عرض مشاركة واحدة
قديم 11-16-2006, 01:32 AM   رقم المشاركة : 3 (permalink)
_MorphEus_
مشرف متميز سابقاً
 
الصورة الرمزية _MorphEus_





_MorphEus_ غير متصل

 

 

''بركات'' يمدد تشويه ''البلد رقم واحد'' و''البوسطة'' يعطي الدرس





''بركات'' يمدد تشويه ''البلد رقم واحد'' و''البوسطة'' يعطي الدرس

شهد اليوم الثاني من مسابقة المنافسة الرسمية الدائرة رحاها بعدد من القاعات السينمائية بالعاصمة التونسية، عرض الفيلم الجزائري الثاني ''بركات'' بقاعة الـ ''أ·بي·سي''، حيث توجّه الجمهور المتتبع للتظاهرة من عشاق الصورة السينمائية وجموع النقاد لمعاينة واكتشاف الطرح الآخر الذي ظنوا أنه متوفر في عنوان آخر، لكنهم صدموا بتتمة غير معلنة لفيلم ''البلد رقم واحد'' سواء من حيث المضمون أو المستوى·
تتحرك شخصيات ''بركات'' مدفوعة برغبة في الموت أكثر من العيش، لا يطرح تحديا، وهو ليس عملا من إنتاج بوليوود أو فيلم هندي شعبي ولا عملا نخبويا أيضا، فسينما دول الجنوب يمكن أن تكون عميقة وخفيفة في الوقت نفسه، لكن ليس بهذه السلبية· رغم محاولة المخرجة جميلة صحراوي الاستثمار في المحنة الجزائرية للعشرية السوداء وركوب القطار الذي يلقى التصفيق والترحاب في كل محطة يتوقف عندها، إلا أن حياده عن السكة التي رسم لها ألبسته عباءة التشويه في حق الثورة الجزائرية ومجاهديها وشهدائها· ''بركات'' فيلم له من المميزات الفنية ما يجعله في مستوى فني حسن، على غرار الصورة والتأطير والتركيب المضبوط، لكن ذلك لم يشفع له بترقيته إلى الأفلام التي قد تترك بصماتها على المشهد السينمائي الجزائري خلال هذه الفترة على الأقل· فالتأريخ السينمائي لأي مرحلة ما قد يكون ضرورة أو على الأقل حالة صحية للحراك الثقافي عموما، وهو ما قد نستشفّه من توقّف سينمائيينا عند ظاهرة الإرهاب التي ضربت عمق المجتمع الجزائري، بل أكثر من ذلك، تقول أن هناك تقصيرا في تناول الظاهرة سينمائيا، لكن هل يعقل أن نتوقّف عند السينما السوداوية ونضعف من قدراتنا الفنية الأخرى التي لا يمكن أن نصل دونها إلى صناعة سينمائية متوسطة المستوى على الأقل؟ ذلك هو حال ''بركات'' الذي تطرّق في قصته إلى الطبيبة آمال ''رشيدة براكني'' التي تكتشف ذات يوم وهي عائدة إلى بيتها اختفاء زوجها الصحفي المختطف من قبل الجماعات المسلحة، فترافقها في رحلتها الممرضة خديجة ''فطومة بوعماري'' التي تتكفل بتشويه صورة مجاهدات الثورة من خلال خصوصيات المرأة المتحررة إلى درجة التفسخ، فكانت النتيجة شخصية سلبية ··
ولم يتوقف تجريم المجاهدين عند هذا الحد، بل ذهبت القصة إلى توريط زميل خديجة في الجهاد الثوري في الإرهاب وأهّلته لمنصب الأمير الثريّ ، وأكثر من كل ذلك فقد ذهب ''بركات'' في عبارة لفظية تخلّلت إحدى مشاهد المشاجرة التي جمعت بين آمال وخديجة إلى التهكم على البلاد قبل العباد، وهو ما شكّل إمضاء معلنا لروح العداء الذي أرادته قصة الفيلم تجاه الجزائر وذاكرتها الثورية· ومن غريب الصدف ربما أن اليوم الثالث من المنافسة جمع بين هذا الفيلم ''بركات'' والفيلم اللبناني ''البوسطة'' للمخرج فيليب عرقتنجي ''المغترب بفرنسا هو الآخر '' والذي ذهب هو الآخر في طرحه إلى الحرب اللبنانية، لكن هل اقتصر في تعرضه للحرب على السلبية، كلا، فالفيلم ليس فيلماً عن الحرب، إنه فيلم عن الأجيال التي اختارت أن تتجاوزها إلى الحياة ·
يدور الفيلم حول مجموعة من اللبنانيين دفعهم شغفهم الكبير للرقص والموسيقى إلى لمّ الشمل ومواصلة الرقص والغناء بعد أن كانت الحرب قد فرّقتهم وكادت أن تقضي على أحلامهم وتطلّعاتهم، وتؤدي الفرقة رقصة الدبكة الشهيرة التي تعدّ جزءا لا يتجزّأ من حضارة لبنان وثقافته الشعبية، غير أنّ المفارقة الأساسية التي تدور حولها حبكة الفيلم هي الطريقة التي يؤدي بها هؤلاء الشبّان والشابات الدبكة· فالموسيقى التي يستخدمونها هي مزيج من الموسيقى العربية أو الشرقية و موسيقى التكنو الغربية، والرقصات التي يؤدّونها مزيج غريب من خطوات الدبكة المعروفة مع خطوات أخرى من رقص الديسكو الغربي والفلامينكو الإسباني، إضافة إلى أشكال أخرى من الرقص غير العربي· هذا المزيج وجد رفضا صارما من قبل لجنة الدبكة الوطنية بعد أن كانت الفرقة معلقة آمالها لدخول مسابقة أو مهرجان الدبكة، حيث اعتبرت اللجنة هذا التغيير تعدّيا يشوّه كل ما تمثله الدبكة من تعلّق بالأصالة المتبقيّة من التراث اللبناني الذي يواجه رياح التغيير من كل الجهات· وهذا الرفض يولّد إصرارا مضاعفا لدى قائد الفرقة الذي يقرّر القيام بجولة حول لبنان لتقديم دبكته الخاصّة، من هنا تنطلق أحداث الفيلم مع انطلاق أعضاء الفرقة مستقلّين البوسطة حول مختلف المناطق اللبنانية·
''البوسطة'' يطرح إشكالية الخلاف أو الاختلاف ما بين الجيل القديم المتعلّق بأصالته، الرافض لأيّ تغيير يعرّض مبادئه للزوال، والجيل الجديد الباحث عن التجدّد الدائم، الرافض الانصياع لقوانين حياة لا يعيشها· فما ''دبكة التكنو'' إلا مثال عن رؤية جيل اليوم لموسيقى قد تمثّله، لا بل تشبهه وتشبه نمط حياته في غربيّتها وحداثتها· وما الحداثة هذه بالنسبة إلى جيل الأمس، إلا تغرّبا عن الهويّة الأصلية للإنسان التي تتّصل بأرضه وأهله في المقام الأوّل، والتي تكون سلاحا ثابتا له يواجه به كل المتغيّرات· ''البوسطة'' عمل علاجي بعد سنوات من الحرب، جاء ليؤكد أن السينما اللبنانية لا تزال حية، وهو أول فيلم موسيقي يبتعد على طريقته عن الموضوع الذي طالما استخدم وهو الحرب في لبنان، يتوجه إلى الجمهورين العربي والغربي، مع التطرق إلى أمور حساسة مثل دور المرأة في مجتمعنا واللواط وصراع الأجيال·
إن سينما الجنوب تصنّف في أكثر الأحيان في خانة فن التنديد بالواقع الاجتماعي، وليس بالتفسخ والتجني على الذات والتاريخ، مثلما حدث مع ''بركات''· ففيلم ''البوسطة'' اجتماعي إلا أنه متفائل جدا بالنسبة إلى الرغبة في العيش، فهو يحمل على سبيل الاستعارة اسم ''البوسطة'' في إشارة إلى إطلاق النار على بوسطة في حي عين الرمانة المسيحي في أفريل 1975 مما شكّل شرارة الحرب الأهلية في لبنان، عكس فيلم جميلة صحراوي التي استلهمت عنوانها من شعار ''سبع سنين بركات'' المنددة بالصراع الحاصل في صفوف الجبهة بعد الاستقلال، ولكم أن توازنوا بين العنوانين ومصدر استلهام كل مخرج.