لتدعيمه اكثر الدَّيْن, آثاره وأضراره
إعداد: علي بن محمد أبو هنية
يا أيها الناس اتقوا الله حق التقوى, واشكروه على ما منَّ به عليكم من النعم العظيمة والآلاء الكريمة، (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
واعلموا أن من أعظم النعم على العباد وهي كثيرة، وكثيرة جداً؛ نعمةَ المال، هل المال نعمة؟ نعم, نعمة يا عباد الله؛ إن اتقى العبد به ربه, ووصل رحمه, وعمر به قبره والدار الآخرة, وأنفقه في حقه في وجوه الخير والبر والإحسان. وهو نقمة على العبد إن ضيعه في غير حقه في صنوف المعاصي والشهوات والفجور.
فبالمال يوصل الرحم الذي يكون سبباً لطول العمر والبركة في الرزق. قال صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه". وبالمال يُنال الأجر العظيم والخير العميم في الآخرة إذا أعطي لمستحقيه. قال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). وبالمال يتعفف العبد عن مسألة الناس ويحفظ ماء وجهه أعطوه أو منعوه، وبالمال يحفظ العبد نفسه من الفقر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الفقر. وبالمال يتقي العبد حر نار جهنم، قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة". وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان؛ فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً".
فكما ترون يا عباد الله إن هذا المال نعمة من الله جل وعلا، ووسيلة للتقرب إليه، قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: "إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"، وكما ترون هو وسيلة لربط العلاقات وشد الأواصر بين المسلمين في صلة الرحم والإحسان إلى بعضهم البعض به. ولكن لما أساء الناس استخدام هذا المال صار نقمة عليهم بعد أن كان نعمة، وصار سبباً في تفرقهم بدلاً من أن يكون سبباً لتقوية الوشائج ووحدة القلوب والأبدان، فكم من أخ قد خاصم أخاه بسبب المال, وكم من صديق قد فارق صديقه بسبب المال, وكم من رحم قد قطعت بسبب المال؛ وما ذاك إلا لبعدهم عن الدين وتعاليمه وأحكامه المستقاة من كتاب الله المبين, وسنة سيد المرسلين, وسيرة سلفنا الصالحين.
أيها المؤمنون الموحدون؛ من هذه الأحكام التي تتعلق بالمال وأساء المسلمون استخدامها ـ إلا من رحم ربي منهم ـ الدَّين، نعم الدَّين يا عباد الله، الذي ذكره الله عز وجل في كتابه, وأنزل فيه أطول آية في القرآن, بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) ، وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم وحذر منه أيما تحذير بقوله: "والذي نفسي بيده لو قتل رجل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل ثم عاش ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى دينُه"، وقال صلى الله عليه وسلم: " من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته ليس ثَمَّ دينار ولا درهم ", وقال صلى الله عليه وسلم: " يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ".
فانظروا يا عباد الله إلى قول نبيكم صلى الله عليه وسلم هذا وتأملوا معي حالنا في هذه الأيام كم نتهاون بالدين وكأننا لا نحسب للآخرة حساباً ولا نلقي لها بالاً. ألا فلنتق الله في أنفسنا، فإن أقدامنا لن تزولَ يوم القيامة حتى نسأل عن مالنا من أين اكتسبناه، وفيم أنفقناه.
عباد الله، كان سلفنا الصالح يجعلون الدين طاعة لله وقربه فعن عائشة رضي الله عنهما أنها كانت تدّاين فقيل لها: ما لك وللدين ولك عنه مندوحة؟ قالت: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون فأنا ألتمس ذلك العون ". ووالله إننا لنسمع العجب العجاب في زماننا هذا من أخبار الناس في الدين والمداينة ، فمنهم من يستدين وهو لا ينوي السداد قال صلى الله عليه وسلم: " أيما رجل تداين ديناً وهو مجمع أن لا يوفيه إياه لقي الله سارقاً " . وقال صلى الله عليه وسلم: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه, ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ". ومنهم من يأخذها بنية السداد ولكن ينسى صاحب المال أن يطالبه بها فيُسول له الشيطان فيأكل حق أخيه. ومنهم من يكون ثمن الشيء في جيبه ولكنه يشتريه بالدين تهاوناً به, غير مبال بعظم الأمر، ومنهم من يأكل ويشرب بالدين ويماطل صاحب الحق وهو معه السداد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " مطل الغني ظلم ". ومنهم من يماطل ثم يماطل حتى إذا أرهق صاحب الحق قال له: ما رأيك أن أعطيك نصف المبلغ وتسامحني في الباقي فيسامحه المسكين رغماً عنه وحياءً منه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس منه". والأدهى من هذا والأمَرُّ من يتوضأ ويغتسل ويشرب هو وأولاده من ماء لم يدفع ثمنه سواء كان مسروقاً أو بفواتير لم يسددها, ويقول صلى الله عليه وسلم: " كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ". وكذلك من يضيء بيته ويطبخ طعامه وشرابه ويقضي حاجياته بكهرباء لم يدفع ثمنها.
عباد الله، ألا فلنتق الله في أنفسنا وأموالنا وأبنائنا، ولا نتهاون بهذا الأمر العظيم الذي أصبح داء وعلة في هذا الزمان العجيب.
واعلموا كذلك رحمكم الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي الجنازة على صاحب الدين حتى يقوم أحد الناس ويقول: علي دينه, ويتكفل بما عليه. عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: " كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة فقالوا: صلِّ عليها. فقال: " هل عليه دين ؟ " قالوا: لا . قال: " فهل ترك شيئا ؟ " قالوا: لا. فصلى عليه .
ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صل عليها. قال: هل عليه دين ؟ ". قيل: نعم. قال: " فهل ترك شيئا ؟ " قالوا: ثلاثة دنانير. قال: فقال بأصابعه: ثلاث كيات, فصلى عليها.
ثم أتي بالثالثة فقالوا : صل عليه. قال: " هل ترك شيئا ؟ " قالوا: لا. قال: " هل عليه دين ؟ ". قالوا: ثلاثة دنانير. قال: " صلوا على صاحبكم ". قال رجل من الأنصار يقال له أبو قتادة : صل عليه يا رسول الله وعلي دينه, فصلى عليه ".
نسأل الله جل وعلا أن يكفينا بحلاله عن حرامه، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ).
عباد الله طوبى لمن جعل هذا المال في طاعة الله وعمل لأخراه، ويا بؤس وشقاء من مالُه أطغاه، وفي النار أرداه.
عباد الله تعالوا معي لننظر إلى حال الصالحين قبلنا كما حدثنا نبينا صلى الله عليه وسلم كيف كانت الدنيا والمال في جيوبهم لا في قلوبهم، وكيف كانوا يخافون الله جل وعلا ويخشونه، فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلمذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار. فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم فقال كفى بالله شهيداً. قال: فائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى, فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركباً يركبه ويقدم عليه للأجل الذي أجله, فلم يجد مركباً, فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبها ثم زجج موضعها ثم أتى بها البحر, فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً فرضي بك فسألني شهيداً, فقلت: كفى بالله شهيداً فرضي بك. وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر, وإني أستودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله فإذا الخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحيفة. ثم قدم الذي كان أسلفه وأتى بالألف دينار فقال والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي جئت فيه.
قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة فانصَرف بالألف الدينار راشداً ".
نسأل الله جل في علاه وعظم في عالي سماه أن يعيد إلينا مجد أسلافنا وأن يعيدنا إليه، وأن يجعل في هذه الأمة أمثال أولئك الصالحين الأماجد الذين ضربوا المثل الأعلى في الأخلاق العالية السامية الرفيعة وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا يجعل مصيبتنا في ديننا.
وأختم يا عباد الله بالتنبيه على أمرين اثنين يتعلقان بهذا الموضوع العظيم:
أولاً: فضل من يسَّر على معسر, أو تجاوز عنه؛ أي من كان له دين على أخيه المسلم, ولم يستطع المدين سداد هذا الدين لعسر حاله, فيستحب للدائن أن يتجاوز عنه, وقد جاء في هذا أحاديث عظيمات:
1ـ عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم, فقالوا: عملت من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا تذكر. قال: كنت أداين الناس, فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر, قال: قال: الله تجاوزوا عنه".
2ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة وأن يظله تحت عرشه فلينظر معسراً".
نسأل الله جل وعلا أن يتجاوز عنا يوم القيامة, وأن ينجينا من كربه, وأن يظلنا تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وقد ثبت أيضاً عظم أجر من داين مسلماً مبلغاً من المال, أو أقرضه قرضاً حسناً وصبر عليه, وتقرب إلى الله بهذا الدين, وذلك بأن يخلص لله فيه:
فعن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنظر معسراً فله كل يوم مثله صدقة". ثم سمعته يقول: "من أنظر معسراً فله كل يوم مثليه صدقة". فقلت: يا رسول الله, سمعتك تقول: من أنظر معسراً فله كل يوم مثله صدقة, ثم سمعتك تقول: من أنظر معسراً فله كل يوم مثليه صدقة. قال: "له كل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين, فإذا حل فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة".
وفي رواية: " من أنظر معسراً فله كل يوم صدقة قبل أن يحل الدين, فإذا حل الدين فأنظره بعد ذلك فله كل يوم مثليه صدقة ".
تأملوا يا عباد الله كيف أن هذه العبادة ـ وهي القرض الحسن ـ عندما قلت عند الناس بسبب بعدهم عن دينهم, اتجهوا إلى البنوك الربوية, وإلى القروض المحرمة, فأطعموا أنفسهم وأبناءهم مالاً حراماً.
ثانياً: فلنتذكر ما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقول إذا كان على أحدنا دين, فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: " ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثلُ جبل أحد ديناً لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير.
رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما تعطيهما من تشاء وتمنعُ منهما من تشاء, ارحمني رحمةً تغنيني بها عن رحمة من سواك ".
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
ملاحظة: الأحاديث المروية في الخطبة, كلها صحيحة, وعامتها من صحيح الترغيب والترهيب للإمام الألباني ـ رحمه الله ـ.
خطبة ألقيت في مسجد بير نبالا/القدس
بتاريخ:20/3/1428هـ
6/4/2007م