة العمل ضد بلادهم ... وكان تجنيده قد تم بواسطة نقطة ضعفه – المال – الذي ظل يلهث وراءه .. إلى أن وقع. ولد بهجت يوسف حمدان بالإسماعيلية في 24 ديسمبر 1932 لأب ثري يعمل في التجارة اجتهد في عمله لتأمين حياة كريمة لأسرته. مضحياً بكل ما لديه في سبيل تعليم أولاده وتبوئهم مناصب مرموقة في المجتمع. وأمضى بهجت طفولته على شاطئ القناة في المدينة الجميلة الساحرة... ولما حصل على الشهادة الاعدادية كان والده قد قرر الانتقال نهائياً إلى القاهرة بعدما توسعت تجارته واشتهر اسمه ... فالتحق بهجت بمدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية ... وتبلورت شخصيته بها وظهر حبه وولعه بالرسم والفنون ... للدرجة التي جعلته يهرب كثيراً من المدرسة ليزور المتاحف والمعارض الفنية... وكان ينفق مصروفه على شراء الألوان وأدوات الرسم، الأمر الذي استدعى تدخل والده لصرفه عن هوايته التي رآها الأب مضيعة للوقت على حساب مستقبله. وفي عام 1950 نال بهجت حمدان شهادة الثانوية العامة بصعوبة... واتجهت نيته إلى الالتحاق بأحد المعاهد الفنية لتنمية موهبته... لكن الأب عارض بشدة مصراً على تعليمه كأبناء الباشوات... وأرسل به إلى ألمانيا الغربية لدراسة الهندسة المعمارية في جامعاتها. وأمام رغبة الأب وإصراره.. حزم الشاب حقائبه وطار إلى ميونيخ وفي نفسه غصة لضياع حلمه في أن يكون رساماً. وفي ميونيخ تصدع عقل الفتى الأغر .. فقد وجد نفسه فجأة بداخل مجتمع غريب عن طبيعته كشرقي... مجتمع يفيض تحرراً وانفتاحاً يستطيع الامتزاج به بسهولة .. لذلك انطوى على نفسه في بادئ الأمر... وفشلت الأسرة الألمانية التي يقيم معها في إخراجه من عزلته.. فطلبت من إدارة الجامعة استبداله بآخر... وانتقل بهجت بعدها إلى سكن بيوت الطلاب... لدراسة اللغة مبتعداً عن المغريات التي تستهوي الشباب... وكرس كل جهده ووقته لذلك حتى وقعت له حادثة بدلت طريقه وطباعه. فقد دعاه زملاؤه الطلاب لقضاء سهرة الكريسماس بأحد المراقص... وفي النادي الليلي حيث الخمر والرقص والفتيات الحسناوات والغزل .. تعرف بشاب مغربي قدمه إلى إحدى صديقاته... وعلى "البيست" أخذ يراقصها... فتناثرت عنه انطوائيته وضاع خجله.. وانقلب من وقتها إلى شاب جديد مليء بالثقة في نفسه.. يملك القدرة على إدارة الحوار بشتى أشكاله. بعدها . تعددت السهرات مع الفتاة الألمانية .. التي أخذت تحيطه بالاهتمام فأحبها... ولم يعد بمستطاعه الافتراق عنها يوماً واحداً... ومن المصروف الذي كان يرسله أبوه ...أخذ ينفق عليها في المطاعم والبارات والمنتزهات .. مضحياً بأوقات الدراسة والاستذكار... وكانت النتيجة الطبيعية رسوبه في أولى سنواته الجامعية... ونجاحه يتفوق في تعلم لغة الجسد وتشريح مفاتنه. الأبواب الموصدة انشغل بهجت حمدان بحياته الأوروبية المتحررة... واكتشف في نفسه لحولة تغري الفتيات وتسحر النساء... فلم يعد يقنع بواحدة منهن... إلى أن ساءت سمعته بين الأوساط الطلابية العربية.. ولما علم أبوه بنبأ رسوبه أصيب بخيبة أمل... وبرر له الابن أسباب فشله التي أرجعها إلى صعوبة اللغة الألمانية واختلاف الطقس وظروف الحياة.. فسكت الأب على مضض... وحذره من تكرار الرسوب مهدداً بأنه سيضطر إلى قطع المصروف عنه. لكن الشاب العابث لم يبد رغبة بينه وبين نفسه في تغيير مساره الشائن... إذ استمر على حاله في المجون... حتى جاءت الامتحانات... ورسب للمرة الثانية.. وأخذت الجامعة بتقارير أساتذته التي تصفه بأنه سلبي لا يبذل جهداً يذكر في تحصيل العلوم فتم فصله... وأرسلت الجامعة بصورة من قرارها إلى والده بالقاهرة فصدم .. وكتب في الحال إلى ابنه يطلب منه الرجوع ليعاونه في أعماله التجارية... فهل انصاع الابن.. ؟ وهل قبل وداع حياة التحرر هكذا بسهولة .. ؟ بالطبع كان الأمر شديد الوقع على نفسه، فهو لم يعد يتخيل كيف يرضى بالعيش في مجتمع القاهرة المغلق بعد ذلك... كان مجرد التفكير في ذلك يؤرقه... ويدفعه لأن يقاوم رغبة والده في العودة .. فقد ألف الحياة الأوروبية بكل صنوفها وأشكالها.. وفي حرمانه منها الظلم والموت البطيء. ومنذ تلك اللحظة ... اتخذ قراره بألا يعود إلى مصر ومقاومة تهديدات والده بإثبات ذاته من خلال الإنفاق على نفسه... وساعدته ظروف علاقاته المتشعبة في العمل بإحدى الشركات التجارية... وهيأ له راتبه حياة مجون لا تقل عما كانت عليه من قبل .. فداوم على البحث عن ملذاته ... وأصبح زبوناً دائماً ومألوفاً بشوارع شتافوس وشتراسة وشوانبخ حيث المومسات متراصات في الفتارين وعلى النواصي يساومن المارة. وما إن هل عام 1955 حتى طرأ حادث جديد على حياته.. إذ تعرف بالحسناء "إنجريد شوالم" الألمانية الرقيقة وأحبها.. وبادلته الفتاة الحب بإخلاص وسعت لانتشاله من الفشل الذي يوجهه ... والحياة الرخيصة التي انغمس فيها.. وبعدما تزوجها حرصت إنجريد على تحفيزه لدراسة الهندسة إرضاء لأسرته في مصر... هكذا وقفت زوجته إلى جواره لا هم لها سوى الارتقاء به لأجل حياة أفضل... فقد مرت سنوات قليلة على انتهاء الحرب العالمية الثانية ... التي خرجت منها ألمانيا مهزومة محطمة ... مقسمة .. وكانت بحاجة إلى كوادر علمية وفنية لإعمارها من جديد.. والدخول بها إلى دائرة التنافس الاقتصادي والصناعي. لكن فتانا كان قد توصل إلى هدف جند كل حواسه لتحقيقه... وهو الإثراء بشتى الطرق ليكون من رجال المال والأعمال المشهورين... ولأنه بلا خبرة ... ولا تدعمه شهادات علمية .. فشل فشلاً ذريعاً في ان يكون إنساناً ناجحاً ومرموقاً. وفي عام 1958 حصل بطرق ملتوية على شهادة في الهندسة الإنشائية .. قام بتوثيقها في السفارة المصرية وعاد بها إلى القاهرة ومعه زوجته... فأثلج صدر أبيه وغمره بالفرحة .. أحبت إنجريد الأسرة الجديدة وعشقت جو القاهرة .. وسرعان ما تأقلمت مع العادات الاجتماعية وأصبحت جزءاً من نسيج الأسرة.. وأمام ضغوط أبويه وإلحاحهما المستميت... وافق بهجت على البقاء للعمل والعيش في القاهرة... وبمساعدة الأب التحق بوزارة الاسكان... وعمل في مشروع "الخمس سنوات" الذي جندت له الحكومة وقتذاك إمكاناتها الهائلة لإنجاحه. كانت ظروف العمل الجديد تتيح لبهجت أن يغش ضميره... ويفتح يديه لتلقي المال الحرام... فعاودته من جديد أحلام الثراء التي تكسرت في ألمانيا... وأراد تحقيقها في بلده.. ذلك لأن راتبه الضئيل لا يمكنه من ارتياد المراقص... والظهور أمام زوجته بمظهر أعلى يقوف موارده.. لهذا عرف طريق الرشاوي مستغلاً مركزه الوظيفي... وتقرب كثيراً من أصحاب الشركات الأجنبية بالقاهرة... وأطلعهم على أسرار المناقصات والعطاءات التجارية فأغدقوا عليه بالأموال .. حتى فاحت رائحته بين الموظفين، واشتم فيه المسؤولون فساد الذمة ففصل من العمل .. وأغلقت في وجهه أبواب الحياة في مصر... فغادرها إلى لبنان يائساً ومعه انجريد الحزينة.. وفي لبنان أدركه الفشل في الحصول على عمل مناسب... فاقترحت عليه زوجته أن يعودا إلى ألمانيا حيث فرص العمل متوفرة هناك. لكنه رفض بشدة .. فهي لا تدري شيئاً عن شهاداته الدراسية المزورة التي لا يستطيع إبرازها في ألمانيا. ومع احتدام الخلاف بينهما... حملت أنجريد حقيبتها غاضبة حانقة وسافرت إلى ميونيخ وحدها... بينما طار هو إلى باريس يمني نفسه بالمال الوفير... والباريسيات الفاتنات ذوات القدود المائسة والأنوثة والدلال. جاسوس للبيع كانت باريس في ذلك الوقت من صيف 1960 تضج بالحياة والحركة والجمال... حيث يرتادها مشاهير العالم بحثاً عن الجديد في عالم الأزياء... أو لالتماس الهدوء بين ربوعها... وتنتشر بشوارعها شتى الوجوه والألوان والغرائب... فهي عاصمة النور في أوروبا... ومأوى الفن ... وملاذ الصعاليك... وهواة تصيد الفرص على مقاهيها... وايضاً... وكر آمن لصائدي الجواسيس والخونة لكل أجهزة المخابرات. نزل بهجت حمدان بفندق "ستار" بوسط المدينة .. وهو فندق بسيط يرتاده شباب المغتربين – وغالبيتهم أفارقة وآسيويون – لرخص سعره ولقربه من قلب العاصمة حيث المطاعم الرخيصة والمقاهي ... وسهولة المواصلات. ومنذ وطئ بهجت فرنسا ضايقته مشكلة اللغة... فهو يتكلم الألمانية بطلاقة وبعض الانجليزية... أما الفرنسية فكان يجهل مفرداتها البسيطة التي لا تمكنه من التحرك بثقة وسط أناس يرفضون التعامل بغير لغتهم. وفي اليوم التالي فوجئ بموظف الاستقبال يرحب به باهتمام... وتحدث معه بالعربية السليمة... واصفاً له السنوات التي قضاها في بورسعيد موظفاً بإحدى شركات الملاحة حتى غادرها إبان أزمة 1956. كان الفرنسي اليهودي يعمل مخبراً لرجال الموساد في باريس... تنحصر مهمته في التعرف على العرب النازحين الباحثين عن عمل... أو أولئك الذين قدموا للسياحة أو الدراسة ... ويتولى بعد ذلك تقديمهم – كل حسب حالته – إلى رجال الموساد ... فلما اطلع على ظروف بهجت أدرك بأنه صيد سهل ... فهو يمر بأزمة مالية ويواجه مشاكل مع زوجته الألمانية بسببها... فضلاً عن وظيفته السابقة في مصر التي قربته من الكثيرين من رجالاتها في مختلف المواقع. لذلك ... رتب له دعوة للعشاء بأحد المطاعم الراقية... وهنا قدمه إلى صديقه "جورج سيمون" ضابط الموساد الذي ظهر بشخصية رجل الأعمال... استشعر بهجت الأمان بعض الشيء... واطمأن باله وهو يتجاذب بالألمانية أطراف الحديث مع جورج سيمون... وطال الحديث بينهما في مجالات كثيرة تخص أحوال مصر اقتصادياً وتجارياً... حتى تطرقا إلى مشروع "الخمس سنوات" وفوجئ سيمون بمحدثه يخبره بأنه يمتلك ملفات كاملة عن المشروع يحتفظ بها في القاهرة... وكذا تقارير اقتصادية خطيرة تدرسها الحكومة المصرية خاصة بوزارة الاسكان. وبعد عدة لقاءات وسهرات في النوادي الليلية – بأموال الموساد بالطبع – قام جورج سيمون أثناءها بعملية "تشريح" متكاملة لفريسته... من حيث ميوله ورغباته ونقاط ضعفه... فتبين له أن الشاب المصري المفلس "يعبد القرش" .. ولديه أسباب قوية لأن يطرق كل السبل من أج الحصول على المال. لذلك لم يكن من الصعب استقطابه .. وإحاطته بشعاعات من أمل في العمل والثراء... وجاء الرد حاسماً من تل أبيب: "مطلوب تجنيده وبأي ثمن". وكان الثمن زهيداً جداً عندما سلمه عميل الموساد ألفاً وخمسمائة فرنك فرنسي .. على وعد بإيجاد عمل محترم له إذا ما كتب تقريراً وافياً عن مشروع "الخمس سنوات"... والخطوات التي تمت بشأنه... والمعوقات التي تواجه مصر في تنفيذ سياساتها الاقتصادية... وكانت هذه الخطة أولى محاولات تجنيد بهجت حمدان. إن عملية تجنيد جاسوس جديد تعد من أكثر النشاطات المخابراتية صعوبة وخطورة... ومنذ اللحظة الأولى في هذه العملية يجد صائد الجواسيس نفسه في موقف صعب... فالشخص الذي اختاره لتجنيده ربما يفطن إلى الحيلة ... وبذلك فقد كشف عن شخصيته له قبلما يتأكد من استجابته. لذلك... فالمهارة هنا لها الدور الأساسي في عملية تجنيد الجواسيس الجدد.. بمعنى أن العميل يجب أن يكون واثقاً من تقديره للموقف... وأن يكون حذراً للغاية حتى يتمكن من التقهقر في الوقت المناسب إذا ما حالفه الفشل.. ولكي يضمن جورج سيمون إحكام حلقته حول بهجت حمدان ... رتب له لقاءً حاراً في "مصيدة العسل" مع سكرتيرته المتفجرة الأنوثة... وهذا الأسلوب تميزت به الموساد عن سائر أجهزة المخابرات للسيطرة على المطلوب تجنيدهم .. وتفننت في استخدامه بتوسع ...حيث يتم تصوير هؤلاء في أوضاع شاذة .. وتسجيل حوارات سياسية تدينهم ... فتنهار أعصابهم حين مواجهتهم ولا يستطيعون الخلاص أو الفكاك. وما إن ووجه بهجت بالأفلام العارية التي تحوي مشاهد مؤسفة .. وأحاديث مليئة بالسباب للعرب وقادتهم... حتى بهت الصياد وتفصد عرقاً ... نعم .. بهت لأنه فوجئ بما لم يتوقعه أن يحدث له من قبل. لقد صرخ بهجت حمدان في وجهه . الصفقة الناجحة كان اللعب قد أصبح مكشوفاً بين الصياد والفريسة... وكانت الخطة تقتضي أولا أن يسافر بهجت إلى فرانكفورت حيث الانطلاقة من هناك ... بعد ذلك يتم عمل "ساتر" يختفي وراءه. وفي فرانكفورت استقر الجاسوس الجديد بأحد فنادقها... وأرسل إلى زوجته إنجريد فأسرعت اليه سعيدة بقدومه... وأنبأها بأنه التقى في باريس برجل أعمال كبير وعده بإيجاد عمل له في بورصة الأوراق المالية... ومكثا معاً عدة أيام في نزهات خلوية صافية ... إلى أن زاره "صموئيل بوتا" الخبير في أعمال البورصة والتجارة الدولية. بدأ بوتا في تعليم بهجت كل ما يتصل بأعمال البورصة ودراسة السوق المصرفية، وعرفّه بالعديد من رجال الأعمال وهيأ له المناخ الملائم لكي يستوعب هذا النوع من العمل الذي يتطلب قدراً عالياً من الذكاء والمهارة ... وناضل ضابط المخابرات الاسرائيلية من أجل خلق رجل أعمال مصري ناجح .. للدفع به في الوقت المناسب إلى مصر ... فيتعرف على علية القوم ورجال الأعمال بها... مما يتيح له التغلغل بين الأوساط الراقية وذوي المناصب الحساسة. إن المخابرات الإسرائيلية لا تصرف الآلاف من نقودها هباءً... بل تدرك بحق أن المنافع التي ستعود عليها بعد ذلك ستكون رائعة. واستمراراً لخطة صنع جاسوس محترف ... انتقل بهجت إلى مدينة "بريمن" حيث قدمه بوتا للعديد من أصحاب شركات البترول والتجارة... وعمل لديهم لبعض الوقت فاكتسب خبرات هائلة... وصداقات متشعبة بصفته مواطن الماني متزوج من ألمانية. وفي عام 1967، تأكد للإسرائيليين أن "الجاسوس النائم" بهجت حمدان أصبح ذا دراسة وعلم كبيرين بأمور التجارة الدولية... وأعمال البورصة.. تعضده جنسيته الألمانية في اقتحام مجالات التجارة والتصدير في أسواق الشرق الأوسط دون أية شكوك أو صعوبات تعترض طريقه. وابتدأ عمله التجسسي بأن أرسل لشركة "مصر للبترول" يعرض عليها استيراد شحنات من البترول المصري بصفته مندوباً لإحدى الشركات الألمانية... وسافر إلى القاهرة ليدرس العرض مع الشركة .. كانت نكسة يونيو قد تركت آثارها على شتى النشاطات في مصر .. وحطمت المناخ العام شعبياً وعسكرياً وسياسياً ... وفي القاهرة أخبره والده بأنه مني بخسارة فادحة في تجارته ... فأغدق بهجت على أسرته بالهدايا الثمينة في كل مرة يجيء فيها إلى القاهرة للتفاوض مع الشركة. وبرغم فشله في عقد صفقة واحدة مع مصر للبترول بسبب طمعه في نسبة عمولة عالية .. اتجه – بتوجيه من بوتا – إلى تجارة السلاح ... فدرس هذا المجال باستفاضة ...وأخذ يبحث كيفية تقديم عروض للدول العربية لبيعها صفقات أسلحة ... خاصة .. وظروف المنطقة المشتعلة بالصراع تتطلب ذلك. أعجبته الفكرة تماماً... وابتدأ بالأردن، لكنه فشل في أولى محاولاته لأن الأردن لا يبتاع السلاح عن طريق وسطاء. فعاد إلى القاهرة يحدوه الأمل في النجاح هذه المرة... وتقدم إلى المسؤولين بعدة عروض لتوريد بعض المهمات والمعدات اللازمة لقطاعات هامة في الدولة... وفوجئ بموافقة مبدئية على أحد العروض... ولكن طلب منه تأكيد جدية العرض باستيفاء بقية الأوراق... ومنها سابقة الأعمال. كان بوتا – وهو الضابط الخبير – قد احترز جيداً في عمل "الساتر" للجاسوس المتحمس... وقام بتكوين شركة مساهمة تحمل اسم "نورد باو" للأعمال الإنشائية والتوريدات ... مديرها بهجت حمدان ورئيس مجلس إدارتها "ألبرت فيزر" ضابط المخابرات الاسرائيلي الذي يحمل جواز سفر ألماني... وكان هذا الساتر مأمن لبهجت ونقطة ارتكاز لتثبيت أقدامه... بعيداً عن شكوك رجال المخابرات المصرية الذين يتشككون في كل شيء... وبناء عليه ... سافر بهجت حمدان إلى ألمانيا لإطلاع بوتا على سير الأمور... وكان على ثقة من نجاح الصفقة التي سيربح من ورائها عشرات الآلاف... فهنأه بوتا على الصفقة الجديدة وأمده بسابقة أعمال وتوريدات مزورة حملها إلى الحكومة المصرية... واصطحب معه ألبرت فيزر لمناقشة الأسعار المقدمة. وفي القاهرة طلب المسؤولون منهما عينات ومبلغ 20 ألف دولار كتأمين ... وتمت الصفقة في نجاح أذهل الاسرائيليين... ذلك لأن عمليهم المدرب نال ثقة المسؤولين المصريين على اعتبار أنه مصري يسعى لخدمة وطنه بائع الوطن لم تضيع الموساد وقتاً... فظروف عميلها بهجت حمدان في القاهرة تتيح له العمل بأمان ونشاط ... وكان عليها استثماره جيداً ليس بإمدادها بمعلومات فقط... بل بتكوين شبكة واسعة من أتباعه الذي يلمس ظروفهم عن قرب وينتقيهم بنفسه. نظر بهجت حواليه وبدأ ينصب شباكه حول أولى ضحاياه... وهو المهندس محمد متولي مندور زوج شقيقته... الذي يعمل بشركة المقاولون العرب بمنطقة القناة، ونظراً لظروفه المادية السيئة فقد كان من السهل اصطياده بدعوى توفير فرصة عمل له في الخارج بواسطة شريكه "فيزر" في حال نجاح مشروعاتهما المرتقبة في مصر. لأجل ذلك... تفانى مندور في خدمة الخائن وشريكه... ولكي يضمن كسب ودهما أكثر وأكثر استجاب لرغبتهما وأطلعهما على أسرار بعض العمليات الإنشائية السرية التي تتم على الجبهة بواسطة شركة المقاولون العرب. طمعت الموساد في الحصول على رسومات هندسية لتصميمات الدشم والقواعد والمطارات العسكرية التي تقوم بها الشركة. ولتنفيذ ذلك – تعمد بهجت الابتعاد قليلاً عن مندور ومماطلته في أمر تشغيله في الخارج... وأخيراً، صارحه بأن شريكه يريد الاطمئنان على مدى كفاءته وخبرته. وطلب منه بعض الرسومات الهندسية العسكرية للإطلاع عليها لتأكيد مدى تميزه وخبرته في العمل والوقوف على مستواه العملي... فلم يعترض مندور وسلمه بالفعل الكثير من هذه الرسومات التي تعتبر سراً عسكرياً هاماً لا يجب البوح به... بل تمادى في شرح الأعمال الإنشائية التي يقومون بها على خط القنال وبمناطق أخرى بالصعيد والوجه البحري. وكان بهجت يسأله بخبرة الجاسوس الخبير ويسجل أقوال صهره أولاً بأول وينقلها إلى "فيزر" الذي لا يكف عن طلب المزيد والمزيد من المعلومات والرسومات. وفي يوم الجمعة 22 مايو 1969 عاد بهجت من ألمانيا يحمل قائمة طويلة من أسئلة الموساد ومطلوب إجاباتها من خلال المهندس مندور. من أجل ذلك... أخبره بهجت بأنه في سبيل الحصول على موافقة نهائية من الشركة للعمل بها براتب قدره مائتي جنيه مع إن راتبه حينذاك كان لا يتعدى "25" جنيهاً شهرياً. . وبالتالي أراد مندور ألا يضيع هذه الفرصة التي ستبدل حالته المتعثرة إلى نعيم وازدهار... فتمادى في إمداده بعشرات اللوحات الهندسية والتصميمات العسكرية السرية جداً، ومعلومات غاية في الدقة سجلها الجاسوس واحتفظ بها لدى شقيقته الأخرى. ليسافر بها إلى ألمانيا. ولكي يوسع من شبكة الجاسوسية بدأ بهجت يحوم حول جمعة خليفة المحامي صديق العائلة. وبإغراءات تعيينه مستشاراً قانونياً للشركة في مصر وتسفير ابنه لإكمال تعليمه في ألمانيا – دخل أخيراً وكر الجواسيس. وسافر إلى بون لرؤية ابنه الذي يدرس الهندسة بالفعل. وجلس مع فيزر لعدة جلسات يتناقشان في العقبات القانونية التي تقف أمام الشركة في مصر. واكتشف ضابط الموساد أن جمعة تربطه علاقات قوية برجال يشغلون مناصب رفيعة. فكلفه بالبحث عن بعض العسكريين "الكبار" الذين يتركون القوات المسلحة لاستخدامهم كمستشارين فنيين. كان الغرض من ذلك تكوين شبكة تجسس قوية من خلال هؤلاء العسكريين... واستدراجهم في الحديث للإفصاح عن الأسرار العسكرية دون أن يعلموا أن كل كلمة ينطقون بها تصل رأساً إلى الموساد. هؤلاء القادة العسكريون كانوا حلم الأحلام بالنسبة لبهجت. إنهم سيمنحونه شلالاً متدفقاً من المعلومات الغزيرة التي لا تنتهي . حيث سيمنحهم رواتب ضئيلة قياساً بآلاف الجنيهات التي ستملأ جيوبه. في هذه الأثناء كانت إنجريد زوجته الألمانية تعيش حياة رغدة في ألمانيا... وتسكن شقة فاخرة في شارع راينهارت وتقود بنفسها سيارتها ماركة فورد، وتزخر شقتها بأروع التحف وأجمل السهرات مع صويحباتها... يملؤها الفخر بزوجها رجل الأعمال الناجح الذي أغدق عليها حباً ومالاً وهدايا ثمينة من كل بقاع الأرض. زادت الأموال بين يدي بهجت حمدان فازداد إنفاقه وازداد طمعه... وسيطرت عليه شهوة المال الحرام فسعى إليه يطالبه ببيع أمنه وطنه وأرض وطنه وأهل وطنه... دون أن تتحرك لديه نبضة من ندم أو خلجة من شعور. بهجت حمدان اصطاد قائده كانت إسرائيل في تلك المرحلة وبعد انتصارها في يونيو 1967 تبث دعايتها على أنها ذات جيش لا يقهر ... وكانت طائراتها الحربية تصعد عملياتها الهجومية لتمتد إلى طول الجبهة من قناة السويس شمالاً إلى خليج السويس جنوباً. في ذات الوقت الذي استخدمت فيه قوات الكوماندوز المحمولة جواً في عمليات جريئة واسعة النطاق في عمل الأراضي المصرية ، فأظهرت أوجه الخلل والعجز في النظام الدفاعي المصري وأصيب عبد الناصر بعدها بأزمة قلبية من فرط الغضب والانفعال. ففي الساعات الأولى من ليل 1/11/1968، استخدم العدو طائرات الهليوكوبتر بعيدة المدى من طراز "سيكورسكي"، و "سوبر فريلون"، في اختراق الدفاعات الجوية، والوصول إلى منطقة نائية في تجمع حمادي، ودمر أحد الأبراج الرئيسية لكهرباء الضغط العالي بأسلاكه، فانقطع التيار الكهربائي عن القاهرة والوجه البحري شمالاً. وكان الغرض من العملية هو إحداث الشلل في مصادر الطاقة في مصر. كان الجاسوس بهجت حمدان يشعر بنشوة غامرة كلما دكت طائرات العدو قواعد الجيش المصري... الذي لم تقف قيادته عاجزة بشكل كلي عن التعامل مع العدو. بل واجهته لحد كبير بنفس أسلوبه.. وهاجمته في منطقة شرقي الدفرسوار وكبريت وأغارت عليه في مقر داره ودمرت قطعه البحرية في إيلات. كل ذلك وكانت آلة الدعاية اليهودية تعمل بكفاءة شديدة وتبث الإحباط في نفوس العرب، من أجل إرهابهم إذا ما أقدموا على عمل حربي موسع ضد إسرائيل. وبينما كانت القوات المسلحة تعيد تنظيم صفوفها... كانت المخابرات العامة المصرية تراقب تحركات بهجت يوسف حمدان .. الذي قدم إلى مصر وغادرها اثنتى عشرة مرة إلى ألمانيا. ولاحظ رجال المخابرات كثرة لقاءاته بصهره المهندس مندور وجمعة المحامي... وبعض رجال القوات المسلحة السابقين. وبعد مراقبات وتحريات مكثفة ... تبين لرجال المخابرات أن هناك شبكة تجسس يرأسها بهجت... وعلى الفور جرى اعتقالهم جميعاً يوم 2 يونيو 1969، وفي مبنى المخابرات العامة ، ووجه بهجت بأدلة تجسسه فانهار في خلال عدة ساعات، وأفصح عن دوره الحقيقي ودور كل فرد من أفراد شبكة التجسس. ومن مبنى المخابرات أرسل إلى فيزر طالباً منه الحضور إلى القاهرة على وجه السرعة... حيث وافقت الحكومة المصرية على العروض المقدمة إليها وأنه بانتظاره للتوقيع على العقود وبدء النشاط، وعندما جاء فيزر كانت المخابرات المصرية بانتظاره على سلم الطائرة.. وأثناء التحقيق مع أفراد الشبكة بواسطة العميد إسماعيل مكي ظهرت مفاجأة لبهجت... إذ اكتشف أن ضابط المخابرات الإسرائيلي "بوتا" يهودي مصري عاش بالإسكندرية وغادر مصر بعد عدوان 1956 مباشرة... وأنه زاول العمل في مصر كسمسار للقطن في بورصة الاسكندرية لعدة سنوات قبل مغادرتها. اكتشف أيضاً أن المخابرات الإسرائيلية كانت تثق بنفسها أكثر من اللازم ويتملكها غرور قاتل. فبرغم احترافه لمهنة الجاسوسية بعد تدريبه الطويل في أوروبا.. وعدم تركه لدليل واحد يساعد على كشفه ... إلا أن المخابرات المصرية استطاعت اصطياده وأفراد شبكته بسهولة شديدة وفي وقت قياسي. وهذا بعد دليلاً أكيداً على يقظة رجالها الذين برعوا في إلقاء القبض على عشرات الجواسيس في تلك المرحلة العصيبة. وبعد حوالي العام من اعتقال الجواسيس الأربعة... أصدرت المحكمة العسكرية حكمها بالأشغال الشاقة المؤبدة على الخائن بهجت حمدان "زواجه من إنجريد وحصوله على الجنسية الألمانية أنقذه من الإعدام" وبالسجن لمدة خمس سنوات لكل من ضابط الموساد والمهندس مندور وجمعة المحامي. كانت لهذه الحادثة آثارها المرعبة في الموساد، لمعنى اعتقال أحد ضباطها من قبل المصريين، تكشف حقائق أساليب العمل المخابراتي الإسرائيلي في التجسس على البلاد العربية، بما يعني تغيير أنماط العمل المختلفة في النشاط الاستخباراتي. كان هناك أيضاً الأثر النفسي الذي أصاب ضباط الموساد والعملاء العاملين خارج إسرائيل، إذ تخوف كل من المتعاملين معهم من الخونة العرب، ومن محاولات اصطيادهم بالخديعة والدهاء كما حدث للضابط الخبير فيزر، الذي وقع في شرك المخابرات المصرية. لقد تندرت وسائل الإعلام العالمية بخيبة رجال الموساد، الذين قادتهم الثقة الزائدة إلى كشفهم. وكان بهجت حمدان بحق هو أول جاسوس في العالم يصطاد قائده... بعملية خداعية ذكية مكنت المخابرات المصرية من الحصول على معلومات ثمينة ... جاءت على لسان الضابط الأسير. آخر تعديل ܔْށالوعـد الأخـيرܔْށ يوم
05-23-2009 في 01:05 PM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 20 (permalink) |
|
| إبراهام موشيه ..زعيم شبكة الـ "36".. !! وقف "روبرتو بيترو" أمام ضابط الجوازات في مطار بغداد الدولي وهو يقول: لماذا هذا التأخير يا سيدي؟ أجابه الضابط بأنها إجراءات أمنية بسيطة لن تستغرق كثيراً. وسأله: كم مرة جئت إلى بغداد من قبل؟ سريعاً أجابه الإيطالي المتذمر: إنها زيارتي الأولى للعراق، وقد جئت مندوباً عن شركة أنتراتيكو للمقابض في روما. لأعرض إنتاجنا على رجال الأعمال هنا، وأبحث إمكانية إقامة جناح لنا بسوق بغداد الدولي. سلمه الضابط جواز سفره مصحوباً بتمنياته الطيبة، فشكره روبرتو وغادر المطار، ليستقل تاكسياً إلى فندق ريجنسي بوسط بغداد. وفي حقيقة الأمر لم يكن روبرتو هذا سوى ضابط مخابرات إسرائيلي. مولتي تشاو ولد لأب يهودي إيطالي وأم هنغارية، وعاش سني مراهقته في الشمال بمدينة "تريستا" الساحرة المطلة على بحر الإدرياتيك، وخدعته الدعاية اليهودية عن أفران الغاز التي التهمت ستة ملايين يهودي في ألمانيا، وبهرته شعارات الصهيونية والحياة الرغدة لليهود في إسرائيل، فهاجر إليها مع أمه رينالدا بعد وفاة أبيه. هناك خدم في جيش الدفاع الإسرائيلي ثم في جهاز الشين بيت "الأمن الداخلي"، وأظهر كفاءة عالية في قمع الفلسطينيين، وتجنيد بعض الخونة منهم لحساب الجهاز بعد إجادته التامة للغة العربية. لكن حادثاً مفاجئاً قلب حياته بعد ذلك رأساً على عقب، إذ ضبط أمه عارية في أحضان يهودي يمني، تمكن من الهرب بسرواله تاركاً بقية ملابسه، فأصيب بنكسة نفسية كبيرة، إذ كانت أمه تمثل لديه صورة رائعة لكل معاني الحب والكمال، ولم يتصور أن امرأة مثلها في التاسعة والأربعين، قد تسعى إلى طلب الجنس، وتتعاطاه مع السائق اليمني. لحظتئذ... قرر ألا يعيش في تل أبيب، وقدم استقالته من عمله وحمل حقيبته عائداً إلى مسقط رأسه، عازماً على أن يعيش بقية حياته أعزباً، فطالما خانت أمه فلا أمان ولا ثقة بامرأة أخرى.. !! لكن مايك هراري ضابط الموساد الإسرائيلي الذي كان يبحث عن ذوي الكفاءات المخلصين لـ "يطعم" بهم أقسام الموساد المختلفة، جد في البحث عن "روبرتو بيترو" حتى أدركه في تريستا، إلا أنه فشل في إقناعه بالعودة معه إلى إسرائيل، وتركه أربعة أشهر ورجع إليه ثانية ليخبره بوفاة أمه، ويجدد دعوته له بالعمل معه في الموساد. استطاع هراري بعد جهد العودة بروبرتو إلى تل أبيب، وألحقه فوراً بأكاديمية الجواسيس ليتخرج منها بعد ستة أشهر جاسوساً محترفاً، يجيد كل فنون التجسس والتنكر والتمويه والقتل، عنده القدرة على تحمل صنوف التعذيب المختلفة، وأساليب الاستجواب الوحشية لإجباره على الاعتراف، إذا ما سقط في قبضة المخابرات العربية. فقد اكتشف خبراء الموساد مقدرته الفذة على مقاومة الألم، إلى جانب ذكائه الشديد وإجادته الإقناع بوجهه الطفولي البريء، الذي يخفي قلباً لا يعرف الرحمة. كل هذا... يضاف إلى خبرته التي لا حدود لها في عالم الإلكترونيات، وتكنولوجيا الاتصالات، وموهبته الفائقة في تطوير أجهزة اللاسلكي، التي يستخدمها الجواسيس في بث رسائلهم. ومنذ وصل روبرتو لفندق ريجنسي، تتبعه السيارة الماسكوفيتش، وعقله لا يكف عن التفكير في من ذا الذي يراقبه ويقتفي أثره؟ أيكون ضابط مخابرات عراقياً ؟ أم أحد أعضاء الشبكة؟ استبدل ملابسه على عجل وخرج من باب الفندق يمسح المكان بعيني صقر باحثاً عن الماسكوفيتش فلا يجد لها أثراً، وفي شارع السعدون توقف أمام إحدى الفترينات وتأكد من خلال زجاجها العاكس بأن هناك من يراقبه، فاختفى فجأة بمدخل إحدى البنايات وتسمر مكانه في الظلام، وبعد برهة يدلف شبح مسرعاً فيصطدم به، وقبل أن تهوي على رأسه قبضة روبرتو الحديدية، يصيح الشبح على الفور: "مولتي تشاو". إنها كلمة السر المتفق عليها، ليس في بئر السلم، ولكن بمكتب الخدمات العامة، الواقع على بعد عدة بنايات ويمتلكه إبراهام موشيه، الذي كان يراقب روبرتو بنفسه، وأوشك الأخير أن يحطم فكه بقبضته. الحب المحرم لم يكن موشيه يهودياً عراقياً فحسب، بل زعيماً محترفاً لشبكة جاسوسية إسرائيلية داخل العراق، استطاع أن يمد نشاطه حتى الكويت وسوريا، متخذاً من عمله في التجارة والاستيراد ستاراً يخفي وراءه حقيقته، وكانت له قصة مثيرة تستحق منا أن نسردها، ونتتبع معاً كيف انجرف مستسلماً في تيار "الخيانة" منذ صباه، مضحياً بكل شيء في سبيل الوصول إلى مأربه، ضارباً عرض الحائط بالأمانة والشرف. كانت بدايته في ضاحية دوما بالقرب من دمشق. ولد لأم يهودية سورية، وأب يهودي عراقي يعمل دباغاً للجلود، امتلك ناصية الحرفة، وأقام مدبغة في بغداد بعد ستة أعوام من العمل الجاد في سوريا، إذ هرب فجأة إلى موطنه الأصلي ومعه أسرته الصغيرة، بعد ما اتهم باغتصاب طفل مسيحي دون العاشرة، فعاش في بغداد يحاصره الخوف من مطاردة أسرة الغلام أو السلطات السورية. لكنه لم يرتدع بعد هذه الحادثة، إذ واجهته هذه المرة تهمة اغتصاب طفل آخر في بغداد. ولأنه أثرى ثراء فاحشاً، دفع مبلغاً كبيراً لوالد الطفل رقيق الحال، فتبدلت الأقوال في محضر الشرطة، وخرج موشيه ببراءته، ليمارس شذوذه على نطاق أوسع مع غلمان مدبغته، إلى أن وجدت جثته ذات يوم طافية بأحد الأحواض المليئة بالمواد الكيماوية المستخدمة في الدباغة، وكان ابنه إبراهام وقتئذ في الثانية عشرة من عمره، وأخته الوحيدة ميسون على أعتاب السابعة. باعت أمها المدبغة وهربت بثمنها إلى مكان مجهول مع السمسار اليهودي الذي جلب لها المشتري، وتركتهما يواجهان مصيرهما لدى عمهما البخيل، ويتذوقان على يديه صنوف القهر والقسوة كل لحظة. وأمام تلك المعاناة... ترك إبراهام مدرسته، والتحق بالعمل كصبي بورشة لسبك الفضة يمتلكها تاجر يهودي، بينما عملت أخته كخادمة بمنزل عمها مقابل الطعام، واكتشف إبراهام ميلا لديه للسرقة، فمارس هوايته بحذر شديد في سرقة المعدن الخام قبل سبكه ووزنه دون أن يلحظه أحد. وما أن بلغ مرحلة المراهقة باندفاعها وطيشها، حتى ظهرت عنده أعراض الشذوذ كوالده، وإن كانت تختلف في الأسلوب والاتجاه، وكانت ضحيته الأولى..أخته التي كان ينام معها في فراش واحد بإحدى الحجرات المنعزلة، فكان يحصل منها على نشوته الكاملة وهي تغط في سبات عميق. وذات ليلة ... استيقظت ميسون على غير العادة، ولاذت بالصمت المطبق تجاههه عندما أحست به يتحسس جسدها، فهو شقيقها الذي يحنو عليها، ويجيئها بالملابس الجديدة والحلوى، ويدافع عنها ضد جبروت عمه وزوجته، ويطلب منها دائماً الصبر على قسوة الظروف، طائراً بها في رحلات خيالية بعيداً عن منزل عمهما، فكانت لكل ذلك تسكت عليه. ولما ظهرت عليها صفات الأنثى وعلتها مظاهر النضوج، استشعرت لذة مداعباته التي أيقظت رغباتها، فتجاوبت معه على استحياء شديد في البداية، إلى أن استفحل الأمر بينهما للمدى البعيد العميق، فهرب بها إلى البصرة، بين أمتعتهما صندوق عجزا عن حمله، كان بداخله خام الفضة الذي سرقه على مدار عشر سنوات كاملة من العمل بالمسبك. وهناك ... معتمداً على خبرته الطويلة، أقام مسبكاً خاصاً به بحصيلة مسروقاته، واكتسب شهرة كبيرة بين التجار، وأثرى ثراء فاحشاً بعد أربع سنوات في البصرة. كانت ميسون في ذلك الوقت قد تعدت التاسعة عشرة، جميلة يانعة تحمل صفات أمها الدمشقية، ذات جسد ملفوف أهيف، ووجه أشقر تتوجه خيوط الذهب الناعمة، عيناها الناعستان كحبتي لؤلؤ تتوسطهما فيروزتان في لون البحر، وفم كبرعم زهرة يكتنز بالاحمرار والرواء، وأنوثة طاغية تشتهيها الأعين وما ذاقها إلا إبراهام. بيد أن الحب له طعم آخر، ولسع بديع يداعب الخيال، فتعزف الخفقات سيمفونية رائعة من أغاني الحياة. فعندما أحبت ميسون جارها وتمكنت منها المشاعر، هربت كأمها مع الحبيب إلى أقصى الشمال... إلى الموصل، فتزوجته مخلفة وراءها إبراهام يلعق الذكريات ويكتوي بنار الوحدة، تنهشه أحزانه فيتخبط مترنحاً، وتميد به الخطوات تسعى إلى حيث لا يدري، ويتحول إلى إنسان بائس.. ضعيف وحيد. في هذا المناخ يسهل جداً احتواؤه بفتاة أخرى، تشفق عليه وتقترب منه عطوفة رقيقة، وهذا بالفعل ما حدث، إذ قربته "راحيل" إليها، ولازمته في قمة معاناته للدرجة التي يصعب عليه الابتعاد عنها. ولأنها ابنة يهودي يعمل لحساب الموساد، وكان لها دور فعال في نشاطه التجسسي، استطاعت أن تضمه بسهولة إلى شبكة والدها. ولم لا... ؟ إنه خائن بطبعه منذ الصغر، استلذ الخيانة عشر سنوات مع صاحب المسبك، وخان الشرف والأمانة عندما انتهك حرمة أخته، ذابحاً عفافها غير مبال بالدين أو القيم، فإن مثله معجون بالخيانة، ليس يصعب عليه أن يخون الوطن أيضاً، فكل القيم عنده طمست معالمها وغطاها الصدأ. لقد بدت سهلة رحلته مع الجاسوسية بعدما تزوج من راحيل، وأخضع لدورات عديدة صنعت منه جاسوساً، فانتقل إلى بغداد ليمارس مهامه الجديدة. ولم يكن يدرك أبداً أن شبكته التي سيكونها فيما بعد، ستكون أشهر شبكات الجاسوسية في العراق قاطبة. شاخص الداهية في بغداد استأجر إبراهام منزلاً رائعاً، وافتتح مكتباً وهمياً للتجارة بشارع السعدون، والتحق بأحد المعاهد المختصة بتعليم اللغة الإنجليزية، وجند أول ما جند شاباً يهودياً يعمل مترجماً للغة الروسية، له علاقات واسعة بذوي المناصب الحساسة في الدولة، كثير السفر إلى موسكو بصحبة الوفود الرسمية، كان دائماً ما يجيء محملاً بالسلع والكماليات، معتمداً على إبراهام في تصريفها. كان تجنيده بعيداً تماماً عن الجنس أو المال. إذ كان "شوالم" غالباً ما يحكي لإبراهام أسرار سفرياته وتفاصيل ما يدور هناك بين الوفدين العراقي والسوفييتي، ولم يكن يخطر بباله أن أحاديثه مع إبراهام كانت كلها مسجلة. وعندما استدرجه ذات مرة للخوض في أدق الأسرار، تشكك شوالم في نواياه فامتقع وجهه واستبد به الخوف، وعلى الفور عالجه ابراهام بالحقيقة، وأكد له بأنه استفاد كثيراً من أحاديثه ونقلها حرفياً للإسرائيليين، فحاول الشاب أن يفلت بجلده من مصيدة الجاسوسية، لكن شرائط التسجيل المسجلة بصوته كبلته، فخضع مضطراً لابتزاز عميل الموساد. كانت تجربته الأولى الناجحة قد زادته ثقة في نفسه، وأخذ يبتز شوالم إلى آخر مدى. فمن خلاله تعرف إبراهام على مهندس يهودي، يعمل بأحد مصانع الأسمنت في بغداد، تردد كثيراً، على منزله برفقة شوالم في بادئ الأمر، ثم بمفرده بعد ذلك حيث شاغلته راحيل برقة متناهية، وأوحت إليه نظراتها وابتساماتها السحرية بعالم آخر من المتعة، لكنها لم تعطه شيئاً مما أراد، وأيضا لم تتجاهله، فحيره أمرها كثيراً، وما بين شكوكه في تصرفاتها حياله، واستغراقه في تفسيرها، أدمن رؤيتها طامعاً فيما هو أكثر، ليستسلم في النهاية صاغراً، ويستجيب لأوامرها عندما طلبت منه معلومات عن المواقع العسكرية التي تتسلم حصص الأسمنت. وعندما سلمته أربعمائة دينار مقابل خدماته، صدمته الحقيقة التي تكشفت له، فهونت عليه الأمر وشرحت له الكثير عن واجب اليهود إزاء وطنهم الجديد، إسرائيل، وأمام فتنتها القاتلة لم يتبرم أو يعترض، بل تطوع – إرضاء لها – بجلب المعلومات الحيوية دون تكليف منها، عازفاً عن العمل بمقابل مادي لقاء خدماته، على أمل الهجرة إلى إسرائيل في أقرب فرصة، وتوفير فرصة عمل له هناك. ولما أدركت هي ما يصبو إليه، لعبت على أوتار أمنيته، ووعدته بتحقيقها في التقريب العاجل. استتر إبراهام خلف مكتبه التجاري، وزيادة في التمويه ... قام بشحن كمية من فاكهة البرتقال إلى الكويت، بواسطة سيارة نقل كبيرة "برادة" يقودها سوري عربيد من السويداء، يعشق الخمر العراقي والنساء، له زوجة سورية في درعا، وأخرى عراقية في المقدادية، وثالثة إيرانية في كرمشاه. كان السائق زنديقاً لا ديانة له، اسمه "خازن" وشهرته "شاخص" لشخوص واضح في عينيه، استطاع هذا الخازن أن ينال ثقة ابراهام خلال فترة وجيزة من العمل لديه في نقل الفاكهة إلى الكويت، ولأنه سائق فقط على البرادة، تسلل إبراهام إلى عقله ووجدانه، ووعده بأن يمتلك مثلها إذا أخلص إليه "وتعاون" معه. في إحدى زياراته لزوجته السورية، تمكن شاخص من الحصول على بعض المعلومات التي تتصل بالتحركات العسكرية السورية على الجبهة، وبعض القواعد الجوية التي تطورت منشآتها وتحصيناتها، كما وطدد علاقته بأحد المتطوعين في الجيش السوري من أقرباء زوجته، استطاع بواسطة الهدايا التي أغدقها عليه، أن يتعرف من خلاله على أسرار هامة، تمس أموراً عسكرية روتينية ويومية، قام بنقلها إلى ابراهام بأمانة شديدة، فمنحه مبلغاً كبيراً شجعه على أن يكون أكثر إخلاصاً في البحث عن المعلومات العسكرية، ليس في سوريا فحسب، بل وفي الكويت أيضاً. كانت الكويت في ذلك الوقت إمارة صغيرة غنية، سمحت للعديد من العراقيين والإيرانيين بالإقامة وبعض حقوق المواطنة، فضلاً عن العديد من أبناء الجنسيات العربية الأخرى الذين تواجدوا بها منذ سنوات طويلة. ومن بين هؤلاء كانت توجد نفوس ضعيفة يسهل شراؤها، خاصة أولئك الذين يشعرون بالدونية وبأنهم مواطنون من الدرجة الأدنى. استطاع خازن أن يستثمر ذلك جيداً في شراء ذمم بعضهم، وحصل على معلومات دقيقة عن أنواع الأسلحة المتطورة في الكويت، ومخازنها، ونظم التدريب عليها، وعدد المنخرطين في الجيش الكويتي، وبعثات الطيارين في الدول المختلفة. وامتد نشاطه الأفعواني إلى دول الخليج العربي وإماراته الأخرى. فمكن بذلك ابراهام من تجميع ملفات كاملة، تحوي الكثير من المعلومات العسكرية والاقتصادية والتجارية عن الكويت ومنطقة الخليج. ميسون عادت تحير ضباط الموساد في أمر عميلهم أبراهام، فإخلاصه يزيد كثيراً عن الحد المعهود، ونشاطه التجسسي يتطور ويمتد ليشمل بخلاف العراق دول الخليج وسوريا. وكان لا بد من حمايته كي لا يغتر بنفسه فيكشف أمره، وحمايته ليست بالطبع بواسطة حراس مسلحين، وإنما بتدريبه تدريباً خاصاً لرفع الحس الأمني لديه، والوصول بكفاءته كجاسوس محترف إلى درجة أعلى في الخبرة والمهارة، فاستدعى للسفر إلى عبادان على وجه السرعة، حيث كان ينتظره خبيران من الموساد أحدهما روبرتو بيترو، جاء خصيصاً من أجله لأنه يحمل ترخيصاً تجارياً، لم تواجهه مشكلة في مغادرة العراق. مكث أبراهام معهما تسعة عشر يوماً، أخضع أثناءها لدورات مكثفة في كيفية فرز المعلومات وتنقيتها، والسيطرة على هذا الكم الهائل من العملاء الذين يدينون بالولاء لإسرائيل، هذا فضلاً عن تدريبه على كيفية الإرسال بالشفرة، بواسطة جهاز لاسلكي متطور أمدوه به وجهاز راديو لاستقبال الأوامر. ورجع إبراهام إلي العراق يزهو بالحفاوة التي قوبل بها، وبالتدريب الجيد الذي ناله، وبالأموال الطائلة التي ما حلم بمثلها يوماً. سرت راحيل بالهدايا الثمينة التي حملها إليها. وجهاز الراديو الترانستور الحديث بين أمتعته، والذي هو في الأصل جهاز لاسلكي تتعدى قيمته عشرات الآلاف من الدولارات وفي أولى رسائله إلي الموساد طمأنهم على وصوله بسلام، وبثهم تحيات زوجته، وتلقى رداً يفيد استلام رسالته، وتمنياتهم الطيبة لهما بعمل موفق. في الحال شرع إبراهام في الاتصال بأعضاء الشبكة، وطلب منهم معلومات محددة كل حسب تخصصه، وأمدهم بآلاف الدنانير ليغدقوها على عملائهم، فأثبت كفاءة عالية في إدارة شبكته بمهارة. وذات يوم بينما كان في الموصل، لم يصدق عينيه وهو يقف وجهاً لوجه أمام ميسون في أحد الميادين، وحين ألجمتها المفاجأة أسرعت بالفرار وسط الزحام تتلفت خلفها، بينما غادر سيارته الماسكوفيتش ملهوفاً وأسرع وراءها، تمر برأسه ألوان من الذكريات البعيدة لم يستطع نسيانها. فلما أدركها، ملتاعة صرخت، فطمأنتها نظراته المليئة بالحب والشوق، ومشت معه إلي السيارة ترتعد، وقد أنسحبت الكلمات في حلقومها. وفي الطريق إلي منزلها.. عاتبها كثيراً، وشكا لها قسوة المعاناة التي عايشها من بعد هروبها، وعلى المقود هجمت عليه أشجانه، وغلبته دموعه فاستسلم لها، في حين شهقت أخته باكية تستعطفه، وترجوه أن ينسى ما كان بينهما، وأشارت الى بطنها المنتفخ قائلة إنه الابن الثالث لها. لكن يهودياً خائناً وشاذاً مثله، لم يكن مؤهلاً لأن يستجيب لرجفة الخوف والضعف عند عشيقته الأولى في حياته .. أخته. فما إن وصلا الى منزلها، وكان خالياً من زوجها، إلا وطالبها بحمل مستلزماتها وولديها والعودة معه الى بغداد. رفضت ميسون مسترحمة، فانهال عليها ضرباً وركلاً غير مبال بصراخ الصغيرين، وأمام إصرارها على الرفض طالبها بحقه ... فيها... !! ألم نقل بأنه يهودي خائن، تبرأت منه النخوة واعتلاه الجمود؟ .. هكذا نال ما أراده منها، مدعياً بأنه حق مكتسب وواجب عليها أن تؤديه كلما طلبها. رجع بغداد مكدراً ليجد راحيل تعاني آلام الحمل الأول في شهوره الأخيرة. وبعد أسبوع يأخذها في الفجر إلي المستشفى، فتلد جنيناً ميتاً سرعان ما تلحق به هي الأخرى بسبب حمى النفاث، كأنما أراد الله أن يقطع ذريته إلى الأبد، ويحرمه من مشاعر الأبوة فيظل وحيداً كشجرة جافة بلا جذور، تطيح بها الأنواء فتتكسر. ولأول مرة منذ هجرته ميسون في البصرة، تفتك به الوحدة وتعتصره الأحزان، فتخنق لديه مباهج الحياة، وتبثه اللوعة تكوي عظامه وتزلزل عقله، فيفقد شهيته للعمل، وينزوي في ضعف يسربله الخوف والوهن، وتفر منه اندفاعات الجرأة إلى حيث لا مستقر. اللاسلكي المهشم في تل أبيب اجتمع ضابط الارتباط بمرؤوسيه، وقرأ عليهم رسالة عاجلة بثت في بغداد تقول: "دوف: أمر بظروف نفسية معقدة... لا أستطيع الاستمرار في العمل... لن أكون ذا نفع لكم من الآن ... ابعثوا بمن يقود المجموعة ... سأنتظر ردكم بلا أوامر في الميعاد شالوم". وجم الجميع، فإشارات المراسلة ورموزها السرية صحيحة، بما يفسر عدم وقوع العميل في قبضة المخابرات العراقية، ماذا حدث إذن؟ كانت هناك شكوك في فحوى الرسالة، فهي إحدى المرات القلائل، الوحيدة التي يتسلم فيها الموساد رسالة غامضة كهذه من عميل نشط. وفسر البعض ذلك بأنه ربما كشف أمره واعترف بكل شيء، وضبط بنوتة الشفرة رموز الاستهلال والختام السرية المتفق عليها. لكن ضابط الارتباط استبعد ذلك، فالعميل يحفظ الرموز جيداً عن ظهر قلب ودرب كثيراً على ذلك في عبادان، ولو أن أمره قد انكشف وأجبر على بث الرسالة، لعكس الأرقام. وكان لابد من معرفة حقيقة الوضع في العراق. عندئذ بعثوا إليه برسالة مغلوطة سرعان ما جاءهم رده يطلب إعادة البث مرة أخرى، ولما عجز عن فك رموزها، أيقن أن هناك خطأ ما، فبث رسالة تأكيدية أخرى ضمنها إشارت سرية بديلة أراحتهم وطمأنتهم. على الفور أرسلوا إليه بإيراني خبيث، يدعى طباطباني حبرون يعمل لحسابهم في طهران، تسلل إلى العراق بأوراق مزورة تحمل اسم رضائي عبد الرضا، التقى بإبارهام الذي كان شارد الذهن منكسر المزاج، واستطاع بعد لأي أن يعيد إليه توازنه، ويقنعه بالاستمرار في العمل، خاصة وإسرائيل في تلك الفترة كانت تمر بظروف مختلفة، بعدما انتصرت على العرب في حرب يونيو 1967، هذه الظروف كانت تستدعي العمل بجد ترقباً لرد عربي وشيك، قد يدمر إسرائيل ويقضي عليها. لقد وعده طباطباني بحياة رغدة في إسرائيل بعد انتهاء مهامه، فحرك فيه روح الحمية والعداوة ضد العراقيين، الذين أمدوا الجيوش العربية بالسلاح والعتاد لضرب إسرائيل، فلما نجح الخبيث في مهمته مع الجاسوس المحبط، عاد من حيث أتى، فلقد استرد إبراهام طاقته ومواهبه من جديد، ومارس الجاسوسية على أوسع نطاق، إلى أن وقع حادث خطير زلزل كل شيء. فبينما كان يحمل جهاز اللاسلكي متوجهاً به إلى مخبئه بسطح منزله – وقد انتهى لتوه من بث رسالة لتل أبيب – زلت قدمه على السلم، فسقط منه الجهاز الثمين وتبعثرت محتوياته الداخلية. حينئذ أصيب أبراهام بالفزع، واعتراه اضطراب رهيب. وكتب على الفور رسالة بالحبر السري إلى الموساد في أثينا، يطلعهم على الخبر الصاعقة، وكانت صاعقة بالفعل وقد أصابت العقول المتابعة في تل أبيب. وعقد على الفور اجتماع ضم نخبة من خبراء الموساد، اتخذ فيه قرار نهائي بإرسال روبرتو بيترو إلى بغداد لإصلاح الجهاز المعطل. اطلع ضابط الموساد على المهمة التي كلف بها، وحسب الخطة الموضوعة سافر إلى روما حيث تسلم وثيقة سفر إيطالية، وتمت تغطية شخصيته الجديدة كمندوب لشركة انتراتيكو الإيطالية للمقابض، حيث سجل اسمه في جميع الدوائر، توقعاً السؤال عنه من قبل مكتب المخابرات العراقية في روما. فما إن وطأت قدماه مطار بغداد الدولي، حتى كانت عيون مخابراتها ترصده عن بعد. فالجواسيس في تلك الفترة كانوا كمرتادي دور السينما، لا عدد لهم، أغلبهم من يهود العراق الذين ينعمون بالأمن، وأبوا إلا أن يعترفوا بإسرائيل وطناً أولاً لهم. فباعوا أمن العراق وهتكوا ستره، ونقبوا عن أسراره لحساب الموساد. حصاد المشانق ما إن رصدت أعين المخابرات العراقية مطاردة إبراهام لروبرتو حتى كثفت من رقابتها، فهناك أمر ما يجمعهما معاً. وتأكد لهم ذلك من لقاء بئر السلم بشارع السعدون. وبينما البحث يجري في روما عن حقيقة روبرتو المجهول، كانت الأجهزة اللاقطة قد زرعت بمكتب إبراهام، الذي تسلل إليه روبرتو دون أن يلحظ وقوف سيارة "فان" سوداء ذات ستائر غليظة، بداخلها أحدث أجهزة التنصت التي تنقل أنفاس من بالمكتب، إضافة إلى عربة جهاز تتبع الذبذبات اللاسلكية التي جيء بها من موسكو. فقد كانت تطوف بالمكان بلا انقطاع. بعد قليل سمع بوضوح رنين جرس الباب، ووقع أقدام تتحرك، وفجأة ... انبعث صفير حاد عطل عملية التنصت. فخبير الموساد المدرب، وبحسه الأمني العالي، أدار جهاز التشويش الذي جلبه معه، تحسباً. وعلى مدار تسعة أيام في بداية عام 1968، لم تسفر المراقبة عن شيء ذي قيمة، فإبراهام ماكر للغاية، وضيفه يقوم بمناورات عجيبة للتخفي استدعت تغيير فرق المراقبة والرصد كل عدة ساعات، فضلاً عن جهاز التشويش الإلكتروني الطنان، الذي أفشل عملية التسجيل. وبالرغم من أن التحريات التي جاءت من روما أكدت بأن روبرتو إيطالي لا شك في ذلك، لكن الأمر كان يبدو محيراً حقاً، فالساعات التي كان يقضيها بالمكتب مع إبراهام، كانت دائماً تثير شهية الاقتحام. وبينما كان الجو مشحوناً بالقلق والاضطراب، فجأة، ودون توقع... التقط جهاز كشف الذبذبات اللاسلكية إشارات متقطعة لا تكتمل، تبث لاسلكياً من منطقة السعدون، فصرخ أحد الخبراء قائلاً إنها تشبه إشارات جهاز لاسلكي معطل، ويجري إصلاحه وتجربته، وعلى الفور صدرت أوامر عليا بمداهمة المكان. وكانت المفاجأة كما توقعها الضابط العراقي، حيث وجد روبرتو منهماً في إصلاح اللاسلكي، وإبراهام يرقبه عن قرب... صعق العميلان... ولهول الصدمة تسمرا في مكانيهما، فانقض عليهما الرجال وكبلوهما واقتيدا مغميان لمبنى المخابرات، حيث جرى استجوابهما في ذات ليلة، فيعترف ابراهام بكل شيء، بينما التزم روبرتو الصمت رغم التعذيب المميت الذي لاقاه، كأن جسده قد من صخر، لا رابطة بينه وبين مخه. وبعد ثلاث ليال من التجويع والعطش انهار روبرتو تماماً، وأقر بأنه ضابط مخابرات إسرائيلي، جاء لمهمة إصلاح الجهاز "فقط" لا للتجسس ضد العراق؟! وأسفر التحقيق مع العميلين عن مفاجآت عجيبة لم تخطر ببال العراقيين أبداً، فقد تبين أن شبكة إبراهام تضم 36 جاسوساً، هم في مجموعهم خليط عجيب من يهود عراقيين، وإيرانيين، وإسرائيليين من جنسيات مختلفة، ألقى القبض على غالبيتهم في غضون أربعة أيام، وقدموا إلى المحكمة العسكرية العليا، وكانت هي المرة الأولى، في تاريخ الجاسوسية الإسرائيلية في العراق، التي يحاكم فيها ستة وثلاثون جاسوساً، تضمهم شبكة جاسوسية واحدة. وبقدر سعادة رجال المخابرات العراقية لضبط هذه الشبكة الخطيرة، كانت الصدمة قاسية جداً في إسرائيل، وأمهر رجالها يعدمون في سبتمبر 1968 ببغداد، غير آسفة تحصدهم المشانق والبنادق. إنها صدمة ما بعدها صدمة، إذ أفقدت الموساد الثقة بأن رجالها أذكى رجال المخابرات في العالم، وتأكد لها بما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك في العراق، وفي سائر الوطن العربي، رجال أشد ذكاء وضراوة وخبرة، بما يؤكد استمرار حروب الجاسوسية والمخابرات بين العرب وإسرائيل، حروب شعواء ينتصر فيها الأقوى، والأمهر، والأذكى، والأشرس، ويندحر فيها المريض الضعيف !! |
|
| |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| وكر الجواسيس - سري للغاية | فــارس الحـ§§§ــناء | يوتيوب قناة الجزيرة - فيديو برامج قناة الجزيرة | 4 | 11-02-2009 06:43 AM |
| مجلة أمريكية تنشر تقريراً عن كتاب (لا تحزن) كأكثر كتاب عربي مبيعاً في العالم | دروب المحبـــــة | قناة أخبار مراسليها أعضاء المنتدى حول العالم | 9 | 01-25-2008 10:19 AM |
| كتاب: الحجج الدامغات لنقض كتاب المراجعات | قناص الرافضة | منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة | 1 | 06-29-2007 03:50 AM |
| ذبح احد الجواسيس في الموصل | قتيل الوهم | عجائب وغرائب | جرائم وأحداث | 16 | 11-06-2004 01:14 AM |