الموضوع: عجز ‏الثقة
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-14-2007, 10:30 AM   رقم المشاركة : 1 (permalink)
مساعداوي
رومانسي رائع
 
الصورة الرمزية مساعداوي






مساعداوي غير متصل

 

 

عجز ‏الثقة








عجز ‏الثقة وجَلَد الفاجر
‏حسن الأشرف 15/3/1428

"‏اللهم إني ‏أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة"، هكذا أعلنها عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ ‏مدوية صريحة بليغة. ويحق التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء تعوذ الخليفة الثاني ‏لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ من الصنفين من الرجال: الفاجر المثابر والجريء ‏القوي، ومن الثقة الصالح السلبي المستكين، ( الذي لا يهش ولا ينش ) ، ويكفيه أنه في ‏حاله، لا يسكن أبعد من ثيابه، ولا يرى أكثر من أنفه. فلماذا تعوذ منهما عمر؟ ألهذا ‏الحد هذان النوعان من الناس لا خير فيهما؟.

‏مظاهر عجز الثقة:

الرجل الثقة ‏العاجز لن يفيد الأمة بشيء يُذكَر، مادام تردده وضعفه نواقص قد حث الإسلام المسلم ‏على عدم الاتصاف بها، فقد قال رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: ''المؤمن ‏القوي خير من المؤمن الضعيف''، ويضيف الرسول _صلى الله عليه وسلم_ في السياق ‏ذاته:'' احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني ‏فعلت كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان"''، فالدعوة هنا صريحة غاية الصراحة، موجهة إلى ‏كل مسلم بأن يحرص على ما ينفعه في الدنيا والآخرة، مستعينا بالله وحده، ولا يجعله ‏فشل ما عرض في حياته أو عمله عاجزا عن الاستمرار في مساره، كما يرتضيه الله تعالى ‏ورسوله الكريم، في شتى مناحي الحياتين: الأولى والأخرى.
‏والرجل الصالح إذا ‏كان عاجزا لا ينفع المجتمع رغم شهادة الأرض له بالاستقامة والثقة، فهو بالكاد ينفع ‏نفسه، بل قد يفضي عجزه وتردده في اتخاذ القرارات الحاسمة إلى تهيئ تربة خصبة لكثير ‏من الآفات والأباطيل في المجتمع، فالمرء الطيب العاجز يستطيع إصلاح نفسه فقط، غير ‏أنه لا يساهم بشكل فعال في إصلاح الجماعة، التي تحتاج أساسا إلى الإنسان الصالح ‏المصلح أيضا، الذي تتجاوز رسالته ذاتَه إلى محاولة إصلاح المجتمع بالوسائل المتاحة ‏له ولو كانت يسيرة قليلة. فهناك فئام من الناس يظنون أنهم بصلاتهم وزكاتهم وصومهم ‏وحجهم قد أدوا ما عليهم تجاه مجتمعهم وبلدهم. غير أن الحقيقة ليست كذلك، وما هم في ‏ميزان الجماعة إلا كنقط مضيئة يعلوها غبار يحول بينها وبين التوهج والإشعاع.

‏إن المجتمع المسلم ليس بحاجة إلى عابد غافل، ولا إلى ساجد عاكف، ولا إلى ‏زاهد جامد لا يراوح مكانه، بل هو في أمس الحاجة إلى عابد متنبه ومتيقظ، وإلى ساجد ‏مرتفع الهامة ومنتصب القامة، وإلى زاهد يمسك بتلابيب الحياة لبلوغ مرمى الآخرة. وقد ‏يتساءل البعض ما فائدة عبادة هؤلاء إن لم تكن تنفع المجتمع وتفيد الأمة كلها؟، وما ‏جدوى علم لا يبدد دياجير الظلام السائد في كثير من الأمكنة في مجتمعاتنا المسلمة؟. ‏فعجز الصالح الثقة على التفاعل مع محيطه القريب قبل البعيد، والمساهمة في إصلاح ‏عيوب المجتمع أفرادا وجماعات ومؤسسات، يجعله يستقر في المؤخرة، ويرضى بالسلبية ‏منهجا، فارا من مواجهة المشاكل وتحدي العراقيل، مفضلا السلامة والدعة والعيش في ‏هناء، قد يلهيه كسب قوت يومه، وقد يغرق في التفاصيل المملة لواقعه، أو خائفا على ‏منصبه، يتبع سير السفهاء ويرنو إلى عيش الغوغاء..وإن سألتَه عن حاجة المجتمع لصلاحه ‏وإصلاحه، بسط أمامك ألف عذر وعذر ليقنعك
‏أنه مفيد في حالة سكونه وتقوقعه أكثر ‏من انطلاقه وحركيته في ظل واقع موبوء لا يشي بالخير ..
‏والصواب أن الفرد ‏الثقة الصالح ينبغي أن يكون صالحا لنفسه ومُصلِحا لمن حوله، وثقته تقاس أساسا بمدى ‏عطائه الفردي والجماعي، وحجم تأثيره الإيجابي في محيطه.
‏مثال عجز ‏الثقة:
‏ولعل من أبرز الأمثلة التي تبرز عجز كثير من أهل الصلاح والثقة أنهم إذا ‏تولوا مناصب أو مراكز وأنيطت بهم المسؤوليات، وكان المرجو منهم خدمة مجتمعاتهم ‏وعقيدتهم، كانوا أقرب إلى التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة منهم إلى القيادة ‏القوية، ربما حتى لا يقال عنهم أنهم انحازوا لمبادئهم وعقيدتهم، أو اتهِموا بتهم ‏تشكك في سلامة نواياهم، كما حدث ويحدث لكثير من أبناء الصحوة الإسلامية اليوم، حيث ‏تُكال التهم لهم بدون وازع تحت دواعي ومزاعم واهية محبوكة بكثير من الخبث واللؤم ‏العالميين. وفي المقابل، يجتهد أهل الباطل والفجور في استغلال مناصبهم ومسؤولياتهم ‏ومنابرهم لبث أفكارهم والدفع بمشاريعهم الهدامة إلى الأمام، غير آبهين بالأصوات ‏المنتقدة أو الأيادي النظيفة التي تدعوهم إلى التعقل وتحاول محاربتهم بالتي هي ‏أحسن.

‏المطلوب من الثقة
‏و المطلوب من الثقة أن يكون نافعا لنفسه، نافعا ‏لغيره أيضا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:"أحب الناس إلى ‏الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، ‏أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من ‏أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً ولو شاء أن ‏يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى ‏يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام. وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما ‏يفسد الخل العسل". والحديث رواه الطبراني، وحسنه الألباني.
‏ففي هذا الحديث ‏الجامع، يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس. ‏والنفع لا يكون فقط ماديا، بل يشمل النفع بالنصيحة والنفع بالمشورة والتوجيه إلى ‏الخير، فالدال على الخير كفاعله، وغير هذه الأبواب كثير.. فكل من ينفع الآخر فهو ‏داخل ـ إن شاء الله تعالى ـ في الذين يحبهم الله تعالى: ''أحب الناس إلى الله ‏أنفعهم''.
‏ولعل المثال الساطع الذي يوضح بجلاء المهام التي ينبغي أن يضطلع بها ‏الثقة الصادق والصالح هو ما حواه جواب الرسول الكريم حين أتاه صحابي يسأله: "يا ‏رسول الله علمني شيئا ينفعني الله به". فكان رد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ‏بليغا يختزل المضمون العميق لما يجب أن يكون عليه المسلم الثقة الصالح من قوة ونفع ‏للناس عوض التقوقع والتشكي من سوء أحوال البلاد والعباد..أجابه الرسول الكريم ‏بالقول: "يا أبا برزة.. انظر ما يؤذي الناس فاعزله عن طريقهم". ولعل الأذى الذي ‏يقصده المصطفى يعم أذى الطريق من أزبال وحجارة وشوك، ويتعداه إلى إماطة الأذى ‏الأكبر من طريق المسلمين، والمتمثل في التحديات الخطيرة التي تقف أمام نمو المجتمع ‏المسلم، من مشاكل اقتصادية وتنموية وتواصلية وسياسية أيضا، مثل معضلة البطالة ‏والفقر والأمية..الخ.

‏و أحب الأعمال إلى الله كثيرة، تبتدئ بإدخال السرور ‏على قلب المسلم بأن تزوره في مرضه وعافيته، وشدته ورخائه، وبالسؤال عنه ومعرفة ما ‏يفرحه وما يترحه، كيف يعيش، وهل يحتاج إلى مساعدة أو عليه دين حتى تبادر إلى مد يد ‏العون له، أو على الأقل تذليل العقبات أمامه، وبِكشف الكرب عنه، أو بطرد الجوع عنه، ‏وهو عمل من أعمال البر الجليلة، ويجزي عنها الخالق سبحانه بجنة عالية، قطوفها ‏دانية، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
‏إن ‏من ينفع الناس ويشارك في بناء المجتمع بناء قائما على الخير والفضيلة هو من الأخيار ‏ولا شك، أما الذي يدوس على مشاعر الناس غير آبه بما يحتاجونه ولا بما يهمهم، فهو من ‏الأشرار ولا قيمة له تذكر في المجتمع. قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: ''ألا ‏أخبركم بخيركم من شركم؟ خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا ‏يؤمن شره''.
‏جرأة الفاجر
والثقات العاجزون يمنحون ـ بسبب عجزهم وسلبيتهم ‏ـ فرصا تلو أخرى للسفهاء الذين يستطيعون ـ بفضل دهائهم وذكائهم ـ أن يسيروا دواليب ‏حياة الناس ويدبروا شؤونهم. وهؤلاء أيضا رغم جَلدهم وعناصر التفوق في شخصياتهم لا ‏يفيدون المجتمع بقدر ما يسيئون إليه. وهو الصنف الثاني الذي تعوذ منه الفاروق عمر ‏رضي الله عنه فهو الفاجر الذي يمتاز بالجَلَد والصبر وقوة الشكيمة ونبوغ ‏الفكرة.
‏ويبرز مثال جلد الفاجر وجرأته على نشر الباطل والفساد في كثير من ‏القائمين على وسائل الإعلام والصحافة في بلادنا الإسلامية، حيث ينبرون للدفاع عن ‏أفعالهم رغم قبحها، وعن توجهاتهم رغم دناءتها، يدافعون عنها دفاعا شرسا، حتى أنه قد ‏تنطلي الحيلة على البعض من شدة حرصهم على الذود عن حياض قيمهم الموغلة في الفساد، ‏وهو فساد قديم قدم البشرية نفسها، إنما تتجدد الوجوه والأماكن والأزمنة، ويظل ‏الصراع بين الحق والباطل هو جوهر شتى مناحي حياة الإنسان.
‏وفي بعض البلاد ‏الإسلامية ـ المغرب مثلا ـ تندفع صحف وجرائد لتسيء لشخص الرسول الكريم أو تستهزئ ‏بالذات الإلهية العظيمة، كما حدث منذ بضعة أسابيع حين نشرت مجلة مغربية فاق خبثها ‏خبث الصحف الدانماركية التي أساءت لمقام المصطفى عليه الصلاة والسلام بنشرها رسوما ‏كاريكاتورية مقيتة، فقد أفردت في ملف صحفي كامل أنواعا من نكت سخيفة لا تضحك أحدا، ‏ومنها نكتة تصور الله عز وجل يخاطب الصحابي الجليل أبو هريرة ويخوفه بالنار، ثم ‏يقول له إنها "كاميرا خفية" فقط..
‏وجرأة الفاجر في هذا المثال تكمن أساسا في ‏دفاع المجلة عن خطها التحريري الذي تفوح منه العداء لكل ما هو دين، ولها سوابق ‏عديدة في هذا المجال، واعتبر أصحابها أنهم لم يقصدوا الإساءة لأحد، وانبرت وسائل ‏إعلام أخرى تدافع عن ما أسموه بحرية التعبير والحق في الاختلاف، وغيرها من المفاهيم ‏الكبيرة التي تستدعي جعجعة ولا طحين.
‏وهذا هو دأب الفاجر حين يكون ذا جلد وجرأة ‏وقوة، تجده يدافع عن باطله كأنه الحق الذي لا مراء فيه، ويستعمل جميع إمكانياته ‏الذاتية والموضوعية ليقوي من مركزه ويساعد أعوانه في الشر والزيغ والفساد ‏والإفساد.. وهكذا إن كان الثقة الصالح عاجزا لا يصلح ما حوله، فإن الفاجر يكون ‏صابرا مقداما ، فاسدا في ذاته ويتفنن في إفساد محيطه.
‏الميزان
‏والمطلوب ‏الذي يحتاجه المجتمع المسلم في واقعنا الحالي هو الجمع بين الصفتين الحميدتين في ‏الفئتين معا: الجلد والقوة عند الفاجر، والثقة والصلاح عند العاجز.
‏وهذان ‏عنصران أساسيان في بناء كل فرد وكل جماعة. وما أحوج المجتمع الإسلامي اليوم قبل أي ‏وقت مضى لأناس يمتلكون الشخصية القوية الجذابة، ومعهم ما يكفي من الصلاح والتقوى ‏والورع لبناء أسس الأمة لبنة لبنة.
‏فدعاء عمر رضي الله عنه: ''اللهم إني أعوذ ‏بك من جلد الفاجر ومن عجز الثقة''، مَثلَ الخصال الطيبة في هذين النوعين من الناس ‏وجسدها في أدق عبارة وأجملها.
‏وهو نفسه رضي الله عنه كان مثالا نادرًا ‏للصلاح والثقة، وللزهد والورع والتواضع والإحساس بثقل مسؤولية الحكم حينما تولى ‏خلافة المسلمين بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حتى إنه كان يخرج ليلا يتفقد ‏أحوال المسلمين، ويلتمس حاجات رعيته التي استودعه الله أمانتها، وله في ذلك قصص ‏عجيبة تُجسد الجلد وقوة الحق المطلوب أن يتصف بها كل مسلم، حتى تحفظ الأمة من جلد ‏الفاجر وعجز الثقة.